بسبب يوم القيامة.. كيف عاشت القاهرة أسبوع الرعب قبل 3 قرون؟
عبدالرحمن الجبرتي
بين الخوف والرجاء، شهدت القاهرة عام 1147هـ (1735م)، واحدة من أغرب صفحات تاريخها الاجتماعي، يوم أن تملّكت شائعة عابرة عقول عامة الناس وخاصتهم، فرسمت ملامح يوم القيامة في أذهانهم وحددت له موعدًا قاطعًا.
ولم تكن مجرد حكاية تُروى في المقاهي، بل تحولت إلى إعصار من الذعر الجمعي تخطى حدود الدين والطبقة، ليضع المجتمع القاهري أمام مرآة نفسه، ويكشف تناقضات السلوك البشري في مواجهة النهاية الوشيكة، كما خلّدها شيخ المؤرخين عبدالرحمن الجبرتي في سطور تاريخه الحافل.
ذعر جماعي
في سنة 1147هـ الموافق 1735م، دخلت القاهرة واحدة من أغرب حالات الذعر الجمعي التي وثقتها المصادر التاريخية، حين انتشرت بين الناس إشاعة مفاجئة وقوية مفادها أن يوم القيامة سيحل يوم الجمعة الموافق 26 من شهر ذي الحجة.
ولم تكن هذه الإشاعة، محدودة النطاق أو محصورة في فئة بعينها، بل انتشرت بسرعة لافتة داخل المدينة وخارجها، حتى وصلت إلى مختلف الطبقات الاجتماعية، كما تجاوزت الانقسامات الدينية لتشمل المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء، في مشهد يعكس قوة التأثير النفسي للشائعة حين تتحول إلى حالة عامة.
ومع مرور الوقت وتضخم الخبر عبر التداول الشعبي، لم يعد الكثيرون يتعاملون معه باعتباره مجرد كلام متداول، بل كحقيقة وشيكة الوقوع، ما أدى إلى حالة من الارتباك والخوف العام داخل المجتمع القاهري.
وتشير روايات المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، إلى أن مظاهر هذا الهلع كانت واضحة في الشوارع والبيوت والأسواق، حيث سادت أجواء من الترقب القلق وكأن الجميع ينتظر حدثًا كونيًا لا مفر منه.

الوداع
في تلك الأيام، برزت مشاهد إنسانية شديدة التباين، إذ انقسم الناس في ردود أفعالهم إلى اتجاهات متعددة.
ففريق أول دخل في حالة من المراجعة الذاتية العميقة، وبدأ في محاسبة النفس واسترجاع سنوات العمر وما ارتكب فيها من أخطاء، مع انتشار واسع لطقوس التوبة والاستغفار وكثرة العبادة، وكأن الحياة كلها توقفت عند لحظة استعداد للنهاية. وكان بعضهم يردد عبارات الوداع بين الأهل والأصدقاء.
ويقول الجبرتي في كتابه "وودع الناس بعضهم بعضًا ويقول الإنسان لرفيقه بقى من عمرنا يومان، وخرج الكثير من الناس والمخاليع إلى المتنزهات ويقول لبعضهم البعض دعونا نعمل حظنا، ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة".

وفي المقابل، اتجهت فئة أخرى إلى التعامل مع الموقف بطريقة مختلفة تمامًا، حيث خرج كثير من الناس إلى المتنزهات والحدائق العامة، وكأنهم يحاولون استثمار الوقت المتبقي في الاستمتاع بالحياة قبل نهايتها المزعومة.
ويعلق الجبرتي: “الصالحون تحسروا على ضياع عمرهم وقرب مماتهم، وأهل الخلاعة استمروا في خلاعتهم”.
ولم يكن هذا السلوك مجرد لهو عابر، بل كان تعبيرًا عن آلية نفسية للهروب من القلق الجماعي، ومحاولة لتخفيف وطأة الخوف من خلال الانشغال بالدنيا بدلًا من مواجهته.
الاغتسال في نهر النيل
ويصف الجبرتي، الأمر بأن القاهرة في تلك اللحظة بدت وكأنها مدينة فقدت توازنها المعتاد، فبين من انشغل بالدعاء والصلاة والاعتكاف، ومن انصرف إلى اللهو والمرح، كان هناك مشهد ثالث أكثر هدوءًا يتمثل في فئة لم تصدق الشائعة منذ البداية، واعتبرتها مبالغة لا تستند إلى أساس منطقي، فواصلوا حياتهم بشكل طبيعي دون أن يغيروا من روتينهم اليومي.
وامتدت هذه الحالة إلى مناطق خارج القاهرة، ومن بينها الجيزة، حيث سُجلت مشاهد غير مألوفة لعدد كبير من الناس، من الرجال والنساء، وهم يتوجهون إلى المياه للاغتسال، في تصرف جمع بين الرمزية الدينية والتوتر النفسي.
واختلفت دوافعهم بين من كان يسعى إلى التوبة والاستعداد الروحي، ومن كان يعيش حالة من الاضطراب والخوف الشديد الذي دفعه إلى سلوكيات غير معتادة.
ومن بين الحكايات التي نقلتها الروايات الشعبية في تلك الفترة، قصة رجل ذهب إلى أحد الأمراء وأصر على صدق ما يقال، بل وصل به الأمر إلى حد أنه طلب حبسه حتى اليوم الموعود، مؤكدًا أنه إذا لم تقع القيامة في ذلك اليوم، فليتم إنزال العقوبة القصوى عليه، قائلا: “إن لم تصدقني أيها الأمير بأن القيامة ستكون يوم الجمعة القادم فاحبسني عندك إلى هذا اليوم، وأن لم تقم القيامة فاقتلني”.
ومع مرور الأيام دون تحقق ما تم تداوله، بدأت الحقيقة تتكشف تدريجيًا، وانتهت حالة الذعر الجماعي، لكن ما تبقى منها لم يكن مجرد ذكرى عابرة، بل مجموعة من التفسيرات الشعبية التي حاولت لاحقًا تفسير ما حدث، ومن بينها اعتقاد بعض العامة أن وقوع القيامة قد تم تأجيله نتيجة شفاعة بعض الأولياء الصالحين مثل السيد أحمد البدوي وإبراهيم الدسوقي والإمام الشافعي، في محاولة لإضفاء معنى ديني على حدث اجتماعي في جوهره.

إلا أن المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي تعامل مع هذه الواقعة بنظرة نقدية واضحة، معتبرًا أنها نموذج صارخ لكيفية تحول الشائعات في ظل الخوف الجمعي إلى “حقائق” راسخة في أذهان الناس، حتى وإن كانت بلا أي سند من الواقع.
واستخدمها كدليل على طبيعة النفس البشرية عندما تُترك تحت تأثير الذعر الجماعي، وكيف يمكن لفكرة غير مؤكدة أن تعيد تشكيل سلوك مجتمع كامل في وقت قصير، من أقصى درجات التوبة والخشوع إلى أقصى درجات اللهو والانفلات، ثم العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية بعد انقضاء موجة الخوف.
اقرأ أيضا:
"الأمهات الباحثات" يسرقن أضواء كأس العالم 2026 بشموع المفقودين
الأكثر قراءة
-
من قبلة على القدم إلى اتهامات بالخطف.. حكاية سعد الصغير والراقصة شمس ونخنوخ
-
بعد محاولته إنهاء حياته.. وفاة قاتل الدكتور لطفي مرعي في المنوفية
-
عصير القصب به سم قاتل.. كيف يهدد "ثاني أكسيد التاتنيوم" صحة المصريين؟
-
نتيجة الصف السادس الابتدائي الأزهري برقم الجلوس والاسم الترم الثاني 2026
-
مشاهدة حفل افتتاح كأس العالم 2026 مباشر مجانًا
-
"بيقسموا عليها".. الأمن يفحص فيديو لاعتداء جماعي على فتاة
-
حين يتحول شغفنا إلى إذلال وخيبة أمل!
-
مستشار قانوني يوضح مصير طفل ألقته الخلافات الأسرية بالشارع (خاص)
أخبار ذات صلة
خسر مليون جنيه.. تفاصيل تعرض والد البلوجر حمدي عاشور للنصب
12 يونيو 2026 01:55 م
"سم النحل" لتعزيز المناعة، مشروع مميز لخريجات زراعة القاهرة لتنمية الثروة الحيوانية
12 يونيو 2026 11:39 ص
“تيشرت مضحك”.. صحيفة أمريكية تثير الجدل بسبب قميص منتخب مصر
12 يونيو 2026 09:41 ص
فيل آسيوي يبهر حراسه بمهاراته الكروية ليلة المونديال 2026 (فيديو)
11 يونيو 2026 10:29 م
أكثر الكلمات انتشاراً