الثلاثاء، 19 مايو 2026

12:24 م

مهمة انتحارية.. هل تضغط إيران بورقة "كابلات الإنترنت" في هرمز؟

سفن في مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز

عادت الكابلات البحرية، التي تُعد العمود الفقري لشبكة الإنترنت العالمية، إلى دائرة النقاش، بعدما طرحت وسائل إعلام إيرانية مُقرّبة من الدولة، تصورات تتعلق بإمكانية استغلال موقع إيران الجغرافي في مضيق هرمز لفرض رسوم على الكابلات العابرة للمضيق، في خطوة اعتبرتها تلك الوسائل مصدرًا محتملًا لعائدات مالية ضخمة.

إيران تفكر في فرض رسوم على كابلات الإنترنت

وخلال الأسبوع الماضي، تناولت كل من وكالتي “تسنيم” و”فارس” الإيرانيتين فكرة استخدام النفوذ الإيراني على مضيق هرمز، الممتد بين إيران وسلطنة عمان بعرض يبلغ نحو 40 كيلومترًا، لفرض رسوم على شركات التكنولوجيا الأمريكية مقابل استخدام كابلات الإنترنت البحرية التي تمر عبر المضيق، وذهبت وكالة تسنيم إلى أن هذه الخطوة قد تدر على إيران مئات الملايين من الدولارات سنويًا.

ويضم مضيق هرمز ما لا يقل عن سبعة كابلات بحرية، ويُنظر إلى عدد منها باعتباره عنصرًا مهمًا في مشاريع الذكاء الاصطناعي الضخمة التي تعمل دول الخليج على تطويرها حاليًا، وفقًا لصحيفة "الجارديان" البريطانية.

وفي ظل هذه الطروحات، برزت تساؤلات حول طبيعة المقترح الإيراني ومدى إمكانية تنفيذه على أرض الواقع.

تفاصيل المقترح الإيراني

بحسب ما نشرته وكالة تسنيم، يقوم المقترح المطروح على ثلاثة محاور رئيسية؛ المحور الأول يتمثل في فرض رسوم ترخيص على الشركات الأجنبية مقابل استخدام الكابلات البحرية العابرة للمضيق.

أما المحور الثاني، فيتعلق بإلزام شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل ميتا وجوجل وأمازون ومايكروسوفت، بالعمل وفق "قوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وهو ما يُفهم منه احتمال الدخول في مشاريع مشتركة أو ترتيبات تشغيلية تخضع للشروط الإيرانية.

فيما يتمثل المحور الثالث في منح إيران دورًا احتكاريًا في أعمال إصلاح وصيانة الكابلات البحرية داخل المنطقة، مع فرض رسوم على خدمات الصيانة والإصلاح على المستوى الدولي، ووصفت الوكالة الإيرانية هذا التصور بأنه يمكن أن يحول مضيق هرمز إلى مركز استراتيجي لتوليد ثروات مشروعة.

كما استندت تسنيم في تبريرها القانوني إلى المادة 34 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، معتبرة أن هذه المادة تمنح إيران الحق في المطالبة بجزء من قاع مضيق هرمز باعتباره جزءًا من أراضيها، رغم استمرار استخدام المياه السطحية للملاحة الدولية.

هل توجد تجارب مشابهة في دول أخرى؟

واستشهدت وسائل الإعلام الإيرانية بالتجربة المصرية باعتبارها نموذجًا قريبًا، ووفقًا لما ذكرته وكالة تسنيم، فإن مصر تحقق ما بين 250 و400 مليون دولار سنويًا من رسوم الكابلات البحرية.

وتفرض مصر بالفعل رسومًا على الكابلات التي تمر عبر أراضيها، كما تشارك في بعض الحالات في امتلاك وتشغيل هذه الكابلات بالتعاون مع الشركة المصرية للاتصالات.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن حجم الإيرادات الناتجة عن هذه الرسوم، فإن تقديرات تشير إلى أنها تشكل نسبة كبيرة من إجمالي دخل الشركة المصرية للاتصالات.

لكن خبير البنية التحتية للإنترنت في شركة كينتيك، دوج مادوري، أوضح أن هناك فرقًا جوهريًا بين الحالة المصرية والمقترح الإيراني، يتمثل في أن الكابلات المعنية في مصر تمر فعليًا داخل الأراضي المصرية، وأشار إلى أن عددًا كبيرًا منها يعبر الأراضي المصرية برًا بمحاذاة الطرق السريعة وخطوط أنابيب النفط.

مدى إمكانية فرض إيران رسومًا على الكابلات

بحسب تقديرات خبراء ومسؤولين سابقين، فإن تطبيق هذا المقترح يبدو مستبعدًا إلى حد كبير، وأوضح مسؤول أمريكي سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، متخصص في شؤون الإنترنت العالمي، أن هناك اعتبارات قانونية مرتبطة بالعقوبات الدولية قد تعيق تنفيذ مثل هذه الخطوة.

كما أشار إلى أن توجيه رسوم لشركات بعينها يمثل أمرًا بالغ الصعوبة؛ بسبب عدم وجود آلية تقنية تسمح بفصل بيانات الإنترنت الخاصة بكل شركة على حدة.

ومن الناحية الجغرافية، فإن أغلب الكابلات البحرية المعنية لا تنتهي داخل إيران، وإنما تمر تحت سطح البحر على مسافات بعيدة نسبيًا من السواحل الإيرانية، وفي هذا السياق، قال دوج مادوري إن الوسيلة الوحيدة التي قد تتيح لإيران فرض رسوم على السفن أو الكابلات البحرية ستكون من خلال "التهديد"، مضيفًا أن هذا النوع من الإجراءات لم يحدث من قبل.

هل تستطيع إيران قطع الكابلات البحرية؟

وحول احتمالات لجوء إيران إلى استهداف الكابلات البحرية، وصف مادوري هذه الفكرة بأنها "مهمة انتحارية".

وخلال السنوات الأخيرة، تكررت تقارير تتحدث عن عمليات قطع "مشبوهة" للكابلات البحرية في مناطق مثل بحر البلطيق والبحر الأحمر، مع تحذيرات من إمكانية تحول استهداف الكابلات إلى تكتيك حربي مستقبلي قد تستخدمه أطراف مثل الحوثيين أو روسيا أو الصين.

لكن مادوري اعتبر أن كثيرًا من هذه التقارير يحمل قدرًا من المبالغة، موضحًا أن معظم حوادث قطع الكابلات تحدث نتيجة أسباب عرضية، مثل جر المراسي، وليس بفعل عمليات تخريب متعمدة.

وأضاف أن إيران لا تمتلك التكنولوجيا التي تسمح لها بتنفيذ عمليات قطع للكابلات البحرية في مضيق هرمز بشكل سري، ما يعني أن أي محاولة من هذا النوع ستتم بصورة علنية وتحت مراقبة جوية أمريكية مستمرة.

التداعيات المحتملة لقطع الكابلات في مضيق هرمز

وتابع: “أي انقطاع للكابلات البحرية في مضيق هرمز من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات في حركة الإنترنت داخل منطقة الخليج، إلا أن تأثيره على شبكة الاتصالات العالمية قد يبقى محدودًا نسبيًا”.

ويرجع ذلك، بحسب مادوري، إلى أن الكابلات المارة عبر المضيق تخدم بشكل رئيسي دول الخليج، بخلاف الكابلات العابرة لقناة السويس ومصر، والتي تنقل كميات ضخمة من البيانات بين أوروبا وآسيا.

وأشار إلى أن دولًا مثل العراق وإيران تمتلك بدائل برية للكابلات يمكن استخدامها للحفاظ على الاتصال.

ومن الناحية التقنية، فإن إصلاح الكابلات البحرية يعد أمرًا معتادًا نسبيًا، إذ تحدث انقطاعات بصورة مستمرة حول العالم بمعدل عدة مرات أسبوعيًا، كما تعمل أكثر من اثنتي عشرة سفينة متخصصة بشكل دائم على إصلاح الكابلات البحرية.

لكن مادوري حذر من أن تهديد سفن الإصلاح قد يطيل أمد أي انقطاع محتمل، موضحًا أن "سفن إصلاح الكابلات لا تعمل تحت نيران العدو"، وهو ما قد يعقد عمليات إعادة الخدمة في حال وجود تهديدات أمنية مباشرة.
 

اقرأ أيضًا:
بعد إغلاق مضيق هرمز.. كيف تنقذ "الأبقار" العالم من أزمة الطاقة؟

الحرب على وشك الاستئناف.. لماذا اعتبرت واشنطن العرض الإيراني "غير كاف"؟

تابعونا على

search