إعلام بلا حصانة.. آن أوان المواجهة وإعادة ضبط المهنة
تبدو اللحظة الحالية من عمر المشهد الإعلامي وكأنها اختبار قاسٍ لمفهوم المهنة ذاته، لم يعد الأمر مجرد اختلاف في الأساليب أو تنوع في المدارس، بل تحول إلى صراع واضح بين إعلام يُبنى على المعرفة والمسؤولية، وإعلام آخر يتشكل في مساحة متداخلة تتسع يومًا بعد يوم، حتى أصبحت تسمح بظهور نماذج تفتقر إلى أبسط قواعد التأهيل، ومع ذلك تتصدر المشهد وكأنها جزء أصيل منه.
المشكلة لم تعد خفية، ما يحدث اليوم هو تمدد غير منضبط لفكرة “الظهور الإعلامي السهل”، حيث لم يعد السؤال الجوهري: هل هذا الشخص مؤهل؟ بل أصبح السؤال: هل لديه القدرة على الظهور فقط؟ وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن الإعلام ليس قناة للبحث عن الضوء، ولا ساحة لمن يظن أن الكاميرا تمنح شرعية تلقائية.
الإعلام مهنة لها أصول وقواعد ومراحل إعداد، تقوم على الفهم العميق قبل الكلام، وعلى المسؤولية قبل الانتشار، وعلى احترام عقل المتلقي قبل محاولة التأثير عليه.
لكن الواقع يكشف أن جزءًا من هذا المعنى بدأ يتآكل لصالح منطق مختلف تمامًا، منطق يقوم على الانتشار السريع ولو على حساب الجودة.
لقد أصبحنا أمام مشهد مختلط، تتجاور فيه الكفاءة مع الادعاء، والخبرة مع التجربة غير المكتملة، والمهنية مع محاولات الظهور التي لا تستند إلى أي أرض صلبة. ومع مرور الوقت، يختلط الأمر على الجمهور، فيفقد القدرة على التمييز بين الإعلامي الحقيقي ومن دخل المجال دون أدوات حقيقية.
ومن هنا تتفاقم الأزمة. لأن أخطر ما يصيب أي مهنة ليس فقط وجود أخطاء، بل فقدان المعايير التي تحدد معنى النجاح فيها من الأساس. وعندما تضيع المعايير، يصبح كل شيء قابلًا للتفسير والتبرير، وتتحول القناة إلى مساحة مفتوحة بلا ضوابط.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولًا. ويجب أن يُقال بوضوح إن المهنة بحاجة إلى تطهير حقيقي من كل ما يسيء إليها، ومن كل من تعامل معها باعتبارها وسيلة للوجاهة أو الثراء أو النفوذ، لا باعتبارها مسؤولية عامة. فالإعلام الذي لا يُحترم داخله معيار الكفاءة يتحول تدريجيًا إلى عبء على المجتمع بدل أن يكون أداة وعي.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الحل لا يكمن في الإقصاء العشوائي أو التضييق، بل في إعادة بناء منظومة تقييم صارمة وواضحة. فالمطلوب اليوم هو إعادة النظر في كل من يظهر على الشاشة، ليس بدافع الشك، ولكن بدافع حماية المهنة من التآكل التدريجي.
يجب أن يخضع كل من يعمل في المجال الإعلامي إلى إعادة تقييم مهنية حقيقية، تشمل مستوى الثقافة العامة، القدرة على التحليل، مهارات التواصل، الالتزام بأخلاقيات المهنة، وفهم طبيعة التأثير الإعلامي. فليس كل من يتحدث أمام الكاميرا يصلح لأن يكون صوتًا عامًا للمجتمع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المفترض أن يقوم به المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين. فالمسؤولية هنا لم تعد إدارية أو تنظيمية فقط، بل أصبحت مسؤولية تتعلق بحماية الوعي العام من الفوضى. المطلوب هو موقف حاسم، لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها حالة عابرة، بل باعتبارها خللًا هيكليًا يحتاج إلى معالجة جذرية.
إن ترك المجال بلا إعادة ضبط يعني استمرار حالة التسيب المهني، وفتح الباب أمام مزيد من الانحدار في جودة المحتوى، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة في الإعلام ككل، وليس في أفراد بعينهم. والثقة إذا انهارت في مجال مثل الإعلام، يصعب جدًا استعادتها لاحقًا.
لقد كان الإعلام في مراحل سابقة يعتمد على منظومة صارمة من الاختبارات والتقييم قبل السماح بالظهور على الشاشة، لم يكن الوصول إلى الجمهور أمرًا سهلًا أو عابرًا، بل كان نتيجة مراحل طويلة من التدريب والتدقيق، تبدأ من اللغة ولا تنتهي عند القدرة على إدارة الحوار والتعامل مع المواقف الصعبة.
أما اليوم، فقد أصبح في بعض الحالات الوصول إلى الشاشة مرتبطًا بمعايير مختلفة تمامًا، لا علاقة لها بالكفاءة المهنية، وهو ما خلق فجوة واضحة بين طبيعة المهنة الحقيقية والصورة التي تُعرض أمام الجمهور.
هذه الفجوة هي ما يجب التعامل معه الآن بشكل مباشر، لأن استمرارها يعني أن الإعلام يفقد تدريجيًا وظيفته الأساسية، وهي تقديم المعرفة وبناء الوعي، ويتحول بدلًا من ذلك إلى مساحة للضجيج والتجربة غير المنضبطة.
وفي خضم هذا المشهد المربك، برزت أسماء عديدة أثارت جدلًا واسعًا في الرأي العام، من بينها شيماء جمال وسارة خليفة وجولي أمين، وغيرها من الأسماء التي أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة الظهور الإعلامي، وحدود الفصل بين الشهرة والمهنة، وكيف يمكن أن تختلط الصورة الإعلامية بالجدل العام المحيط بها دون وجود معيار مهني حاسم ينظم هذا الظهور.
هذه النماذج لم تعد مجرد حالات فردية، بل أصبحت جزءًا من سؤال أكبر: من يحق له أن يتحدث باسم الإعلام؟ ومن يمنح هذا الحق؟ وهل يكفي الانتشار أو الجدل أو الظهور المتكرر لمنح صفة إعلامي؟.
إن إعادة الاعتبار للمهنة تبدأ من نقطة بسيطة لكنها حاسمة: لا ظهور بلا تقييم، ولا صفة إعلامية بلا استحقاق، ولا قناة بلا مسؤولية. فالإعلام ليس امتيازًا يُمنح، بل مسؤولية تُكتسب.
ومن المهم التأكيد أن إعادة التقييم لا تعني إقصاء الكفاءات الجديدة، بل تعني تنظيم الطريق أمامها بشكل صحيح. فكل موهبة حقيقية تحتاج إلى إطار مهني يساعدها على النمو، لا إلى فوضى تضعها في نفس مستوى غير المؤهلين.
إن استمرار الفوضى الحالية يعني مزيدًا من فقدان الثقة، ومزيدًا من تشويه صورة مهنة كانت يومًا من أهم أدوات بناء الوعي في المجتمع.
الإعلام ليس ساحة مفتوحة لكل من يريد التجربة. هو مجال دقيق يحتاج إلى غربلة حقيقية، وإلى معايير صارمة، وإلى إرادة لا تخشى المواجهة. لأن حماية الإعلام في النهاية ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية المجتمع نفسه من الانفلات المعرفي والتضليل وفوضى المعلومات.
وحين تعود الضوابط، وتُطبق معايير الكفاءة، ويُعاد تعريف من يحق له الظهور على الشاشة، عندها فقط يمكن أن نقول إن الإعلام بدأ يستعيد توازنه، وأن المهنة استعادت شيئًا من هيبتها التي لا يجب أن تُفرّط فيها تحت أي ظرف.
اقرأ أيضًا..
القاهرة بين زمنين.. سيرة مدينة حين كانت القيم تمشي على قدمين
الأكثر قراءة
-
رجل الأعمال إسماعيل دولار يصل مطار القاهرة استعدادًا لمغادرة البلاد
-
بعد التحفظ على أموالها.. "كلارا شلفون" الوجه الناعم في إمبراطورية نخنوخ
-
ورقة في جيب الأول كشفت المستور.. قصة سيدة عاشت بـ"قلبين وزوجين" في مدينة نصر
-
تداول امتحاني الإنجليزي والعلوم للشهادة الإعدادية.. والتعليم تحقق
-
سكن لكل المصريين 9.. موعد طرح 30 ألف وحدة سكنية جديدة لمحدودي الدخل
-
زيادة 50 قرشًا.. الدولار يرتفع أمام الجنيه بعد تجدد الضربات بين إيران وإسرائيل
-
تحميل النموذج الاسترشادي العاشر كيمياء 2026 pdf
-
من أم رحلت إلى بيت احترق.. مأساة 4 أطفال تهز المحمودية القديمة بالسلام
مقالات ذات صلة
طارق سعدة وضبط المشهد الإعلامي.. جهود مستمرة لحماية المهنة في العصر الرقمي
01 يونيو 2026 11:22 ص
متى تعود الروايات والقصص مصدرًا للأعمال الدرامية والسينمائية؟
25 مايو 2026 09:03 ص
"ثلاثة رجال وجلباب".. الحكاية التي أحرجت المجتمع كله
18 مايو 2026 08:36 ص
وداعًا يا من كنت تُشبه الطمأنينة في صوتك
11 مايو 2026 09:19 ص
أكثر الكلمات انتشاراً