الثلاثاء، 21 يوليو 2026

05:44 م

أجور أعضاء هيئة التدريس.. قضية وطن لا مطلب فئة

ليس من المنطقي أن نتحدث عن تطوير الجامعات، بينما نتجاهل من يصنع الجامعة نفسها. وليس من المقبول أن تنشغل الدولة بتعديل قانون تنظيم الجامعات، أو إعادة هيكلة المجالس والاختصاصات، أو استحداث مسميات إدارية جديدة، بينما يظل السؤال الأكثر إلحاحًا بلا إجابة: كيف نطالب الأستاذ الجامعي ببناء المستقبل، في الوقت الذي لا تزال فيه منظومة الأجور عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يليق برسالته؟.

إن أي نقاش حول إصلاح التعليم الجامعي يبدأ من غير هذه النقطة هو نقاش يدور حول الفروع ويترك الجذور، فجوهر الجامعة ليس المباني، ولا اللوائح، ولا الأنظمة الإلكترونية، وإنما الإنسان الذي يقف في قاعة الدرس، ويقود المعمل، ويكتب البحث، ويشرف على الرسائل العلمية، ويصنع أجيالًا كاملة من الأطباء والمهندسين والقضاة والاقتصاديين والعلماء.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الأستاذ الجامعي لم يعد يطالب بزيادة في الراتب، وإنما يطالب بإصلاح فلسفة كاملة أصبحت لا تتناسب مع طبيعة الدولة التي تسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

فكيف يمكن لدولة تستثمر مئات المليارات في الجامعات الذكية، والمدن الجامعية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، أن تترك أهم عنصر في هذه المنظومة يواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة؟ وكيف يمكن الحديث عن المنافسة الدولية، بينما يعيش كثير من أعضاء هيئة التدريس حالة من الانشغال الدائم بتأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية؟

إن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن ضعف أجور أعضاء هيئة التدريس لم يعد قضية مهنية، بل أصبح قضية تنموية واستراتيجية تمس الأمن القومي المعرفي للدولة. فالدول لا تخسر عندما يهاجر رأس المال المالي فحسب، وإنما تخسر أكثر عندما تهاجر العقول، أو عندما تبقى داخل الوطن لكنها تُستنزف في أعمال إضافية لا علاقة لها بالبحث العلمي ولا بالتطوير الأكاديمي.

اليوم، لا يقتصر دور الأستاذ الجامعي على إلقاء محاضرات داخل قاعات الدراسة كما كان الحال قبل عقود. بل أصبح مطالبًا بالنشر في مجلات دولية مرموقة، والحصول على منح بحثية تنافسية، والإشراف على الرسائل العلمية، وتطوير البرامج الدراسية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمشاركة في الاعتماد والجودة، وخدمة المجتمع، وربط الجامعة بالصناعة، والمشاركة في المشروعات القومية، والمنافسة في التصنيفات العالمية، فضلًا عن تأهيل خريجين قادرين على المنافسة في سوق عمل عالمي شديد التعقيد.

هذه ليست مهامًا إضافية، بل أصبحت جوهر وظيفة الأستاذ الجامعي في القرن الحادي والعشرين. لكن السؤال المشروع هو: هل تطورت منظومة الأجور بنفس السرعة التي تطورت بها هذه المسؤوليات؟ الإجابة يعرفها الجميع.

لقد تضاعفت التوقعات من الأستاذ الجامعي مرات عديدة، بينما بقيت فلسفة الأجر في مكانها، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن الاقتصاد لم يتغير، وكأن التضخم لم يلتهم الدخول، وكأن الجامعات المصرية لا تنافس اليوم مؤسسات تعليمية من مختلف أنحاء العالم.

ولا ينبغي أن نفاجأ بعد ذلك عندما تتزايد هجرة الكفاءات إلى الجامعات الأجنبية، أو عندما تتراجع القدرة على استقطاب أفضل الباحثين، أو عندما يضطر الأكاديمي إلى توزيع وقته بين عدة أعمال حتى يستطيع الوفاء بالتزاماته الأسرية. فهذه ليست أزمة أفراد، بل نتيجة طبيعية لاختلال هيكلي في منظومة الحوافز، والأخطر من ذلك أن الدولة هي أول من يدفع ثمن هذا الاختلال، فكل ساعة يبتعد فيها الأستاذ عن البحث العلمي بحثًا عن دخل إضافي، هي خسارة للجامعة، وكل مشروع بحثي لا يرى النور بسبب ضيق الوقت، هو خسارة للاقتصاد الوطني، وكل عقل متميز يغادر إلى الخارج، هو استثمار مصري تجني ثماره دولة أخرى.

ومن هنا، فإن التعامل مع تحسين أجور أعضاء هيئة التدريس باعتباره عبئًا على الموازنة العامة يمثل رؤية قصيرة الأجل، فالأستاذ الجامعي ليس بندًا للاستهلاك، بل هو أصل إنتاجي يخلق قيمة مضافة باستمرار، وكل جنيه يُستثمر فيه يعود أضعافًا في صورة أبحاث، وابتكارات، وبراءات اختراع، وشركات ناششئة، واستشارات، وخريجين أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر إنتاجية.

لقد أنفقت الدولة خلال السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة لإنشاء جامعات جديدة، وتطوير المعامل، وتحديث البنية التحتية، وهو توجه يستحق الإشادة. لكن هذه الاستثمارات لن تحقق كامل عائدها إذا ظل العنصر البشري خارج أولويات الإصلاح.

فالجامعة لا تدخل التصنيفات العالمية بجمال مبانيها، ولا بعدد شاشاتها الإلكترونية، وإنما بعدد أبحاثها، وتأثير علمائها، وجودة خريجيها، وقدرتها على إنتاج المعرفة. 

وكل ذلك يبدأ وينتهي عند الأستاذ الجامعي، لذلك، فإن أي تعديل لقانون تنظيم الجامعات لا يجعل إصلاح منظومة الأجور في صدارة أولوياته، سيكون تعديلًا إداريًا أكثر منه إصلاحًا حقيقيًا، فالقوانين لا تنهض بالتعليم إذا كان من ينفذها لا يجد البيئة الاقتصادية التي تمكنه من التفرغ للإبداع والبحث والابتكار.

والمطلوب ليس زيادة مؤقتة سرعان ما تلتهمها معدلات التضخم، بل إعادة بناء منظومة الأجور على أسس حديثة، تربط الدخل بالإنتاج العلمي، وجودة التدريس، والتميز البحثي، وبراءات الاختراع، والابتكار، والمشروعات الدولية، وخدمة المجتمع، مع مراجعة دورية تضمن الحفاظ على القوة الشرائية للدخل، وتمنح الجامعات مرونة أكبر في استثمار مواردها وتوجيه جزء من عوائدها إلى من صنع هذه الموارد.

إن الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار لم تصل إلى ذلك لأنها تمتلك أفضل المباني، بل لأنها تمتلك أفضل العلماء، وتحافظ عليهم، وتوفر لهم حياة كريمة تضمن تفرغهم الكامل للإبداع. 

أما الدول التي تبخل على عقولها، فإنها تدفع لاحقًا أضعاف ما وفرته في صورة تراجع علمي، وضعف تنافسي، واستيراد دائم للتكنولوجيا والمعرفة.

ولهذا فإن القضية ليست قضية رواتب، وإنما قضية رؤية للدولة. فإما أن ننظر إلى الأستاذ الجامعي باعتباره موظفًا يتقاضى أجرًا، أو ننظر إليه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا يصنع مستقبل الوطن.

إن الجمهورية الجديدة التي تراهن على الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والابتكار، لا يمكن أن تبني هذه الرؤية بعقول منهكة اقتصاديًا. 

ولا يمكن أن تحقق أهدافها في التصنيفات الدولية، أو في توطين التكنولوجيا، أو في بناء اقتصاد المعرفة، إذا ظل الأستاذ الجامعي آخر من يجني ثمار هذا التطوير.

وقبل أن نعدل مادة واحدة في قانون تنظيم الجامعات، علينا أن نجيب عن سؤال واحد: هل نريد جامعة تدير الواقع، أم جامعة تصنع المستقبل؟

فإن كنا نريد جامعة تصنع المستقبل، فإن البداية ليست من نصوص القانون، وإنما من الإنسان الذي سيطبق هذا القانون.

الأستاذ الجامعي ليس عبئا على الموازنة، بل هو أعظم استثمار تمتلكه الدولة، وإصلاح أوضاعه ليس منحة، ولا امتيازًا، بل استحقاق وطني، وضرورة تنموية، وركيزة أساسية لبناء اقتصاد المعرفة الذي تتطلع إليه مصر. 

ومن دون هذا الإصلاح، ستظل كل تعديلات قانون تنظيم الجامعات تدور حول الهامش، بينما تبقى المشكلة الحقيقية في القلب.

search