الخميس، 07 مايو 2026

07:15 م

باب رزق كريم رغم الظلام القاتم.. مكفوفون يبدعون في صناعة البامبو بإتقان ودقة مذهلة

مكفوفون يصنعون البامبو

مكفوفون يصنعون البامبو

في مكان لا تقاس مساحته بالمتر أو بالعدد بل بالإرادة، يجلس عدد من المكفوفين وضعاف البصر، بأنامل ذهبية حول عيدان البامبو، لا يرونها بأعينهم لكنهم يحفظون تفاصيلها بأطراف أصابعهم عن ظهر قل، ليحولوها من خامة صامتة إلى مجسمات تنبض بالحياة، ومن فراغ قاتم إلى باب رزق كريم، حيث تتحول العتمة إلى حرفة، واليأس إلى مهارة، والانتظار إلى إنتاج.

061c7f6b-5f90-470a-b6ca-259a7c0570b9
أنشطة جمعية دنيتنا في الإسكندرية


جمعية دنيتنا في الإسكندرية

جمعية دنيتنا في الإسكندرية والتي استقطبت المكفوفين من كافة المحافظات المصرية، تجلب أعواد البامبو، وتنظم ورش عمل للمكفوفين، بواسطة مدربين مكفوفين، لتعليم فاقدي البصر هذه الحرفة الصعبة والفنية الجميلة.
 

666aa63c-7640-41e9-a382-63163796ed2e
أنشطة جمعية دنيتنا بالإسكندرية

البوصلة تتجه صوب النجاح

نادية صفوت، إحدى الشابات المكفوفات، مدربة لفن البامبو، تقول إن حبها للأعمال اليدوية كان بوصلتها الأولى، حيث احترفت صناعة البامبو منذ عدة أعوام، لتجد في هذه الحرفة مساحة للتعبير عن موهبتها، قبل أن تتحول من متدربة إلى مدربة، تقوم اليوم بتعليم الفتيات المهنة نفسها، مؤكدة أن البامبو لم يكن مجرد حرفة بل نافذة أمل، استطاعت من خلالها أن تنفع نفسها وغيرَها، وأن تشعر بقيمتها وقدرتها على العطاء.

641677c9-e7c6-4f58-a818-4ddf21fd5349
إحدى فتيات جمعية دنيتنا في الإسكندرية

فتح باب للرزق

وتضيف نادية  بصوت كله أمل وثقة: “هذه الحرفة أعادتني إلى نفسي، فالبامبو أنقذني من العزلة ومن الإحساس بأني عبء على الآخرين، وأنا حين أنتهي من قطعة أشعر أنني استعدت جزءًا من قوتي وأن تدريبي للفتيات اليوم يمنحني إحساسًا مضاعفًا بالمسؤولية والفرح، لأنني لا أصنع منتجات فقط، بل أفتح طريقًا لغيري”.

339b7bc2-4def-4288-8320-93f6e85a2dd9
أثناء تشكيل البامبو


وتتابع نادية: “الجمعية غيرت نظرتي للحياة، العمل اليدوي جعلني أكثر صبرًا وأقوى نفسًا، البامبو علمني كيف أتحكم في أدق التفاصيل دون أن أراها، وأن هذا الشعور بالسيطرة على الخامة منحني ثقة لم أعرفها من قبل، وأخرج مواهبي من الظل إلى الضوء”.

22007268-f214-42fb-a919-aa1779c924af
أحد المتدربين يمارس عمل البامبو

سوق عمل واعد

سمير أحمد يوسف، رجل كفيف يقول: “سوق العمل كان يبدو مغلقًا في وجهي، والخيارات كانت محدودة وقاسية، لكن الورشة داخل الجمعية منحتني فرصة حقيقية، تعلمت مهنة وأتقنتها وتفوقت فيها، حتى أصبحت أشعر لأول مرة أن لي مكانًا ودورًا، وأن جهدي يتحول إلى منتج يقدر ويباع”.
ويتحدث سمير عن انتقاله من الملل والعزلة إلى الانشغال الخلاق، ويقول: “العمل في البامبو أخرجني من دائرة الفراغ القاتل، ومن الإحساس بالظلام الذي لا علاقة له بالبصر، بل بالجدوى”، موضحًا أن كل قطعة يصنعها تمنحه إحساسًا بالإنجاز والاستقلال، وتؤكد له أن فقدان البصر لا يعني فقدان القدرة.

cd771fb6-97a0-4488-93fb-19404482a600
فتيات الجمعية أثناء تشكيل البامبو


ويضيف سمير أن “الظلام الحقيقي لم يكن فقدان البصر، بل الفراغ، هذه الحرفة انتشلتني من الوحدة، وأنا صرت أستيقظ كل يوم وأنا أعرف لماذا أنهض، لأن هناك قطعة لم تكتمل، وطلبية تنتظر، وحلما صغيرًا يكبر مع كل مجسم بامبو أنجح في تشكيله”.
ويتحسس أحد أعواد البامبو، ويقول: “العمل في البامبو علمني النظام والدقة، صرت أرى النجاح بشكل مختلف”، موضحًا أنه لم يعد ينتظر شفقة أو فرصة عابرة، بل يصنع فرصته بيده، ويضيف أن كل قطعة تخرج متقنة تجعله يشعر أنه موجود ونافع، وأنه قادر على المنافسة لا على الهامش.

c6c89bda-3be7-4476-8c44-616aa8222eb3
أثناء تشكيل البامبو

خدمة المكفوفين ودمجهم في المجتمع

وتؤكد  حنان حشيش رئيس جمعية دنيتنا، أن هدفها الأساسي هو خدمة المكفوفين ودمجهم في المجتمع بوصفهم جزء أصيل من نسيجه، من خلال تقديم تدريبات عملية على صناعة البامبو، تحت إشراف مدربين مكفوفين أيضًا، في تجربة تعكس معنى التمكين الحقيقي، حيث يتعلم المتدربون كيف يعتمدون على أنفسهم، ويفتحون لأنفسهم أبواب رزق مستقلة.

وتتتابع حشيش يتم تسويق منتجات الجمعية عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب المشاركة في معارض مميزة، حيث تلقى المجسمات وأواني وسلال البامبو إقبالاً واسعاً وإعجاباً كبيراً من الجمهور، الذي ينتظر هذه المنتجات لما تتمتع به من إتقان ودقة ولمسة إنسانية واضحة، فهنا شباب في مراحل تعليمية مختلفة، ومتزوجون يعولون أسرًا، جميعهم يعملون بحب ويبدعون بإصرار".

434c45df-cc02-42f3-a46d-a0f64dbcfe64
 


وتضيف حشيش، داخل جمعية دنيتنا لا تصنع منتجات البامبو فقط، بل تعاد صناعة الإنسان نفسه، يستبدل العجز بالمهارة، والظلام بالإنتاج، وتتحول الحرفة إلى رسالة، مفادها أن فقدان البصر ليس نهاية الطريق، وأن اليد التي تؤمن بنفسها قادرة على أن ترى ما لا تراه العيون.

اقرأ أيضًا:

لغز اتصال الفجر.. مطالبات بفتح التحقيق في غرق شقيقين كفيفين بالإسكندرية

search