الثلاثاء، 12 مايو 2026

03:50 م

د. رضا فرحات يكتب .. الصمت الإستراتيجي

في عصر تتسارع فيه نبضات المعلومات، ويتحول فيه "الترند" إلى مرجعية للحقيقة لدى شريحة واسعة من الجمهور، نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة تهدد النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، المشهد الراهن على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات المفتوحة يشهد تجاذبات حادة حول قضايا تمس جوهر الأمن القومي، وكأنها مادة للسجال الإعلامي أو أداة لكسب التعاطف الشعبي، متناسين أن طبيعة هذه القضايا تختلف جذريا عن سياسات الخدمات أو المناكفات الروتينية.

إن القاعدة الذهبية في علم العلاقات الدولية والسياسة الإستراتيجية تقول: "الأمن القومي ليس ساحة للمزايدات" وأن الدولة بمؤسساتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية والتي تتعامل مع تهديدات وجودية ومخاطر متشابكة تتطلب دقة جراحية وسرية تامة، وعندما نناقش أو نحلل تحركات الخصوم علنًا، أو نشرع في اتهامات غير مدروسة عبر شاشات التلفاز، فإننا لا نمارس حرية الرأي بقدر ما نقدم "خدمة مجانية" لأعداء الوطن، ونكشف أوراقًا قد تكون حيوية لحماية الحدود والمصالح.

إن المهمة الوطنية في هذا المقام هي مهمة دفاعية بالدرجة الأولى، وليست هجومية، والدفاع الحقيقي يتطلب هدوء الأعصاب، وعقلانية في اتخاذ القرار بعيدًا عن ضغط "اللايكات" و"الشير"، الصمت هنا ليس عجزا، ولا هو خوفًا بل هو أعلى درجات الوعي الوطني، إنه صمت المحترف الذي يعرف أن الكلمة في غير وقتها قد تكلف الدولة ثمنًا باهظًا من الدماء والأموال، وعلى غير العالمين بما يجري خلف الكواليس، وعلى غير المطلعين على خرائط التهديدات وتحليلات المخاطر، فإن الواجب الأخلاقي والوطني يفرض عليهم الصمت، أو على الأقل، التحلي بالحذر الشديد في طرح الرؤى.

لقد آن الأوان لنهدأ قليلاً، الهدوء ليس استسلاما للواقع، بل هو مقدمة ضرورية لإعادة ترتيب الأوراق، ولتمكين صناع القرار من العمل في بيئة تخلو من الضوضاء المشتتة، إن مصلحة مصر العليا ليست شعارًا يرفع في الخطابات الرنانة فقط، بل هي منهج عمل وسلوك يومي ومصلحة مصر تقتضي اليوم أن نوحد الصفوف خلف القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وأن ندرك أن اختلاف وجهات النظر في الشؤون الداخلية أمر صحي ومقبول، لكن الاختلاف في شؤون الأمن القومي والخارجية الحساسة قد يتحول إلى ثغرة يستغلها من يريد زعزعة استقرار الوطن.

إن حرية التعبير حق دستوري أصيل لا خلاف عليه، لكن المرحلة الراهنة تتطلب وضوحا في الرؤية و تمييزا دقيقا بين النقد المسؤول ومحاولات التشكيك أو إرباك الوعي العام، بما يحفظ تماسك الدولة ويعزز الاصطفاف الوطني في مواجهة التحديات، فهي تعني أن هناك خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها باسم الحرية، لأن تجاوزها يعني المساس بكيان الدولة نفسه.

إن المسؤولية تقع على عاتق النخب السياسية والإعلامية بشكل خاص؛ ودورنا هو تهدئة الخواطر، وليس تأجيج المشاعر وهو تفسير المعطيات بمنطق الدولة، وليس بمنطق الإثارة الرخيصة و التاريخ يعلمنا أن الدول التي انتصرت في معاركها الكبرى، لم تنتصر فقط بقوة السلاح، بل بقوة التماسك الداخلي وقدرة شعبها على ضبط النفس في لحظات الخطر.

مصر، بتاريخها الحضاري العميق وموقعها الجيوسياسي الفريد، تواجه تحديات معقدة في إقليم مضطرب، وفي هكذا ظروف، يكون "الصمت الاستراتيجي" سلاحا فتاكا في يد الدولة، بينما يكون "الضجيج الإعلامي" طعنة في الظهر لذا، أدعو الجميع، إلى تبني ثقافة "الأمن الفكري" قبل الأمني ولنترك للمتخصصين أمرهم، ولنثق في مؤسسات دولتنا التي أثبتت عبر العقود قدرتها على حماية الوطن وصون سيادته، ولنجعل من مصلحة مصر العليا البوصلة الوحيدة التي نتحرك وفقها، ولنستبدل لغة التجاذب بلغة التلاحم، والضجيج بالهدوء، والمزايدة بالمسؤولية.

مصر تستحق منا أن نكون عند حسن ظنها، وأن ندرك أن بعض المعارك تخاض في الصمت، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي لا يعلن عنها إلا بعد تحقيقها، لضمان استقرار الأجيال القادمة.

search