مؤمن يؤمن بـ "الطيبات"| خارج حدود الأدب
في نهاية رحلة لم تخلُ من الطرافة والغرائب، من بومباي بلد العجائب، كنت في صالة المطار لدى بوابة الطائرة العائدة بي إلى الإمارات. وبينما نحن في انتظار إعلان بدء الصعود للطائرة، أتى إعلان من نوع آخر؛ حيث تابع جميع الركاب بقلق بدء جولة جديدة ومفاجئة من الاستهدافات الصاروخية على دبي والفجيرة. ووسط القلق والترقب، تم إعلامنا بإغلاق المجال الجوي الكامل لدبي والشارقة، وأن علينا الانتظار لوقت لا يعلمه إلا الله.
لم يستمر الانتظار كثيرًا، ولكنه استمر بالشكل الكافي -بمساعدة القلق- ليؤدي معي فعلته المعتادة، ويخفض مستويات السكر في الدم بشكل ملحوظ. ولأني مريض سكري معتاد على تلك المواقف، فبمجرد وصولي إلى متن الطائرة، استقبلني أحد أفراد الطاقم بابتسامة لافتة وبشاشة لم يراودني شك في مصريتها الأصيلة، فلم أتردد في أن أطلب منه المساعدة بإعطائي بضع أكياس سكر صغيرة لحل مشكلة انخفاض السكر تلك.
لكنه فاجأني بسؤال لافت في وسط هذا التوتر والشحن، حينما قال لي: «طيبات ولا إيه؟»
فقلت له: «لا، للأسف سكري».
وهنا بدأت حكاية جديدة لا تخلو من طرافة إضافية، وغرابة لا أنكر أنها كانت ممتعة.
كان هذا الشاب مدير طاقم الضيافة على متن الطائرة، وكان يتمتع بكافة الجينات المصرية الخالصة. بادرني بمساعدة طاقمه بالعصائر، وبالسؤال المستمر والترحاب والاهتمام الذي يعجز اللسان عن وصفه. أتى الشاب إلى مقعدي، فشكرته كثيرًا على اهتمامه، وسألني في أي مجال أعمل، فأجبته: «مجال الأدوية». هنا تغيّرت ملامحه قليلًا -دون أن تفارق ابتسامته الودودة- وقال لي بعتب: «أيوه انتوا بقى.. مش حرام اللي عملتوه في الراجل؟»
ربطت لحظتها سؤاله الأول لي عند دخولي الطائرة بهذا السؤال، ففهمت مغزاه. فقلت له -بما يعني- إن المنطق يقول إنه من المستحيل أن يكون لشركات الأدوية أي علم من البداية بوجود نظام «الطيبات» من الأساس، خاصة أن السوق المصري لا يمثل سوى كسر من الواحد من المائة من سوق الدواء العالمي. وسألته: لماذا لا تكون «الطيبات» ذاتها هي من قتلت صاحبها؟
كنت أعلم أني على وشك البدء في إحدى النقاشات والجدالات المحببة، وكنت على وشك تفنيد ما يُقال في كل الصفحات والجلسات من أسانيد علمية وعقلية تدحض ادعاءات نظام «الطيبات»، ولكني في لحظة واحدة فكرت: لماذا لا أستمع؟ ربما يكون مؤمن على جانب من الصواب.
هنا تكلم «مؤمن». نعم، هذا الشاب المفعم بالطاقة والشغف كان اسمه مؤمن، وكان -للمصادفة- مؤمنًا وبشدة بنظام «الطيبات». وحكى لي حكاية ربما واجهتني مثيلتها، بل ربما واجهت الكثير منا، إلا أننا قد نتناسها مع الوقت ولا نربطها بشكل أو بآخر بنظام «الطيبات» هذا. حكى لي أنه منذ عقد من الزمان كان يعاني بعض التوتر، وعلى الرغم من أنه يمارس الرياضة بانتظام، شعر بصداع مستمر وبعض أعراض ارتفاع ضغط الدم.
كأي شخص عادي، ذهب لاستشارة أصحاب العلم، فصدمه الطبيب بأنه أصبح رسميًا أحد مرضى ارتفاع ضغط الدم، ووصف له أحد الأدوية، وأضاف أن هذا الدواء سيلازمه لباقي حياته.
وما بين الصدمة والإنكار، لم يقتنع مؤمن بهذا الحكم الظالم المنقوص، وقرر التمرد؛ قرر انتزاع نفسه من القلق، وقرر تغيير نمط حياته: تقليل الأملاح، وممارسة المزيد من الرياضة، مع الحفاظ على نظام غذائي صحي. وألقى بالأدوية الموصوفة من طبيبه هذا إلى سلة المهملات، وكانت النتيجة -من وجهة نظره- مبهرة؛ إذ تعافى مؤمن ولم يعد في حاجة إلى هذا القيد الذي كان سيفرضه عليه هذا الطبيب، بجهل أو دون علم.
حقيقةً، هذا الطبيب لا يختلف كثيرًا عن صاحب «الطيبات»؛ فأحدهما يستخدم علمًا منقوصًا، والثاني ينكره بالكلية، والنتيجة في النهاية واحدة. فما فعله مؤمن موجود بالحرف في كتب الطب منذ تأسيسه؛ فبدايات الأمراض لا تستدعي الوصفات الطبية قبل أن تستدعي تغيير نمط الحياة، والانسحاب من مسببات المرض قبل علاجه.
وهذا ما فعله مؤمن ونجح. ولكن مؤمن كان قد كوّن فكرة هو محق فيها، وأي شخص عاقل في مكانه كان ليؤمن بها، وهي أن «الطب تجارة وخرافة»؛ هو مصيب بالفعل، ولكن تحديدًا في حالته وفقط.
وباشر مؤمن حكاياته مع «الطيبات»، فقال إنه كان مريضًا مزمنًا بالجيوب الأنفية، وحينما اتبع هذا النظام وامتنع عن تناول الدجاج والبيض واللبن، تعافى من الجيوب الأنفية، وأعزى بالطبع السبب في ذلك إلى الهرمونات المستخدمة في مزارع الدجاج والحيوانات. وللمرة الثانية، أصاب مؤمن الكثير من الحقيقة، ولكن من جانب واحد.
ففي الطب، الجانب النفسي في التعافي من الأمراض مثبت علميًا، وقد جرت عليه الكثير من التجارب التي تؤكد استجابة الكثير من المرضى في حالات مماثلة عند استخدامهم أقراصًا خالية من أية مادة فعالة «Placebo»، وقد يصاحب ذلك تحسن كبير بفضل العامل النفسي. كما أن الابتعاد عن البيض واللبن يعني -في الأساس- الابتعاد عن أحد أهم مصادر التحسس لدى بعض المرضى، وهذا أيضًا يؤثر بشكل مباشر على تحسن الحالة.
وهذا بالضبط ما يحدث مع «الطيبات».
قد يصادف النظام نجاحًا نفسيًا مع بعض الناس الذين فقدوا الثقة في الطب نتيجة وجود أمثال طبيب مؤمن الأول، أو قد يصادف أيضًا التوفيق في أمراض محدودة، ولكن هذا كله يظل في إطار المصادفة، تمامًا كقراءة الفنجان أو التنجيم، الذي قد يصادف بعض الحق دون وجه علم.
ربما استفاد مؤمن بالطيبات التي اتبعها، وربما تكون قد ساعدته في تخطي حالات طبية محددة وبسيطة، ولكن دور العلم البارز في علاج والسيطرة على العديد من الأمراض الخطيرة والمزمنة لا ينكره سوى جاهل أو جاحد. والخطورة الأكبر هي تعميم تلك النتائج التي لا تتخطى حد المصادفة على حالات أخطر وأمراض أصعب.
استغلال مريض السرطان -الذي يعاني من مرض مميت وعلاجات مزعجة- بفكرة «لا علاج، فقط امتنع عن بعض الأكلات»، يتجاوز الجهل والتنظير إلى ما يشبه الشروع في القتل. وكذلك مرضى السكري، من أمثالي؛ لو امتنعت عن استخدام الإنسولين ليوم أو يومين، قد أغيب عن العالم في غيبوبات سكرية مميتة، وربما أتعرض لمضاعفات خطيرة.
لذلك، أطلب من مؤمن -صديقي الجديد- وكل مؤمن بـ«الطيبات» أو بأي نظام غذائي، أن يقصر خبرته على حدود تجربته فقط دون تعميم، مع الأخذ بالعلم أن ما ينفع مع شخص قد لا يجدي مع آخر. وعلى الجانب الآخر، إذا ذهبت إلى طبيب ولم تجد عنده الحل، فاذهب إلى آخر؛ فربما كان هذا الطبيب مجرد «عوضي» من نوع آخر.
رفقًا بالمرضى قبل العلم، يا سادة، قبل أن نغرق في جدالات «خارج حدود الأدب».
«ملحوظة لم دار في ذهنه التساؤل: وصلت الرحلة بسلام والحمد لله، رغم استمرار الحرب، ولعلها تتوقف قريبًا، كما ينبغي أن يتوقف الترويج القاتل لنظام "الطيبات"».
الأكثر قراءة
-
في قضية التبرعات.. التحقيقات مع البلوجر دنيا فؤاد تكشف مفاجآت صادمة
-
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس 7 مايو 2026.. هل البنوك إجازة؟
-
أسعار إنترنت "وي" عقب الزيادة الأخيرة.. المصرية للاتصالات تطرح باقات جديدة
-
أسعار الذهب اليوم الأربعاء.. عيار 21 يقفز 105 جنيهات
-
متجاوزًا التوقعات.. التخطيط: ارتفاع معدل نمو الاقتصاد إلى 5% في الربع الثالث
-
ڤاليو تحصل على موافقة لتأسيس نشاط تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة
-
البنك الأهلي و"إيدن" يؤسسان شركة لإدارة المنشآت في مصر
-
أدنى مستوى منذ 36 عاماً.. تراجع تاريخي في إنتاج أوبك
مقالات ذات صلة
كيف خسر الأهلي، وربح الزمالك؟| خارج حدود الأدب
02 مايو 2026 03:10 م
الزمالك يصنع المعجزة! | خارج حدود الأدب
24 أبريل 2026 01:19 ص
شحررة الدين وعكشنة السياسة! | خارج حدود الأدب
09 مارس 2026 08:00 ص
وسام نقابة الأشراف! | خارج حدود الأدب
16 فبراير 2026 01:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً