السبت، 23 مايو 2026

08:50 م

بين "كرامة الدولة" وواقع الاقتصاد.. ماذا يعني تراجع قيمة الجنيه؟

الجنيه المصري

الجنيه المصري

أعادت تصريحات الرئيس التنفيذي لـ البنك التجاري الدولي هشام عز العرب الجدل مجددًا حول مفهوم “قوة العملة” وحدود ارتباط سعر الصرف بصورة الدولة وهيبتها الاقتصادية، بعدما اعتبر أن ربط قيمة العملة بـ”كرامة الدولة” يمثل فهمًا غير دقيق لطبيعة الاقتصاد الحديث، مستشهدًا بالتراجع الحاد في قيمة الين الياباني رغم بقاء اليابان واحدة من أقوى الاقتصادات الصناعية في العالم.

وفتحت هذه التصريحات باب أمام تساؤلات أعمق تتجاوز مجرد سعر الدولار أو قيمة الجنيه، لتطرح قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، وضمان تدفق الاستيراد والإنتاج، والحفاظ على استقرار الأسواق بعيدًا عن الأزمات المتكررة لشح العملة.

من جانبه أكد الخبير المصرفي عز الدين حسانين أن اختزال قضية سعر الصرف في كونه مجرد “أداة لامتصاص الصدمات” يتجاهل الطبيعة الهيكلية للاقتصاد المصري، موضحًا أن هذا الطرح يفترض ضمنيًا وجود قاعدة إنتاجية مرنة وقادرة على الاستفادة من انخفاض قيمة العملة عبر زيادة الصادرات وتقليص الواردات، وهو ما لا يتوافر بالشكل الكافي في الحالة المصرية.

وبدأت الحكومة خفض قيمة الجنيه في نوفمبر 2016 من خلال برنامج إصلاح اقتصادي أشرف عليه صندوق النقد، ما أدى إلى هبوط الجنيه مقابل الدولار خلال العام من 7 جنيهات إلى ما يقرب من 53 جنيهًا.

الصادرات المصرية 

وأوضح حسانين لـ"تليجراف مصر" أن الصادرات المصرية تعاني منذ أكثر من ثلاثة عقود من تشوهات هيكلية عميقة، نتيجة الاعتماد الكبير على المكونات ومدخلات الإنتاج المستوردة، وهو ما يجعل أي انخفاض في قيمة الجنيه أمام الدولار يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج محليًا، وبالتالي تراجع القدرة التنافسية للصادرات بدلًا من تعزيزها.

GettyImages-2054862423
عملات نقدية مصرية

ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع إجمالي صادرات مصر إلى أكبر 5 دول لمستوى 20 مليارا و103 ملايين دولار بنهاية 2025، بينما كانت 15 مليار دولار بنهاية الفترة المناظرة لها من عام 2024، بزيادة بلغت 4 مليارات و414 مليون دولار

وأضاف أن الأمر لا يقتصر فقط على قطاع التصدير، بل يمتد أيضًا إلى الإنتاج المحلي الموجه للسوق الداخلية، والذي يعتمد بدوره على مستلزمات إنتاج مستوردة تتأثر مباشرة بتحركات سعر الصرف، ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع النهائية التي يتحملها المستهلك المصري.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن الحديث عن عدم ربط سعر العملة بمفهوم “الكرامة الوطنية” لا يعني تجاهل علاقتها الوثيقة بالسيادة الاقتصادية والأمن القومي، موضحًا أن تدهور سعر الصرف لا يُعد مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس تآكل القوة الشرائية للمواطنين، وتراجع قيمة المدخرات المحلية، فضلًا عن تضخم فاتورة الدين الخارجي وخدمة الدين العام التي تستحوذ على النسبة الأكبر من الموازنة العامة للدولة.

وبحسب بيانات وزارة التخطيط، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من عام 2025، ليسجل نحو 163.9 مليار دولار، مقارنة بـ163.7 مليار دولار في الربع الثالث من العام نفسه، وأظهرت أن إجمالي الدين الخارجي ارتفع بنحو 8.8 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بمستوى بلغ 155.1 مليار دولار بنهاية عام 2024، ما يعكس استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية الفجوات التمويلية والاحتياجات الدولارية، فيما سجل عجز الحساب الجاري لمصر ارتفاعًا بنسبة 24% خلال الربع الثاني من العام المالي 2025/2026، ليصل إلى نحو 6.2 مليار دولار، مقابل نحو 5 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي الماضي.

وأكد أن استقرار العملة الوطنية يمثل “صمام أمان للأمن الاجتماعي”، وليس مجرد مسألة شكلية أو سياسية، خاصة في الاقتصادات النامية التي تعتمد بدرجات كبيرة على الواردات والتمويل الخارجي.

فخ الأموال الساخنة

وفيما يتعلق بالاعتماد على مرونة سعر الصرف لجذب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، حذر حسانين من الوقوع في ما وصفه بـ”فخ الأموال الساخنة”، موضحًا أن التعويل على سعر الصرف كأداة رئيسية لجذب التدفقات الأجنبية قصيرة الأجل يجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات العالمية، سواء نتيجة رفع أسعار الفائدة الأمريكية أو تصاعد التوترات الجيوسياسية.

Egypt-devalues-pound
عملات نقدية مصرية

وارتفع رصيد استثمارات الأجانب إلى نحو 54 مليار دولار بنهاية يناير الماضي، بزيادة تُقدر بنحو 41 مليار دولار خلال أول 20 شهرًا من تحرير سعر الصرف في مارس 2024، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

وأضاف أن خروج هذه الأموال بشكل مفاجئ يترك فجوات دولارية أعمق، ما يثبت أن مرونة سعر الصرف في هذه الحالة لا تمتص الصدمات، وإنما تؤجل آثارها وتضاعفها لاحقًا، مشددًا على أن الرؤية المصرفية البحتة أحيانًا تتعامل مع المؤشرات والأرقام بمعزل عن آثارها الاجتماعية، وتحرير سعر الصرف في اقتصاد يعتمد على استيراد السلع الاستراتيجية مثل القمح والوقود ومدخلات الإنتاج يؤدي إلى موجات تضخمية تضرب الفئات المتوسطة والأكثر احتياجًا بشكل مباشر.

الممتص الحقيقي للصدمات

وقال إن المواطن البسيط يتحمل في النهاية التكلفة الكاملة لهذه السياسات، وهو ما قد يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل و“الممتص الحقيقي للصدمات” لا يتمثل في خفض أو رفع قيمة العملة، وإنما في وجود قاعدة إنتاجية قوية وغطاء تصديري حقيقي واحتياطي نقدي أجنبي قائم على موارد مستدامة، تشمل السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والصناعة، وإيرادات قناة السويس.

وأضاف أن سعر الصرف في النهاية “مرآة للاقتصاد”، معتبرًا أن “إصلاح المرآة لن يعالج الخلل الهيكلي في الجسد الاقتصادي”.

وانتقد الخبير المصرفي المقارنات المتكررة بين الجنيه المصري والين الياباني، واصفًا إياها بأنها “مغالطة اقتصادية شائعة”، موضحًا أن اختلاف القيمة العددية للعملة لا يعكس بالضرورة قوتها أو ضعفها، بل يرتبط بطبيعة الاقتصاد وهيكله.

وأوضح أن أكثر من 90% من الدين العام الياباني دين محلي مقوم بالين الياباني، ويحمله المواطنون والبنوك والصناديق المحلية، في حين أن جزءًا كبيرًا من الدين المصري خارجي ومقوّم بالدولار واليورو، ما يجعل أي انخفاض في قيمة الجنيه يؤدي تلقائيًا إلى زيادة أعباء الدين الخارجي وخدمته عند تقييمه بالعملة المحلية.

وأشار إلى أن اليابان تحقق فائضًا مستمرًا في الحساب الجاري بفضل استثماراتها الضخمة وصادراتها الصناعية والخدمية، بينما يعاني الاقتصاد المصري من عجز هيكلي مزمن في الميزان التجاري، ما يجعل انخفاض العملة يؤدي إلى تعميق الفجوة الدولارية بدلًا من معالجتها.

وأضاف أن انخفاض الين الياباني يدعم قاعدة إنتاجية وصناعية عملاقة قادرة على المنافسة عالميًا، في حين أن انخفاض الجنيه المصري في ظل الاعتماد على استيراد مستلزمات الإنتاج يتحول مباشرة إلى تضخم مستورد يضغط على المواطنين، مشددًا على أن التعامل مع سعر الصرف باعتباره أداة تقنية فقط “لا يتناسب مع واقع الاقتصادات النامية”، والسياسات النقدية وحدها لا تكفي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، وأن الحل الحقيقي يكمن في تحفيز الإنتاج المحلي، وبناء اقتصاد قوي قائم على الصناعة والتصدير، بما يضمن امتصاص الصدمات بصورة مستدامة ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

اقرأ أيضًا

سعر الدولار في مصر اليوم السبت 23 أبريل 2026.. كم سجل؟

search