محمد فودة يكتب: تجارة الدموع.. بين النجومية وأم زيكو
لم تعد الدموع مجرد تعبير عن الحزن، بل أصبحت في أحيان كثيرة عملة رائجة، كلما ازدادت القصة وجعًا، ارتفعت قيمتها في سوق المشاهدات، وكلما كانت الأم أكثر معاناة، والبيت أكثر بؤسًا، والبداية أكثر قسوة، زادت فرص الانتشار والتفاعل.
هكذا نشأت صناعة كاملة يمكن أن نطلق عليها “اقتصاد الدموع”؛ حيث يتحول الألم الإنساني إلى منتج إعلامي، وتصبح المأساة أكثر ربحًا من الإنجاز مثل حالة نجمنا العالمي مصطفى زيكو.
المشكلة ليست في رواية قصص الكفاح، فهي جزء أصيل من تكوين أي مجتمع، ولا في أن يتذكر الإنسان بداياته الصعبة، فذلك يمنح الأمل لغيره.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الماضي هو السلعة الوحيدة القابلة للبيع، وعندما يتحول النجاح إلى مجرد استراحة قصيرة قبل العودة إلى استدعاء الجرح من جديد!
كان مصطفى زيكو يملك كل المقومات ليصبح حديث الناس بسبب موهبته فقد تألق في كأس العالم، ولفت الأنظار بأدائه، وقدم نموذجًا للاعب المصري الذي يستطيع أن ينافس على أعلى مستوى إذا كان من الطبيعي أن تدور الحوارات حول رحلته الفنية، ومدربيه، وتطوره، وكيف صقل موهبته حتى وصل إلى هذه المكانة.
لكن ما تصدر مشهد زيكو لم يكن الأهداف أو التمريرات، ولا الأداء، ولا المستقبل، بل جملة واحدة: “مديونين وما كنتش لاقي آكل. ليصبح الإنجاز فجأة في الهامش، بينما احتلت المعاناة العنوان الرئيسي!.
ليس الهدف هنا نفي معاناة أحد أو التقليل من أي ظروف صعبة مر بها إنسان؛ فالفقر ليس عيبًا، والكفاح شرفٌ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبح الألم هو البوابة الإلزامية لكل قصة نجاح؟ ولماذا لا يكتمل البطل في أعين البعض إلا إذا سبق نجاحه مشهد طويل من البؤس؟.
بل إن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تظهر تفاصيل أخرى من حياة صاحب القصة؛ من نشأته في أسرة كان والده يعمل بالتجارة، وامتلاك الأسرة منزلًا، والتحاقه في سن مبكرة بنادي شبين الكوم، وهي كلها تفاصيل تشير إلى أن الحكاية، مثل معظم حكايات البشر، أكثر تركيبًا من اختزالها في عنوان واحد؛ فالحياة ليست أبيض أو أسود، ولا تُختصر في جملة واحدة تُنتزع من سياقها، كما أن قصته مقارنة بالسواد الأعظم من المصريين ليست فقرًا بالميزان المصري.
الأخطر أن هذا النوع من السرد لا يضر الحقيقة فقط، بل يضر صاحبه أيضًا؛ فبعد أيام قليلة، لم يعد الناس يتداولون لقطات زيكو في كأس العالم، بل بدأوا يتداولون الجملة نفسها في عشرات الكوميكس الساخرة، حتى أُلصقت بلاعبين عالميين مثل كيليان مبابي وهاري كين، في مشاهد ساخرة تسخر من فكرة أن كل قصة نجاح لا بد أن تبدأ بعبارة: “أنا ما كنتش لاقي آكل".
وهنا تتحول المأساة إلى نكتة، خصوصًا أن البعض حاول تقليده حين رأى القصة "واكلة" مع الجمهور فسمعنا مروان عطية لاحقًا وإمام عاشور بل سعفان الصغير مدرب الحراس نفسه، ليختفي الإنجاز تقريبًا مقابل قصص مبتذلة ومعاناة لاقاها معظمنا في حياته!.
وأقسى ما يمكن أن يحدث للفقير، ليس أن يتذكر فقره، بل أن يتحول فقره إلى “إفيه” على مواقع التواصل.
زيكو اليوم لم يعد ذلك الطفل الذي يبحث عن فرصة، لكنه أصبح لاعبًا دوليًا، ونجمًا مطلوبًا في البرامج، ويتقاضى مقابل ظهوره الإعلامي أرقامًا تصل إلى ستة أصفار، وهذا حقه الكامل، بل هو ثمرة نجاحه وتعبه.
لكن السؤال ليس كم يتقاضى زيكو، وإنما لماذا يظل مطلوبًا منه أن يبيع للجمهور صورة الطفل المحروم، بينما يملك اليوم قصة نجاح أكثر إلهامًا، وأكثر قدرة على صناعة الأمل؟.
وهل يختلف زيكو عن ملايين المصريين الذين عرفوا ضِيق الحال في مرحلة من حياتهم؟ على الأرجح لا.
فالسواد الأعظم من المصريين يحملون في ذاكرتهم قصة عن الكفاح أو الحرمان أو بداية صعبة، لكنهم لا يجعلون منها هويتهم الوحيدة. الإنسان يكبر، وتتغير حياته، وتبقى التجربة جزءًا من تاريخه، لا عنوانًا دائمًا لحاضره، لكن “اقتصاد الدموع” لا يحب النهايات السعيدة، فحين يعتاد الجمهور استهلاك الألم، يصبح من الصعب إغلاق الستار.
ولذلك، لم تتوقف الحكاية عند الفقر، بل امتدت إلى الخلافات الأسرية، وبدلًا من أن تبقى الأم رمزًا للتضحية التي انتهت فرحتها بنجاح ابنها، أصبحت الساحة مشغولة بتصريحات متبادلة، ومقارنات، وجدل حول الزوجة والأم، حتى طغت هذه التفاصيل على الإنجاز الرياضي نفسه.
ولم يعد الناس يتحدثون عن زيكو لاعبًا، بقدر ما يتحدثون عن زيكو ابنًا، وزوجًا، وطرفًا في قصة عائلية يتابعها الجميع.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فعندما يتحول الإنسان إلى قصة تُباع للجمهور، لا يعود مطلوبًا منه أن ينجح فقط، بل أن يظل مثيرًا للاهتمام، حتى لو كان الثمن أن تصبح حياته الخاصة مادة يومية للاستهلاك.
ربما لو احتفلنا بزيكو لأنه لاعب موهوب، لكان اليوم نموذجًا يُلهم آلاف الأطفال الذين يحلمون بكرة القدم، لكننا، من حيث لا نشعر، اختزلناه في قصة جوع، ثم في قصة خلافات عائلية، حتى أصبح الإنجاز نفسه مجرد خلفية لمشاهد أكثر إثارة، دون أن يدرك أحد أن المأساة تصنع الترند ليوم واحد… أما النجاح فيصنع المستقبل.
ليس المطلوب أن يخجل أحدٌ من ماضيه، ولا أن ينكر معاناته، لكن لا يجوز أيضًا أن يتحول الماضي إلى هوية دائمة، ولا أن يصبح الألم رأس مال يُستثمر كلما خفت بريق النجاح.
فالأمم التي تصنع المستقبل تحتفي بمن وصل إلى القمة، وتتعلم من أسباب نجاحه، أما المجتمعات التي تُدمن “تجارة الدموع”، فإنها تظل تطلب من أبطالها أن يبكوا… حتى بعد أن ينتصروا.
الأكثر قراءة
-
"غسلت شرفك يا عادل".. سيدة تنهي حياة عشيقها وتذهب برأسه لمنزل طليقها بالمطرية
-
"بين شيطانة تخلت عنها وملاك احتضنها".. حكاية حبيبة التي هزت الخصوص (خاص)
-
فضيحة بسبب الطائرة القطرية.. ترامب مخترق أمنيا داخل البيت الأبيض
-
ممنوع السفر.. الخارجية الأمريكية تصدر قرارًا مفاجئًا يخص 15 دولة بالشرق الأوسط
-
مرتب يوليو 2026.. كم يدخل حساب الموظف بعد الزيادة الجديدة؟
-
“عين شريرة في مباريات الأرجنتين”.. قصة ميسي مع السوار اليهودي
-
جهز ورقك واعرف الشروط.. الإسكان تستعد لطرح شقق جديدة
-
"عطش فوق ضفاف النهر".. هل اقتربت مصر من السيناريو الأسوأ لجفاف النيل؟ (خاص)
مقالات ذات صلة
محمد فودة يكتب: فرحنا وهللنا وقضينا ليلة جميلة.. ياللا نتكلم في المفيد
16 يونيو 2026 08:30 م
حرب المسيّرات.. والكرامة المستردة
29 مارس 2026 03:59 م
رسالة من مصري في الخارج إلى من يكرهونه
01 فبراير 2026 01:20 م
الشخصية الـ"ميدو" كلاكيت تاني مرة
19 يناير 2026 06:46 م
أكثر الكلمات انتشاراً