الإثنين، 20 أبريل 2026

12:50 ص

وائل الغول

"جوج وماجوج”… كيف تُعرقل إسرائيل مفاوضات أمريكا وإيران؟

لم تعد المشكلة اليوم أن إسرائيل تعارض التفاوض بين واشنطن وطهران… بل إنها تعرقل جهود الوصول إلى تسوية مستقرة أو اتفاق طويل الأمد.

منذ البداية، تعاملت إسرائيل مع أي تسوية محتملة باعتبارها “تأجيلًا” للتهديد النووي الإيراني، وليس حلًا له.

لذلك لم تكن طرفًا رسميًا في المفاوضات، لكنها ظلت طرفًا فاعلًا خارج الطاولة، يؤثر في مسار الأحداث من خلف المشهد.

نحن أمام مشهد معقد: واشنطن تبحث عن احتواء الأزمة عبر التفاوض، إيران تسعى لتخفيف الضغط والعقوبات، بينما إسرائيل - بقيادة بنيامين نتنياهو- تتعامل مع أي تسوية باعتبارها تهديدًا مؤجلًا لا فرصة للاستقرار.

لكن خلف هذا الاشتباك السياسي، تمتد طبقة أعمق: أدوات ضغط ميدانية ودبلوماسية وأيديولوجية، تُحوّل الصراع إلى “معركة وجودية”.

من الدبلوماسية إلى الميدان

لم تقتصر المقاربة الإسرائيلية على الاعتراض السياسي، بل اتخذت أشكالًا متعددة من الضغط المتزامن.

1) ضربات عسكرية مرتبطة بإيقاع التفاوض

في أكثر من محطة، تزامنت فترات التفاوض مع تصعيد عسكري مباشر ضد إيران.

خلال “حرب الـ12 يومًا” في يونيو 2025، ثم ضربات أخرى في فبراير 2026، استهدفت إسرائيل منشآت نووية وصاروخية داخل إيران.

هذه العمليات لم تكن بمعزل عن السياق السياسي، إذ جاءت في لحظات حساسة من المسار التفاوضي، ما أدى إلى تعليق بعض الجولات أو إعادة صياغة شروطها.

النتيجة لم تكن إلغاء المفاوضات، بل دفعها إلى حالة من عدم الاستقرار المستمر.

2) الجبهة اللبنانية… الحزام الأمني كمنطق جديد للصراع

في موازاة ذلك، استمرت العمليات العسكرية في لبنان ضد حزب الله، ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل الجبهة الشمالية.

تصريحات نتنياهو حول أن وقف إطلاق النار “ليس نهاية الحرب”، بل مرحلة انتقالية تتطلب “حزامًا أمنيًا”، تعكس تحولًا واضحًا في العقيدة الإسرائيلية.

هذا “الحزام الأمني” لا يُطرح كإجراء مؤقت، بل كإعادة رسم للواقع الميداني داخل جنوب لبنان، بعمق يصل إلى نحو 8– 10 كيلومترات في بعض التقديرات، بما يشمل مناطق واسعة تمنع عودة السكان بشكل طبيعي.

وبذلك تصبح التهدئة جزءًا من إدارة الصراع، لا نهايته.

هذا التصعيد الموازي نقل مركز الثقل من الطاولة النووية إلى الجبهات الميدانية، وأضعف أي محاولة لفصل الملفات عن بعضها.

3) التأثير داخل الولايات المتحدة

في موازاة الضغط العسكري، تشير تقديرات سياسية إلى وجود تأثير إسرائيلي داخل بنية القرار الأمريكي، عبر الكونغرس، والإعلام، وشبكات النفوذ السياسي.

هذا التأثير لا يظهر كقرار مباشر، لكنه ينعكس في:
    •    رفع سقف الشروط الأمريكية تجاه إيران
    •    تشديد اللغة السياسية داخل النقاش العام
    •    تقليص مساحة المرونة في أي تفاوض

والنتيجة أن المفاوضات تتحول تدريجيًا من “تفاهمات مرحلية” إلى “اشتراطات أمنية أكثر صرامة”.

إعادة تعريف الاتفاق

في إحدى مراحل التفاوض، كانت هناك مسودة تقوم على خطوات تدريجية لتخفيف العقوبات مقابل قيود نووية محددة.

لكن مع تصاعد الضغوط الميدانية والسياسية في التوقيت نفسه، أُعيد فتح بنود الاتفاق بالكامل تقريبًا، وتحول النقاش من “تنفيذ مرحلي” إلى “شروط مسبقة شاملة”، ما أدى إلى تجميد التقدم.

هنا لا يحدث إفشال مباشر… بل إعادة تشكيل لمفهوم الاتفاق نفسه قبل اكتماله.

“جوج وماجوج”

في خلفية المشهد، يظهر بُعد رمزي في بعض الخطابات الدينية القومية داخل إسرائيل، وكذلك في بعض التيارات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة.

تستند هذه الإشارات إلى سفر حزقيال (38–39)، الذي يصف معركة كبرى في نهاية الزمن بين “جوج وماجوج” وإسرائيل.

في هذا الإطار، يُعاد تفسير الصراع مع إيران باعتباره مواجهة وجودية، لا مجرد خلاف سياسي أو نووي.

وتبرز قراءات تربط “جوج” بقوى تهديد كبرى قادمة من الشمال، بينما تُذكر “فارس” في النصوص القديمة كإشارة تاريخية إلى إيران.

هذا النوع من التأويل يساهم في تشكيل مناخ ذهني–سياسي أكثر تشددًا، حيث:
    •    يصبح التفاوض مخاطرة
    •    وتُرى التسوية كتنازل عن أمن وجودي
    •    ويتحول الخيار العسكري إلى ضرورة حتمية داخل سردية “الصراع النهائي”


مشهد معقد

ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه رفضًا للمفاوضات…
بل هو عملية مستمرة لإعادة هندستها، تجعلها تتحرك في منطقة رمادية بين التقدم والتعطيل.

النتيجة:
    •    مفاوضات أطول وأكثر تعقيدًا
    •    شروط أكثر تشددًا
    •    مسار أقل قابلية للوصول إلى تسوية نهائية مستقرة

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مفاوضات تُدار بهدف الوصول إلى اتفاق؟
أم أمام مسار لتعطيل أي جهود للتهدئة؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال: متى يحدث الاتفاق؟
بل: هل يسمح له أصلا بالخروج إلى النور؟

search