اشترِ الآن وادفع لاحقًا.. هل تمثل شركات التمويل الاستهلاكي خطرًا على الاقتصاد؟
عملات نقدية مصرية
توسع المصريون بصورة لافتة في الاعتماد على شركات التمويل الاستهلاكي كأحد الحلول الرئيسية لتلبية احتياجاتهم اليومية، سواء لشراء الأجهزة الكهربائية أو الأثاث أو الهواتف المحمولة أو حتى الخدمات التعليمية والطبية، الأمر الذي جعل نشاط التمويل الاستهلاكي واحدًا من أسرع الأنشطة المالية غير المصرفية نموًا داخل السوق المصرية.
وبحسب أحدث بيانات هيئة الرقابة المالية، بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، بينما سجلت نسب التعثر أقل من 3%، في وقت يستفيد نحو 64 مليون عميل من مختلف الأنشطة المالية غير المصرفية.
قطاع مصرفي موازي
يأتي ذلك في الوقت الذي تنظر قطاعات واسعة إلى هذا النشاط باعتباره وسيلة ساهمت في تنشيط الاستهلاك وتخفيف الأعباء عن المواطنين، تصاعدت خلال الساعات الماضية حالة من الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والمصرفية، بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس التنفيذي لـ البنك التجاري الدولي CIB، هشام عز العرب، والتي حذر خلالها من التوسع الكبير في بعض أنشطة التمويل غير المصرفي، معتبرًا أن بعض الشركات أصبحت أقرب إلى “قطاع مصرفي موازٍ” لا يخضع لنفس القواعد الرقابية الصارمة المفروضة على البنوك.
تصريحات عز العرب فتحت باب النقاش مجددًا حول مستقبل التمويل الاستهلاكي في مصر، وحدود التوسع الآمن في الإقراض للأفراد، ومدى قدرة الجهات الرقابية على تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي وحماية السوق من مخاطر التعثر والديون الاستهلاكية.
شركات التمويل الاستهلاكي
وتعرف شركات التمويل الاستهلاكي، أو “شركات التقسيط” بأنها تلك الجهات التي تقدم تمويلًا للأفراد لشراء السلع أو الخدمات بغرض الاستهلاك مع تيسيرات سداد، وبمعنى أبسط فإن هذه الشركات تشتري المنتج أو الخدمة من الشركات التجارية الكبرى وتعيد بيعها بالتقسيط للعميل.

وتسمح هذه الشركات لعملائها بالتقسيط دون فوائد أو إجراءات بنكية، وأحيانًا دون مقدم وقد تدفع أول قسط بعد 30 يومًا من استلام المنتج، بل تبسّط الأمر أكثر من ذلك أحيانًا، فيمكن من خلال تحميل تطبيقاتها على هاتفك المحمول، شراء المنتج الذي تريده خلال أقل من 30 دقيقة.
وخلال مداخلة تلفزيونية ببرنامج “الحكاية” على شاشة MBC مصر، أكد هشام عز العرب أن القطاع المصرفي المصري لا يواجه أية مخاطر مقلقة في الوقت الراهن، مشددًا على أن البنوك المصرية تتمتع بدرجة مرتفعة من القوة والصلابة المالية، مدعومة بقاعدة رأسمالية قوية ونسب سيولة مرتفعة، إلى جانب منظومة رقابية فعالة يطبقها البنك المركزي المصري.
ويخضع أن قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر يخضع لرقابة هيئة الرقابة المالية، وقانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، وحصلت شركة "كونتكت" في أبريل 2020 على أول ترخيص من الهيئة لمزاولة النشاط بصورته المعروفة حاليًا.
وأوضح أن حديثه لم يكن يستهدف إثارة القلق بشأن القطاع المالي، وإنما جاء من منطلق مهني يعتمد على استشراف المخاطر المستقبلية قبل تحولها إلى أزمات حقيقية، مؤكدًا أن الإدارة الناجحة للمخاطر تقوم دائمًا على قراءة المؤشرات المبكرة والتعامل معها بشكل استباقي.
وأشار عز العرب إلى أن السوق المالية المصرية شهدت خلال السنوات الماضية تطورًا واسعًا وتنوعًا كبيرًا في الأدوات التمويلية، وهو ما يتطلب مراجعة مستمرة للضوابط الرقابية والإجراءات التنظيمية لضمان استمرار النمو بصورة صحية ومتوازنة، خاصة مع التوسع الكبير في أنشطة التمويل غير المصرفي، موضحًا أن جميع المؤسسات المالية المرخصة تعمل تحت مظلة الدولة والجهات الرقابية المختصة، إلا أن طبيعة الرقابة تختلف من قطاع إلى آخر، كما أن البنوك تخضع لمتطلبات رقابية صارمة تشمل قواعد كفاية رأس المال، والاحتياطي الإلزامي، وإدارة السيولة، والحوكمة، فضلًا عن التقييم الائتماني المستمر للعملاء.
وشدد الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي على أهمية رفع مستويات الشفافية والإفصاح والتوعية المالية، حتى يكون العملاء على دراية كاملة بطبيعة المنتجات التمويلية التي يحصلون عليها، سواء كانت قروضًا أو برامج تقسيط أو منتجات استثمارية، معتبرًا أن زيادة الوعي المالي تمثل أحد أهم أدوات حماية السوق والعملاء في الوقت نفسه.
التأكد من أن النمو يتم وفق قواعد ائتمانية سليمة
وفيما يتعلق بنشاط التمويل الاستهلاكي، أوضح عز العرب أن القضية لا تتعلق برفض النشاط أو التقليل من أهميته الاقتصادية، بل تتعلق بضرورة التأكد من أن النمو يتم وفق قواعد ائتمانية سليمة، تضمن تحقيق التوازن بين التوسع في منح التمويلات وبين الحفاظ على قدرة العملاء على السداد.
وأكد أن الخبرة المصرفية الطويلة أثبتت أن التحرك المبكر لرصد المؤشرات السلبية يظل الخيار الأكثر مسؤولية، لأن التعامل مع الأزمات قبل وقوعها أقل تكلفة بكثير من محاولة احتوائها بعد تفاقمها، مشددًا على ثقته الكاملة في المؤسسات الرقابية المصرية، وقدرتها على تطوير الأطر التنظيمية بما يتماشى مع التطورات المتسارعة في السوق، وأن الهدف المشترك لكافة المؤسسات المالية والرقابية يتمثل في الحفاظ على استقرار السوق المالي المصري وتعزيز نموه المستدام.
وفي هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، وليد جاب الله، أن هذه الفئة من الشركات تخدم قطاعًا كبيرًا من الجمهور وتساعدهم على شراء المنتجات والخدمات التي تفوق قدرتهم الشرائية، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار والتضخم.

ووفقًا للتقرير الشهري الصادر عن هيئة الرقابة المالية في فبراير الماضي، فإن هناك قفزة كبيرة في عدد العملاء، إذ ارتفع عدد مستخدمي خدمات التمويل الاستهلاكي إلى 8.09 مليون عميل خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر، مقابل 2.8 مليون عميل في الفترة المقابلة من 2024، بنسبة نمو وصلت إلى 179.4%، وخلال شهر سبتمبر وحده، ارتفعت قيمة التمويل الاستهلاكي بنسبة 38% على أساس سنوي لتبلغ 9.3 مليار جنيه، فيما صعد عدد العملاء إلى 1.09 مليون عميل مقارنة بـ 390.2 ألف عميل في سبتمبر 2024.
وأشار جاب الله، إلى أن شركات التمويل الاستهلاكي أسهمت في تنشيط حركة المبيعات لدى الشركات التجارية الكبرى والموزعين بمختلف أشكالهم، كونها وسيطًا بين هذه الشركات وملايين العملاء، ولتوضيح الصورة أكثر، فإن شركة مثل "فوري"، وهي مصنفة ضمن قائمة "فوربس" لأقوى 30 شركة تكنولوجيا مالية في الشرق الأوسط، تخدم أكثر من 49 مليون عميل.
شراء السيارات والمركبات يستحوذ على النسبة الأكبر
وأظهر التقرير أن شراء السيارات والمركبات استحوذ على النسبة الأكبر من تمويلات سبتمبر بنسبة 19%، تليه الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات بنسبة 18.1%، ثم الأجهزة المنزلية بنسبة 13.9%، والهواتف المحمولة بنسبة 2.6%، أما خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، فقد شكّلت الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات 17.9% من إجمالي التمويلات، تلتها الأجهزة المنزلية 16.6%، والسيارات والمركبات 17.8%، ثم الهواتف المحمولة 5%.
وخلال يونيو 2024، أقرت هيئة الرقابة المالية، رفع الحد الأقصى للتمويل النقدي المسبق للأغراض الاستهلاكية إلى 50 ألف جنيه بدلًا من 10 آلاف جنيه، مع التشديد على دراسة الجدارة الائتمانية والتحقق من استخدام التمويل السابق، لضمان ضبط السوق واستقرار الشركات العاملة في القطاع.
ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن القطاع المالي المصري ينقسم إلى قطاع مصرفي يخضع لإشراف البنك المركزي المصري ويضم 36 بنكًا، وقطاع مالي غير مصرفي يضم شركات التمويل الاستهلاكي والتأمين والتخصيم والتأجير التمويلي وغيرها من الأنشطة، ويخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية.
وأوضح فؤاد، أن هناك توجهات رقابية ظهرت مؤخرًا تستهدف تقليل تعرض البنوك لعمليات “التوريق”، مشيرًا إلى أن العديد من شركات التمويل غير المصرفي تعتمد في تمويل نشاطها على إنشاء صناديق ومحافظ استثمارية تقوم على تجميع الديون وإعادة تمويلها، وليس فقط على الاقتراض المباشر من البنوك.
2500 شركة وجهة مالية غير مصرفية
وأضاف أن النقاش الحالي لا يرتبط بوجود أزمة فعلية داخل السوق، وإنما يتعلق بالنظرة المستقبلية لكيفية إحكام الرقابة على قطاع سريع النمو، خاصة في ظل وجود أكثر من 2500 شركة وجهة مالية غير مصرفية، مقارنة بـ36 بنكًا فقط تخضع لإشراف البنك المركزي، وهو ما يطرح تحديات تتعلق بقدرة الجهات الرقابية على تطبيق نفس مستويات الحوكمة والمتابعة الدقيقة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى تقرير صادر عن معهد التخطيط القومي كشف عن تراجع معدل الادخار في مصر إلى نحو 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 15% قبل حوالي عشر سنوات، معتبرًا أن هذا التراجع يعكس تغيرًا واضحًا في سلوك الإنفاق والاستهلاك داخل المجتمع المصري.
وأوضح أن اتساع الاعتماد على التمويل الاستهلاكي والاقتراض من أجل الإنفاق اليومي قد يؤدي مستقبلًا إلى ارتفاع معدلات التعثر وزيادة أعداد الغارمين، حتى وإن كانت نسب التعثر الحالية لا تزال في الحدود الآمنة وتدور حول 3%.
وأكد فؤاد أن التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل غير المصرفي يتطلب متابعة رقابية دقيقة ومستمرة، لتجنب أية تداعيات اقتصادية أو اجتماعية قد تنتج عن زيادة الاقتراض الاستهلاكي بصورة تفوق قدرة بعض العملاء على السداد، مضيفًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود نشاط التمويل الاستهلاكي نفسه، وإنما في الوصول إلى نقطة التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي وتحفيز الاستهلاك من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي من جهة أخرى.
اقرأ أيضًا
يصل لـ7 ملايين جنيه.. تفاصيل برنامج "START" لتمويل شراء السيارات
تقسيط السيارات المستعملة في 5 بنوك مصرية 2025، المزايا والشروط
الأكثر قراءة
-
خطوة بخطوة.. كيف تحوّل عداد الكهرباء إلى قانوني في أقل من 10 دقائق؟
-
"أخطر إرهابي في العالم".. من هو أبو بلال المينوكي الذي أعلن ترامب مقتله؟
-
"صرخت في وشهم".. سائحة أجنبية توثق واقعة إيذاء كلب بلدي على يد شابين بالغردقة
-
احصل على 20 ألف جنيه كل 3 أشهر.. تفاصيل شهادات بنك نكست الجديدة 2026
-
هل يجوز الجمع بين نية القضاء ونية صيام العشر من ذي الحجة؟.. الإفتاء تجيب
-
احتفلت عائلتها بقتلها.. تفاصيل جريمة الصغيرة العراقية كوثر بشار
-
"أنا دايخ سوقي مكاني".. فتاة تتهم سائق نقل ذكي بالسرقة والابتزاز بالمهندسين
-
مراجعة ليلة الامتحان دراسات أولى إعدادي ترم ثاني 2026
أخبار ذات صلة
الفضة في مصر تتراجع بقوة خلال أسبوع.. بكم الجرام النقي؟
16 مايو 2026 07:11 م
أسعار الحديد والأسمنت في مصر اليوم السبت.. بـ أكثر من 15 شركة
16 مايو 2026 06:27 م
مع اقتراب اجتماع "المركزي".. تعرف على رسوم السحب من ماكينات البنوك
16 مايو 2026 05:19 م
تراجع جديد يصدم الأسواق.. أسعار الذهب تواصل الهبوط اليوم وعيار 21 يسجل هذا الرقم
16 مايو 2026 04:02 م
20 شادرًا في 13 محافظة.. مفاجأة من"التموين" بشأن أضاحي العيد
16 مايو 2026 12:22 م
قبل تطبيق الدعم النقدي.. كيف تحمي بطاقتك التموينية من الإيقاف المفاجئ؟
16 مايو 2026 11:10 ص
خطوة بخطوة.. كيف تحوّل عداد الكهرباء إلى قانوني في أقل من 10 دقائق؟
16 مايو 2026 11:03 ص
احصل على 20 ألف جنيه كل 3 أشهر.. تفاصيل شهادات بنك نكست الجديدة 2026
16 مايو 2026 09:34 ص
أكثر الكلمات انتشاراً