هل أصبح التعليم مجرد شهادة؟.. خبراء يحللون رقص طلاب الثانوية بعد الامتحانات
احتفالات طلبة الثانوية العامة
عبر طلاب الثانوية العامة عن فرحتهم بانتهاء ماراثون الامتحانات، حيث احتفلوا احتفالًا صاخبًا في مختلف المحافظات، وذلك بالرقص أمام المدارس على المزمار البلدي والأغاني الشعبية، مستخدمين الشماريخ ورشاش الثلج، مع توزيع هدايا باهظة الثمن من الأهالي، وغيرها من مظاهر الاحتفال الأخرى، ولكن كان الاحتفال الأغرب هو "تمزيق الكتب والملازم"، الذي لا يزال يثير تساؤلات حول العلاقة النفسية بين الطالب والكتاب.
أثارت تلك الاحتفالات الجدل بين رواد التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر البعض أنها تعبير عن الخلاص من "بعبع الثانوية" وتفريغ كبت سنة دراسية، فيما لقيت غضب البعض الآخر، سواء فيما يخص تمزيق الكتب، الذي اعتبروه دليلًا على عدم نجاح المنظومة التعليمية، أو رقص الفتيات المنبوذ مجتمعيًا، وكذلك الهدايا الباهظة التي تندرج ضمن "الاستعراض".
ظاهرة الرقص بعد انتهاء الامتحانات.. هل أصبح التعليم شهادة وليس هدفًا؟
أوضح الخبير التربوي، الدكتور مجدي حمزة، أن تلك الظاهرة بدأت تنتشر منذ ثلاث سنوات في امتحانات الشهادة الإعدادية، لافتًا إلى أنها لا تقتصر على طلاب الشهادتين الثانوية أو الإعدادية، بل أصبحت تمتد أيضًا إلى سنوات النقل، إذ يرقص الطلاب ويغنون فيما يشبه "زفة الفرح"، وكأن الامتحانات كانت بالنسبة لهم "نارًا" لم يصدقوا الخلاص منها.
وأضاف حمزة لـ"تليجراف مصر"، أن تلك الاحتفالات مؤشر على أن التعليم بالنسبة للطلبة لم يعد هدفًا، بل فقد قيمته وأصبح مجرد شهادة يسعون للحصول عليها من أجل أهاليهم، وحتى لا يكونوا جاهلين، متابعًا أن الطالب أضحى غير محدد هدفه، عكس الماضي، حيث كان يحلم وهو طالب في المرحلة الابتدائية بأن يكون ضابطًا أو طبيبًا أو مدرسًا وغيرها من المهن الأخرى، أما الآن فلا يعرف الطالب الجامعي ماذا ينوي من مجال دراسته.

الموبايل هو "الشيطان الأعظم" والطلبة ضحايا المدرسين
وأشار الخبير التربوي إلى أن طلاب الثانوية العامة أصبحوا مهتمين بأشياء بعيدة تمامًا عن التعليم، مثل "كرة القدم"، و"الغناء"، والاهتمام بالسوشيال ميديا، متابعًا: "أعتقد أن الموبايل أصبح دلوقتي الشيطان الأعظم اللي بيلهي الناس عن كل حاجة".
ولفت الخبير التربوي إلى أن طبيعة المناهج أنها صعبة، وتحتاج إلى تطوير، لذلك يشعر الطلاب بأن هناك نوعًا من العداء والجفاء بينهم وبين المواد الدراسية والمدرسة والمدرسين، متصورين أن كل ذلك ضدهم، بما في ذلك وزارة التربية والتعليم، وما غذّى ذلك الشعور مدرسو الدروس الخصوصية والمراكز الذين يثبتون أن الطلبة أصبحوا ضحايا الوزارة، وليس عدم المذاكرة والإهمال وعدم الاهتمام بمستقبلهم.
الاحتفالات الهيستيرية دليل على فجوة نفسية رهيبة
وفيما يخص الغناء والطبل والفتيات اللواتي يرقصن بطريقة هيستيرية أمام المدارس، والأولاد الذين يشعلون الشماريخ، أوضح الدكتور مجدي أنها دليل على الضغط النفسي، ومع ذلك يرى أنه "مبالغ فيه"؛ لأن كثيرًا من الطلبة لا يذاكرون، ورغم ذلك، ومن خلال ملاحظاته لطلاب الثانوية العامة هذه السنة، فإن الطالبات أكثر انضباطًا في العملية التعليمية وفي الامتحانات من الأولاد، لذلك هن الأكثر فرحًا ورقصًا وغناءً.
وتابع الدكتور مجدي أن الرقص ليس مجرد تفريغ لطاقة الامتحانات فحسب، بل دليل على فجوة نفسية رهيبة بين الطالب وبين الدراسة، وأن الدراسة بالنسبة له أصبحت عبئًا نفسيًا خطيرًا يمنعه من الاستمتاع بحياته؛ وذلك لأنها تزيد الضغوط في المنزل، مما ينشئ خلافات زوجية خلال فترة الثانوية العامة.
"لا بد من الاحتواء".. تحذير من عدم التئام جروح الأهل
وأكمل حديثه قائلًا: "ده بيعمل ضغوطًا نفسية صعبة جدًا على الولاد في الثانوية العامة، وبقى هناك فجوة نفسية صعب إنها تلتئم بين يوم وليلة، وهتحتاج فترات طويلة، وخاصة أن بعد فترة الامتحانات تأتي فترة انتظار النتيجة، وما أدراك ما النتيجة والضغط النفسي الرهيب الذي يكون على الطلبة وأولياء الأمور، وما بيكونوش عارفين يتصرفوا".
وأكد الدكتور مجدي أنه من المفترض أن يحتوي الأهالي أولادهم في الفترة التي بين الامتحانات والنتيجة، ويؤكدوا لهم أنهم أهم من أي نتيجة، ولا يضعوهم تحت ضغط نفسي ومقارنات مع الزملاء أو الأقارب، لأن كل ذلك يضع ضغوطًا نفسية يصعب أن تلتئم بسهولة بعد امتحانات الثانوية العامة.
كيف تعيد المنظومة التعليمية صياغة علاقة الطالب بالكتب؟
وبالنسبة إلى كيفية إعادة صياغة العلاقة بين الطالب والكتب، لفت الخبير التربوي إلى أنه موضوع يطول شرحه، إلا أنه يتمثل في بعض الأمور، من بينها: أن تكون المناهج جيدة على مستوى قدرات الطلاب، وأن تأتي الامتحانات جيدة، وأن تعود المدرسة إلى دورها التربوي، مع عدم صدور تصريحات مستفزة من الوزارة لأولياء الأمور، فضلًا عن إحساس الطلاب بقيمة التعليم وأهمية المدرسة، وأن تكون المدرسة هي المكان الأول والأخير للتعليم، وبها أنشطة جاذبة للطلاب وليست منفرة.
بالإضافة إلى أن يكون الطلبة وأولياء الأمور أحد شركاء وضع المناهج مع الخبراء وأساتذة المناهج والأخصائيين النفسيين أو الأطباء النفسيين، حيث تكون هناك صياغة مكتملة من كل هذه الجوانب حتى تكون المناهج مناسبة للطلاب.
"السوشيال ميديا" أعادت تغيير شكل الاحتفال
من جانبها، أوضحت الدكتورة ابتسام مرسي محمد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن هذه المشاهد لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة، فالثانوية العامة في المجتمع المصري لم تعد مجرد عام دراسي، بل تحولت إلى حدث استثنائي تعيشه الأسرة بأكملها.
وذكرت أن الأسر تعيش أشهرًا طويلة من الدروس والقلق والتوتر والانتظار، تجعل انتهاء كل امتحان بمثابة لحظة تحرر نفسي، فيندفع بعض الطلاب للتعبير عن فرحتهم بصورة عفوية قد تبدو مبالغًا فيها.
وتابعت الدكتورة قائلة: "لكن المشهد اليوم لم يعد مجرد تعبير عن الفرح، فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تغيير شكل الاحتفال، فالكثير من الطلاب لا يحتفلون فقط لأنهم سعداء، ولكن لأنهم يدركون أن هناك كاميرات توثق كل لحظة، وأن مقطعًا قصيرًا قد يحصد آلاف المشاهدات خلال ساعات".

الاحتفال جزء من محتوى رقمي
وأشارت مرسي إلى أن الاحتفال أصبح جزءًا من محتوى رقمي يسعى إلى الانتشار، وأصبحت بعض التصرفات أكثر ارتباطًا بجذب الانتباه منها بالتعبير الحقيقي عن المشاعر، كما أوضحت أن من الظواهر التي تستحق التأمل أيضًا، اتجاه بعض الأسر إلى استقبال أبنائها أمام المدارس بهدايا باهظة الثمن، مثل أحدث الهواتف المحمولة أو المشغولات الذهبية، وكأن النجاح لا يكتمل إلا بمشهد استعراضي أمام الكاميرات.
وتابعت قائلة: "من حق كل أسرة أن تفرح بابنها بالطريقة التي تراها مناسبة، لكن عندما تتحول الفرحة إلى منافسة اجتماعية ورسائل غير مباشرة للمحيطين، فإنها تخلق ضغوطًا كبيرة على الأسر الأخرى، وتدفع بعض الشباب إلى مقارنة أنفسهم بما يشاهدونه، بدلًا من الاكتفاء بقيمة الإنجاز نفسه".
ما علاقة احتفالات طلاب الثانوية بـ"العدوى الاجتماعية"؟
وتطرقت إلى أنه من منظور علم الاجتماع، يمكن تفسير ذلك بما يُعرف بـ"العدوى الاجتماعية"، حيث تنتقل أنماط السلوك بسرعة بين الشباب، فالشيء الذي يبدأ بتصرف فردي يتحول مع الوقت إلى تقليد جماعي.
أما مشهد إلقاء الكتب والدفاتر في الهواء، فذكرت مرسي أنه يحمل دلالة مختلفة، فهو لا يعبر بالضرورة عن كراهية العلم، وإنما يعكس رغبة كثير من الطلاب في التخلص من مرحلة ارتبطت في أذهانهم بالإرهاق والضغوط النفسية.
واختتمت حديثها بأن الرقص والهتافات الصاخبة أمام المدارس تثير بدورها جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، إذ لكل جيل طريقته في التعبير عن الفرح، ومن الطبيعي أن تختلف وسائل التعبير من زمن إلى آخر.
تمزيق الكتب.. قصور تعليمي وضغط أسري
بحسب موقع "Counter View"، فإن ظاهرة تمزيق الكتب ترجع إلى قصور النظام التعليمي الذي يركز فقط على تراكم المعلومات دون تنمية الشخصية أو الفهم النقدي، إذ يجب أن يكون التعليم جزءًا لا يتجزأ من الحياة، لا مجرد مسعى منفصل ومجرد.
ويتزايد القلق بشأن الأثر النفسي للنظام التعليمي القائم على النتائج على الطلاب، فقد رُبطت ضغوط الامتحانات بارتفاع مستويات التوتر، وظهور مشكلات سلوكية، وتزايد التحديات المتعلقة بالصحة النفسية، بما في ذلك الميول الانتحارية، ونتيجة لذلك أصبح التعليم أكثر تركيزًا على المسار المهني والاستثمار.
فيما ينظر العديد من الآباء والمعلمين إلى التعليم كوسيلة لضمان فرص عمل أفضل، مما يضع ضغطًا كبيرًا على الطلاب لتحقيق درجات عالية، هذا التركيز على النتائج قد يُهمل الصحة النفسية للطلاب، وتطلعاتهم، والقيمة الجوهرية للتعلم.
اقرأ أيضًا:
بعد ماراثون الثانوية العامة.. 7 نصائح لاستعادة صحتك النفسية والعقلية
“خالتو بتتخرج” وآيفون 17.. مشاهد طريفة في آخر أيام امتحانات الثانوية (صور)
بعد انتهاء امتحانات الثانوية 2026.. أماكن خروج "على قد الإيد" في القاهرة
الأكثر قراءة
-
خلال ساعات.. قطع المياه عن هذه المناطق في الجيزة
-
أسعار الكتب الخارجية 2026-2027 لجميع المراحل الدراسية
-
بعد ارتفاع الودائع.. سعر صرف الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس بالبنوك
-
نموذج إجابة امتحان الرياضيات التطبيقية 2026 للثانوية العامة
-
أسماء المصابين في حادث تصادم على طريق دسوق - كفر الشيخ الدولي
-
إجراء عاجل من "الكهرباء" بشأن العدادات الكودية.. تفاصيل
-
براتب 1488 يورو.. "الصحة العالمية" تفتح باب التقديم لتدريب في ألمانيا
-
بـ"الماء والليمون".. رئيس شعبة البن يحدد اختبارين بسيطين لكشف الغش
أخبار ذات صلة
طوابير وسيستم.. رصد أول يوم لصرف منحة العمالة غير المنتظمة داخل مكاتب بريد
16 يوليو 2026 08:58 م
طفل لا يعرفه أحد.. 5 دقائق كافية أبرزت موهبة يامال في برشلونة
16 يوليو 2026 11:15 م
غموض حول مستقبله.. تفاصيل أزمة مصطفى محمد مع نانت الفرنسي
16 يوليو 2026 07:45 م
بين تضاؤل الخوف من الموت وآداب الجنائز.. لماذا تنتهك حرمة المقابر؟
16 يوليو 2026 04:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً