الثلاثاء، 30 يونيو 2026

09:28 م

كلاب الشوارع| صراع بين معسكرين وحلول تثير الجدل.. ماذا يحدث؟

كلاب ضالة في أحد الشوارع

كلاب ضالة في أحد الشوارع

في قلب الشارع لم يعد مشهد الكلاب الضالة بين الأزقة والأحياء والأسواق في القاهرة والمدن الأخرى، مجرد حدث عابر، بل تحول إلى واقع يومي يفرض نفسه بثقل على السكان، لتتحول الشوارع من مساحات نابضة بالحياة إلى مصادر قلق وخوف دائمين، هذه الظاهرة تجاوزت حدود الإزعاج البصري لتصبح أزمة صحية واجتماعية واقتصادية تهدد سلامة الإنسان والحيوان على حد سواء، واضعة الجميع أمام معضلة إنسانية وتشريعية تتأرجح بين رفق الرحمة وحسم المواجهة. 

أزمة الكلاب الضالة  66
مشهد لكلاب ضالة في أحد الشوارع

صرخات من الرصيف.. شهادات حية من خطوط المواجهة

في جولة ميدانية لـ"تليجراف مصر" شملت أحياء حلوان، وحدائق القبة، والمرج الجديدة، ووسط البلد، ومدينة أكتوبر، بدت ملامح الأزمة واضحة من خلال تفاصيل معايشة السكان، تروي نادية سليم، من سكان حلوان، كيف تحولت شوارع المنطقة إلى مستعمرات للكلاب التي تتجمع في مجموعات تصل أحيانًا إلى عشرة كلاب في الشارع الواحد، قبل أن يهاجموا المارة ما يسفر عن وقوع حالات عقر متكررة.

وترى نادية أن انتشار صناديق القمامة المكشوفة هو المغذي الرئيسي لهذه التجمعات، مقترحة علاج هذه الحيوانات وإنشاء مزارع مخصصة لرعايتها كحل عملي ينهي المشهد المقلق.

أزمة الكلاب الضالة  55
أزمة الكلاب الضالة تحول الشوارع من مساحات نابضة بالحياة إلى مصادر قلق وخوف 

هذا القلق يتردد صداه في مدينة أكتوبر، حيث يتذكر الشاب محمد طاهر، ليلة عصيبة تعرض فيها لهجوم مباغت من ستة كلاب أثناء عودته من عمله بعد منتصف الليل، ورغم اعترافه بانخفاض الأعداد نسبيًا مؤخرًا، فإنه يؤكد أن خطورتها تظل كامنة وقابلة للانفجار في أي لحظة، إذا ما أصيبت بالسعار.

واعتبر أن تلال المخلفات هي كلمة السر في تفاقم الظاهرة، ما يتطلب نقلها إلى ملاجئ معزولة في المناطق الصحراوية، مع عدم التردد في تطبيق القتل الرحيم على الحالات المستعصية التي تمثل خطرًا داهمًا على المواطنين.

 يتذكر الشاب محمد طاهر ليلة عصيبة تعرض فيها لهجوم مباغت من ستة كلاب أثناء عودته من عمله بعد منتصف الليل

تصف سما كمال، المقيمة بحدائق القبة، الوضع في منطقتها بأنه يشهد تدفقًا لأعداد غير طبيعية من الكلاب، وتطرح حلًا يعتمد على إخلاء الشوارع تمامًا عبر عزل الذكور عن الإناث ونقلهم إلى مستعمرات مفتوحة في عمق الصحراء بعيدًا عن الكتل السكنية.

أزمة الكلاب الضالة 44
هجوم الكلاب الضالة على السكان

رؤية سما تتطابق مع جغرافيا المرج الجديدة، وتحديدًا في منطقة العزبة البيضاء، حيث يشير أحمد محمد، إلى أن وجود مساحات من الأراضي الزراعية المهجورة وتراكم أكوام القمامة وفر بيئة مثالية وتجمعًا لافتًا للكلاب، ما عمق الأزمة وجعل السير في شوارع المنطقة مغامرة غير مأمونة العواقب.

معضلة التعقيم ومقصلة "القتل الرحيم"

أمام هذا التمدد الميداني، تبرز الرؤية العلمية لتفكيك أوهام الحلول المخالفة للواقع، حيث يرى الدكتور محمد عفيفي، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، أن التعقيم الجراحي ليس عصا سحرية، بل هو مجرد خيار مساهم في استدامة المعالجة، ولا يمكنه الصمود بمفرده أمام طوفان التكاثر.

ويدلل عفيفي على ذلك بلغة الأرقام، موضحًا أن أقصى عدد جرى تعقيمه بلغ ثمانية آلاف وثلاثمائة كلب فقط خلال عام 2025، وهو رقم ضئيل للغاية يمكن تعويضه في شهور قليلة بواسطة مئات الإناث اللاتي يلدن مرتين سنويًا.

ويصف عفيفي، هذا الإجراء بمثابة "نقطة مياه عذبة في بحر مالح"، إذ يتطلب نجاح منظومة التعقيم علميًا تغطية ما لا يقل عن 85% من إجمالي الكلاب في وقت واحد، وهو أمر شبه مستحيل لوجستيًا في الوقت الحالي، وحتى لو تحقق، فلن يشعر المواطن بأثره إلا بعد نحو ثماني سنوات كاملة، حين تبدأ الأعداد في التراجع الطبيعي، ما يعني استمرار حوادث العقر وانتقال الأمراض طوال تلك الفترة.

الدكتور محمد عفيفي، الأمين العام الأسبق للنقابة ال
الدكتور محمد عفيفي، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين

ومن هذا المنطلق، يطرح عفيفي، مفهوم "القتل الرحيم" باعتباره إجراءً طبيًا معتمدًا دوليًا يُطبق وفق بروتوكولات صارمة بقرار من طبيب بيطري داخل أماكن مجهزة، مستهدفًا الحيوانات الميؤوس من شفائها، أو المصابة بآلام مزمنة، أو الشرسة التي تحمل أمراضًا  تهدد البشر، حيث يتم التنفيذ بحقن مواد توقف الدورة الدموية ووظائف القلب سريعًا لإنهاء معاناتها بطريقة إنسانية.

ويقترح الأمين العام الأسبق، خطة شاملة تبدأ بتخصيص مساحات واسعة خارج الحيز العمراني لنقل أكثر من 80% من كلاب الشوارع فورًا، وفرزها وتصنيفها لعزل السليم منها وتعقيمه وعرضه للتبني، وتطبيق القتل الرحيم على المريض أو الشرس بقرار طبي، بالتوازي مع حملات تطعيم ميدانية مستمرة.

خفايا التمويل والمصالح في كواليس جمعيات الرفق بالحيوان

لم تتوقف أزمة الكلاب عند حدود الشارع والطب البيطري، بل امتدت لتفتح ملفات شائكة تتعلق بجمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال إنقاذ الحيوانات، إذ يكشف الدكتور محمد عفيفي مفاجأة، بشأن العديد من هذه الجمعيات والنشطاء الذين يفتقرون تمامًا للتخصص الطبي والبيئي اللازم لإدارة الأزمة، لافتا إلى وجود اتهامات متبادلة داخل هذا الوسط بخصوص ممارسات تمويلية غير منضبطة، واستغلال معاناة الحيوانات لتحقيق مصالح شخصية عبر التربح وجمع التبرعات الداخلية والخارجية دون رقابة مالية أو تراخيص رسمية، ما يبدد الموارد ويطيل أمد المشكلة.

 اتهامات متبادلة داخل هذا الوسط بخصوص ممارسات تمويلية غير منضبطة، واستغلال معاناة الحيوانات لتحقيق مصالح شخصية عبر التربح وجمع التبرعات الداخلية والخارجية دون رقابة مالية 

وفي المقابل، يدخل رئيس جمعية الرفق بالحيوان، الدكتور شهاب عبدالحميد، إلى خط المواجهة محملًا  السلطات جزءا من المسؤولية بسبب التقاعس، لافتا إلى وجود جهات تستفيد ماليًا من استمرار الوضع عبر أنشطة تجارية في القطاع البيطري، مثل تجارة دم الكلاب وتصدير بعض الفصائل وبيع العقاقير.

رئيس جمعية الرفق بالحيوان، الدكتور شهاب عبد الحميد
رئيس جمعية الرفق بالحيوان، الدكتور شهاب عبد الحميد

ويكشف عبدالحميد، مفاجأة تؤكد تضاعف الأزمة، موضحا أن عدد الكلاب الضالة في مصر كان يبلغ 15 مليون كلب عام 2014 وفق دراسة أجريت بالتعاون مع منظمة "ويسبا" العالمية، بينما تشير التقديرات الحالية إلى احتمال تجاوزه حاجز 40 مليون كلب، وهو ما قفز بحالات العقر السنوية من 300 ألف حالة في السابق إلى أكثر من مليون وأربعمائة ألف حالة في الوقت الراهن.

عدد الكلاب الضالة في مصر كان يبلغ 15 مليون كلب عام 2014 وفق دراسة أجريت بالتعاون مع منظمة "ويسبا" العالمية

ويرى عبدالحميد، أن إزالة القمامة كفيلة بحل نصف الأزمة، مطالبًا بوقف الإطعام العشوائي في الشوارع لما يسببه من تلوث، مع فرض رقابة صارمة على الملاجئ الخاصة.

الفاتورة المليارية وثغرات التشغيل بين غرف البرلمان

تتجاوز الأزمة البعد الاجتماعي لتضغط بقوة على الموازنة العامة للدولة، إذ تكشف الدكتورة نسرين عمر، عضو مجلس النواب وأستاذ الميكروبيولوجيا والمناعة الطبية، أن الفاتورة الإجمالية لعلاج عقر الكلاب في مصر تُقدر بنحو مليار ونصف المليار جنيه، تشمل شراء التطعيمات والأمصال وتكاليف الرعاية الطبية في المستشفيات للحالات الطارئة.

الدكتورة نسرين عمر، عضو مجلس النواب وأستاذ الميكرو
عضو مجلس النواب أستاذ الميكروبيولوجيا والمناعة الطبية، الدكتورة نسرين عمر

ورغم هذا العبء، تعلن عمر، رفضها التام لفكرة إنشاء الملاجئ الحكومية نظرًا للتكاليف المادية الباهظة والضخمة اللازمة للتشغيل والإدارة وتوفير الغذاء والرعاية الصحية، مقترحة بدلًا من ذلك الاستعانة بالجمعيات المتخصصة المؤهلة بالتنسيق مع مديريات الطب البيطري لجمع الكلاب وتعقيمها وتطعيمها ضد السعار، لما للتعقيم من أثر في تقليل السلوك العدواني وحماية الحيوانات نفسها من الأورام.

وتلتقي هذه الرؤية النيابية مع طرح النائبة يارا عفت، التي تؤكد أن حجم المشكلة على أرض الواقع لا يزال يفوق الجهود المبذولة، وأن النتائج الملموسة في معظم المحافظات لم ترقَ بعد لمستوى التحدي.

وتشير عفت إلى أن المبادرات الناجحة في بعض المدن، مثل جنوب سيناء، تعود في الأصل لجهود متطوعين وجمعيات أهلية أكثر من كونها خططًا حكومية شاملة، معتبرة أن ما أعلنته الدولة من برامج يظل محدود النطاق ويفتقر للعمق والتنفيذ المستدام.

وتشدد عفت على أن إنشاء الملاجئ يمثل عبئًا إضافيًا غير واقعي على الموازنة العامة، لافتة إلى أنها تفضل توجيه الموارد الشحيحة نحو برامج التعقيم والتطعيم المنظمة لأنها الأكثر فاعلية والأقل كلفة.

عضو مجلس النواب، يارا عفت
عضو مجلس النواب،  يارا عفت

وتضيف أن لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، برئاسة السيد القصير، قررت إعادة فتح هذا الملف الساخن ومناقشته مع كافة الجهات التنفيذية للتأكد من واقعية الحلول وقابليتها للقياس، معلنة رفضها القاطع للتخلص الجماعي أو التوسع في القتل الرحيم خارج الإطار الطبي الصارم، أو الترويج لتصدير الكلاب كحل للأزمة.

ونوهت عفت إلى التحديات اللوجستية التي تواجه الدولة، مثل غياب قواعد البيانات الدقيقة، ومحدودية الوعي المجتمعي في التخلص من المخلفات، محذرة من أن التعامل العنيف مع الكلاب يضاعف شراستها.

حقيقة بيع "أكياس الدم" والموقف الشرعي الحاسم

وسط هذا الجدل، تصاعدت الأقاويل حول تجارة وتصدير دماء الكلاب، وهو ما واجهته منى خليل، رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان، بنفي قاطع مؤكدة عدم وجود أي جمعية تقوم بتصدير دم الكلاب، وأن الشركات الطبية المرخصة من الهيئة العامة للخدمات البيطرية هي الوحيدة التي تتعامل في هذا المجال لتوفير فصائل الدم لبنوك الدم البيطرية لاستخدامها في العمليات الجراحية الطارئة للحيوانات.

منى خليل، رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيو
منى خليل، رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان

غير أن الدكتورة شيرين زكي، الرئيس السابق للجنة السلامة الغذائية بنقابة البيطريين، وضعت النقاط على الحروف بخصوص هذه الواقعة، كاشفة أن جمعية "مؤسسة حماية الحيوان" تقدمت في وقت سابق بطلب رسمي وحصلت على موافقة الهيئة العامة للخدمات البيطرية لتصدير دم الكلاب وفق اشتراطات صارمة وتحت إشراف حكومي مباشر مقابل رسوم محددة.

شيرين زكي، الرئيس السابق للجنة السلامة الغذائية بن
الدكتورة شيرين زكي، الرئيس السابق للجنة السلامة الغذائية بنقابة البيطريين

وأوضحت زكي أنه جرى بالفعل تصدير ثلاثة آلاف كيس دم على مدار ثلاث سنوات، بواقع ألف كيس في عام 2023، و1600 كيس في عام 2024 الذي شهد ذروة التصدير، ثم أربعمائة كيس في عام 2025، مشيرة إلى أن هذه الدماء تستخدم دوليًا في العمليات الكبرى وعلاج الأمراض المناعية وإنتاج الأمصال البيطرية ضد الأمراض الفتاكة مثل "البارفو"، حيث تعد الفصيلة المعطية العالمية universal donor، هي الأغلى سعرًا والأكثر طلبًا.

ومن الناحية الشرعية، يحسم الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء، الجدل الفقهي، مؤكدًا أنه لا يجوز للمواطن العادي أن يقتل الحيوان بنفسه، وأن هذا الأمر من الاختصاص الحصري للجهات المعنية والمحليات التي تمتلك الوسائل المناسبة.

الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصري
الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

وأوضح عثمان أن الشريعة الإسلامية لم تجز التخلص إلا من "الكلب العقور" الذي يُشكل خطرًا حقيقيًا ومباشرًا على حياة الناس وممتلكاتهم، أما الكلاب الضالة المسالمة فلا يجوز مسها بسوء، ويقتصر دور المواطن تجاهها على إبلاغ الجهات المختصة للتعامل معها بما يحفظ التوازن البيئي والرفق بالحيوان.

وفي ظل هذا التنازع بين الرؤى، حاولت "تليجراف مصر" التواصل مع الهيئة العامة للخدمات البيطرية برئاسة الدكتور حامد الأقنص، للحصول على إجابات حاسمة حول الأعداد الرسمية المحصورة، والمعايير المتبعة للقتل الرحيم، إلا أنه رفض التعليق تمامًا على الملف.

الهيئة العامة للخدمات البيطرية 33
 الهيئة العامة للخدمات البيطرية

وفي المقابل، ينقل مصدر طبي من داخل مستشفى الهرم التخصصي بالجيزة، واقع المعاناة اليومية، مؤكدًا أن استقبال حالات العقر يتراوح ما بين 60 إلى 70 حالة يوميًا، ليبقى الشارع المصري محاصرًا بين فكي أزمة تبحث عن إرادة سياسية توحد الجهود المبعثرة قبل أن تلتهم الفاتورة الصحية والمجتمعية ما تبقى من أمان الأرصفة.

أزمة الكلاب الضالة 22
عقر المواطنين من الكلاب الضالة

اقرأ أيضًا: 

"راجع من حجز كورة".. كلب ضال يعقر شابًا في المرج

إصابة 13 مواطنًا بينهم أطفال ومرضى كبار سن.. هجمات كلاب ضالة تثير الذعر في الأقصر

فاجعة بطريق الواحات.. كلاب ضالة تنهش بقايا جسد شاب على مدار يومين

search