الخميس، 21 مايو 2026

07:32 م

أحمد فهمي يكتب: لماذا أصبح أي فيديو في مصر مشروع قضية رأي عام؟

قبل أيام، تابعت بيانًا رسميًا لوزارة الداخلية بشأن ضبط سائق متهور، بعدما وثّق أحد المارة مخالفته بمقطع فيديو قصير لم يتجاوز نصف دقيقة، لم تكن الواقعة استثنائية، بل أصبحت مشهدًا متكررًا في حياتنا اليومية؛ فالهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة توثيق قد تغيّر مسار واقعة كاملة.

في مصر  لم يعد السؤال فقط، ماذا حدث؟ بل أصبح هل تم تصويره؟

هذه الفكرة وحدها تكشف حجم التغير الذي فرضته التكنولوجيا على علاقتنا بالشارع، وبالناس، وحتى بطريقة فهمنا للعدالة نفسها، قبل سنوات، كانت كثير من الوقائع تنتهي عند روايات متضاربة أو شهادات يصعب التحقق منها، أما الآن فثوانٍ مصورة قد تكون كافية لتحريك الرأي العام، وربما لبدء تحرك رسمي سريع.

هذا التطور يحمل جانبًا مهمًا بلا شك، فقد أصبح المواطن العادي قادرًا على كشف تجاوز ربما ما كان ليظهر إلى العلن لولا كاميرا هاتفه. 
كثير من وقائع التحرش أو العنف أو الاستهتار المروري لم تكن لتُحاسب بهذا الشكل لولا أن أحدهم قرر التصوير.

لكن في المقابل، فرض هذا الواقع سلوكًا جديدًا يستحق التوقف أمامه، أصبحنا أحيانًا أمام مشاهد مؤلمة يسبق فيها التصوير رد الفعل الإنساني، حادث يقع على الطريق، مشاجرة تتطور بشكل خطر، أو شخص يحتاج إلى مساعدة عاجلة، فتجد أول ما يُرفع ليس يدًا للمساندة، بل هاتفًا لتسجيل المشهد.

ربما مرّ كثيرون بهذا الموقف، دائرة من المتفرجين، وكل شخص يبحث عن زاوية تصوير أفضل، بينما يظل التدخل الحقيقي محدودًا أو متأخرًا.

المشكلة هنا ليست في التوثيق نفسه، بل في اللحظة التي يتحول فيها من وسيلة لخدمة الحقيقة إلى غاية مستقلة، يصبح فيها المشهد "محتوى" قبل أن يكون موقفًا إنسانيًا يستوجب التدخل.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الفيديوهات أصبحت أداة مهمة تساعد أجهزة الدولة على سرعة التحرك، خلال السنوات الأخيرة، طورت وزارة الداخلية آليات واضحة لرصد ما يُتداول عبر المنصات الرقمية، والتعامل مع كثير من الوقائع باعتبارها بلاغات تستوجب الفحص والتحرك الفوري.

هذا الأمر عزز شعورًا عامًا بأن المخالفات لم تعد تمر بسهولة كما كان يحدث في بعض الأحيان، وأصبح لدى كثيرين يقين بأن أي تجاوز قد يجد طريقه إلى المساءلة إذا التقطته عدسة هاتف في اللحظة المناسبة، لكن هذا كله لا يلغي جانبًا آخر شديد الحساسية، يتعلق بالخصوصية.

القانون المصري وضع حدودًا واضحة لهذا الأمر، تصوير واقعة عامة يختلف تمامًا عن استهداف شخص بعينه بما ينتهك حياته الخاصة أو يسيء إليه أو يستخدم للتشهير به، كما أن نشر الصور والمقاطع خارج سياقها، أو التلاعب بها، قد يحول الأمر من توثيق مشروع إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

المسألة إذن ليست مجرد ضغطة زر، هي مسؤولية أخلاقية وقانونية في الوقت نفسه هل نصور لنحمي حقًا عامًا؟ أم لنصنع ضجة؟هل نوثق تجاوزًا؟ أم ننتهك خصوصية شخص بحثًا عن التفاعل والمشاهدات؟

في النهاية، الهاتف مجرد أداة، الفرق الحقيقي يصنعه وعي من يحمله، فبين التوثيق والتشهير، وبين النجدة والاستعراض، تتحدد صورة المجتمع الذي نريده لأنفسنا، مجتمع يستخدم التكنولوجيا لخدمة العدالة، أم مجتمع يستهلك مآسيه على الشاشات ثم يواصل يومه كأن شيئًا لم يكن.

search