الثلاثاء، 02 يونيو 2026

11:16 م

طارق سعدة وضبط المشهد الإعلامي.. جهود مستمرة لحماية المهنة في العصر الرقمي

يشهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في بنية الإعلام ووظائفه، حتى أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام وصناعة الاتجاهات داخل المجتمعات، ولم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو متابعة الأحداث. 

ومع التطور التكنولوجي المتسارع، اتسعت دائرة التأثير الإعلامي بصورة غير مسبوقة، وبرزت منصات الإعلام الرقمي باعتبارها الفاعل الأبرز في صناعة المحتوى وتوجيه الرأي العام، بما حمله ذلك من فرص واسعة وتحديات معقدة في الوقت ذاته.

وفي ظل هذا التحول الكبير، برزت الحاجة إلى إعادة تنظيم المشهد الإعلامي وضبط معاييره المهنية والأخلاقية، بما يضمن التوازن بين حرية التعبير من جهة، والمسؤولية المهنية من جهة أخرى. 

ومن هنا جاءت جهود نقابة الإعلاميين برئاسة الدكتور طارق سعدة، التي خاضت تجربة تنظيمية ومهنية امتدت على مسارين متوازيين: الإعلام التقليدي من ناحية، والإعلام الرقمي من ناحية أخرى.

على صعيد الإعلام التقليدي المرئي والمسموع، انطلقت النقابة من قناعة أساسية مفادها أن ضبط المهنة يبدأ من ضبط من يمارسها. 

ولذلك تم العمل على منظومة شاملة لحصر الإعلاميين وتنظيم أوضاعهم المهنية عبر القيد والتصاريح، التي شملت مختلف التخصصات مثل التقديم والإعداد والمراسلة والتحرير والإخراج. 

وقد أسهمت هذه الخطوة في وضع إطار واضح يحدد من يحق له ممارسة المهنة وفق الأطر القانونية المنظمة، بما يعزز من الانضباط داخل المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة.

وبالتوازي مع ذلك، جرى إعداد ميثاق شرف إعلامي متكامل ونشره في الجريدة الرسمية، ليصبح مرجعية ملزمة تضبط الأداء المهني والسلوك الإعلامي. 

ولم يكن هذا الميثاق مجرد وثيقة تنظيمية، بل إطارًا يعيد تعريف العلاقة بين الإعلامي والجمهور، ويؤسس لمعادلة دقيقة تجمع بين حرية التعبير والالتزام المهني.

وفي ضوء هذا الإطار التنظيمي، لم تعتمد النقابة أسلوب العقوبة المباشرة كخيار أول، بل تبنت منهجًا تدريجيًا يقوم على التوعية والتدريب والتأهيل المهني، إلى جانب الإجراءات التأديبية في الحالات التي تستوجب ذلك. 

وقد ساعد هذا النهج في خلق بيئة أكثر توازنًا، تقوم على الإصلاح المهني قبل المحاسبة، وعلى تطوير الأداء قبل معاقبة الخطأ.

أما في مجال الإعلام الرقمي، فقد كانت التحديات أكثر تعقيدًا، نظرًا لطبيعة المنصات العالمية مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك، والتي تعمل خارج نطاق السيطرة المحلية المباشرة، وتتحرك وفق سياسات دولية لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية مثل الحجب أو المنع. 

لذلك اتجهت الرؤية إلى بناء استراتيجية مختلفة تعتمد على التأثير والتوعية وبناء الوعي الرقمي بدلًا من المواجهة المباشرة.

وفي هذا السياق، أطلقت النقابة استراتيجية متكاملة لمواجهة فوضى المحتوى الرقمي، تقوم على محور أساسي هو تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وبناء كوادر قادرة على التعامل مع سيل الأخبار المتداولة عبر الإنترنت. 

وتم إنشاء مركز متخصص لمكافحة الشائعات، يهدف إلى إعداد شباب مؤهلين علميًا ومهنيًا للتعامل مع المعلومات وفق منهج دقيق يقوم على التحليل والتحقق والتوثيق قبل النشر أو التفاعل.

وقد اعتمد هذا المركز على تدريب المشاركين على آليات التواصل مع الجهات الرسمية والمتحدثين المعتمدين في الوزارات والهيئات المختلفة، والاعتماد على البيانات الموثقة والتصريحات الرسمية باعتبارها المصدر الأساسي للحقيقة، بما يضمن تقليل مساحة الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.

كما تم استحداث مسمى مهني جديد هو "مدقق المعلومات"، في خطوة تعكس تطورًا طبيعيًا فرضه العصر الرقمي، حيث أصبحت المعلومة نفسها هي محور الصراع في الفضاء الإلكتروني، وأصبح التحقق منها ضرورة لا غنى عنها لضمان سلامة الوعي العام.

وامتدت هذه الجهود إلى التعاون مع وزارة الشباب والرياضة وعدد من الجامعات المصرية، بهدف نشر ثقافة الوعي الرقمي بين الشباب، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، باعتبارهم الفئة الأكثر تفاعلًا مع وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي إطار مواجهة الظواهر السلبية، أولت النقابة اهتمامًا خاصًا بما يُعرف بالمنشورات الدوارة، وهي المحتويات التي تنتشر على نطاق واسع وتبدو في ظاهرها تعبيرًا عن مطالب مجتمعية، بينما تحمل في مضمونها رسائل تستهدف التأثير على الرأي العام وإثارة البلبلة. 

وقد تم التعامل مع هذه الظاهرة من خلال الردود الموضوعية وتقديم المعلومات الموثقة التي تساعد الجمهور على تكوين رؤية متوازنة قائمة على الحقائق.

كما شملت الاستراتيجية جانبًا مهمًا يتمثل في التواصل المباشر مع المؤثرين وصناع المحتوى الذين يمتلكون تأثيرًا واسعًا على المنصات الرقمية، بهدف تعزيز إدراكهم لدورهم في تشكيل الوعي العام، وترسيخ مفهوم المسؤولية المهنية في التعامل مع الجمهور.

ورغم ما واجهته هذه الجهود من انتقادات وحملات تشكيك، فإنها استمرت في مسارها استنادًا إلى قناعة راسخة بأن أي محاولة جادة لضبط المهنة ستواجه مقاومة من أطراف اعتادت على حالة السيولة والفوضى الإعلامية. 

غير أن ذلك لم يثنِ النقابة عن الاستمرار في أداء دورها التنظيمي وفقًا للقانون واللوائح المهنية المعتمدة.
وعلى المستوى الإداري، استطاعت النقابة تحقيق نموذج في الإدارة الذاتية، حيث تمكنت منذ عام 2019 من إدارة مواردها وإمكاناتها دون الاعتماد على دعم مالي مباشر من الدولة، مع الاستمرار في أداء دورها التنظيمي رغم التحديات المرتبطة بالإمكانات المحدودة.

إن هذه التجربة تعكس تحولًا مهمًا في فهم طبيعة العمل الإعلامي، حيث لم يعد التنظيم يقتصر على ضبط الممارسة التقليدية، بل امتد ليشمل بناء وعي جديد يتعامل مع بيئة إعلامية شديدة التعقيد والتغير. وفي ظل هذا الواقع، تظل الحاجة قائمة إلى إعلام مهني مسؤول، يجمع بين الحرية والانضباط، ويوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، ويضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى.

وفي النهاية، يتأكد أن ضبط المشهد الإعلامي لم يعد خيارًا تنظيميًا فحسب، بل أصبح ضرورة لحماية الوعي العام، وصون المهنة، وتعزيز دور الإعلام كأحد أهم أدوات بناء المجتمع الحديث وترسيخ استقراره.

اقرأ أيضًا..

حزب النور و"برشامة".. أين كنتم بالسينما؟

رابط مختصر

تابعونا على

search