الجمعة، 03 يوليو 2026

02:18 م

رسالة إلى رئيس جامعة بنها: لماذا تُهدر الفرص ويحرم المرضى؟

في بعض الأحيان لا تكون المشكلة في نقص الإمكانات، ولا في غياب التمويل، ولا حتى في ندرة الكفاءات، بل في غياب الإرادة الإدارية القادرة على تحويل الفرص إلى واقع يستفيد منه المواطن، وما حدث مع جهاز العلاج بالصدمات الكهربائية بكلية الطب بجامعة بنها يطرح تساؤلات مشروعة حول مسؤولية الإدارة الجامعية عن تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة لخدمة المرضى.

منذ ما يقرب من عامين تواصلت شخصيا مع السيد الأستاذ الدكتور ناصر الجيزاوي رئيس جامعة بنها بشأن مبادرة تستحق التقدير للصديق العزيز الطبيب إبراهيم مجدي حسين، استشاري الطب النفسي والباحث بدرجة الدكتوراة بكلية الطب جامعة بنها، والذي بذل جهدًا تطوعيًا خالصًا من أجل توفير جهاز متخصص للعلاج بالصدمات الكهربائية لصالح المرضى، لم يكن الرجل يبحث عن مكسب شخصي أو منفعة خاصة، بل تحرك بدافع إنساني وعلمي لخدمة المرضى وتطوير الخدمة الطبية داخل الجامعة.

تحمّل الدكتور إبراهيم مجدي عناء الانتقال المتكرر بين القاهرة وبنها، لكي يستوفي الإجراءات المطلوبة، وسعى للحصول على الخطابات الرسمية اللازمة من إدارة الجامعة لإحدى المؤسسات المصرفية الكبرى من أجل المساهمة المجتمعية في شراء الجهاز، وبعد جهود مضنية، وافق البنك بالفعل على تمويل الجهاز، وتم تسليمه إلى جامعة بنها وكلية الطب، في خطوة كان من المفترض أن تمثل قصة نجاح حقيقية للتعاون بين المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية.

لكن المفاجأة الصادمة أن الجهاز، وبعد وصوله إلى الجامعة، لم يدخل الخدمة حتى الآن، مرّ ما يقرب من عام كامل على استلامه، بينما لا يزال حبيس المخازن أو الأركان المغلقة، في انتظار مكان داخل المستشفى يسمح بتشغيله والاستفادة منه، جهاز بلغت تكلفته مبالغ مالية كبيرة، وتطلب توفيره جهودًا استثنائية، ويخدم شريحة من المرضى النفسيين الذين يحتاجون إلى هذا النوع من العلاج، ومع ذلك ظل معطلًا بلا استخدام.

هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: من المسؤول عن هذا التعطيل؟ ومن يحاسب على إهدار فرصة علاج المرضى؟ ومن يبرر بقاء جهاز طبي متخصص خارج الخدمة رغم توافره فعليا؟

إن القضية لا تتعلق بمعدة جامدة أو جهاز إلكتروني تم شراؤه ووضعه جانبا، بل تتعلق بمرضى ربما كانوا في أمس الحاجة إلى هذا العلاج خلال الأشهر الماضية، وتتعلق أيضًا بجهود طبيب تطوع وسعى وتحرك، وبمؤسسة مصرفية استجابت وقدمت مساهمة مجتمعية، وبمال تم إنفاقه لتحقيق منفعة عامة لم تتحقق حتى الآن.

ولأن المسؤولية الإدارية تبدأ من القمة، فإن اللوم يتجه بطبيعة الحال إلى كل مسؤول داخل الجامعة، وليس المقصود هنا توجيه اتهامات أو إصدار أحكام مسبقة، ولكن من حق الرأي العام أن يعرف: كيف تم استلام الجهاز قبل توفير البيئة المناسبة لتشغيله؟ ولماذا لم يتم الانتهاء من الترتيبات اللازمة طوال هذه المدة؟ وهل تمت متابعة الأمر بصورة دورية؟ وهل رفعت تقارير توضح أسباب التأخير؟ وما هو الموعد الفعلي لتشغيل الجهاز؟

قد يكون لدى إدارة الجامعة مبررات أو ظروف لم تعلن للرأي العام، وقد تكون هناك اعتبارات فنية أو إنشائية أو إدارية، لكن ما يصعب فهمه هو أن تستمر هذه المبررات عاما كاملًا، بينما يظل الجهاز خارج الخدمة، فالنجاح لا يقاس بعدد الأجهزة التي يتم استلامها، وإنما بعدد المرضى الذين استفادوا منها فعليا.

ومن هنا أتساءل: هل يعلم السيد الأستاذ الدكتور وزير التعليم العالي والبحث العلمي بهذه الواقعة؟ وهل وصلت إليه تفاصيل جهاز تم توفيره من خلال مساهمة مجتمعية وجهود تطوعية ثم ظل معطلًا كل هذه المدة؟ وهل هناك متابعة حقيقية لقياس كفاءة استغلال الأجهزة والتجهيزات الطبية التي تحصل عليها الجامعات الحكومية؟

إن الجامعات المصرية تضم كوادر علمية وطبية متميزة، وتستحق كل الدعم، لكن الدعم الحقيقي لا يكتمل إلا بحسن الإدارة وسرعة اتخاذ القرار وتحويل الإمكانات إلى خدمات ملموسة للمواطنين، أما أن يبقى جهاز طبي متخصص خارج الخدمة عاما كاملًا بسبب عدم توفير مكان له، فهذه مسألة تستحق التوقف والمراجعة والمحاسبة.

العتاب هنا ليس خصومة، والنقد ليس استهدافا، وإنما هو دفاع عن حق المرضى، واحترام لجهود طبيب اجتهد، وتقدير لمؤسسة ساهمت، وحرص على المال العام والموارد المجتمعية، فهل تتحرك الجهات المعنية لإنهاء هذا الملف؟ وهل نرى الجهاز يعمل أخيرًا بدلًا من أن يبقى شاهدًا على فرصة ضائعة كان يمكن أن تنقذ معاناة كثيرين؟

هذا سؤال برسم الإجابة من جامعة بنها ووزارة التعليم العالي، قبل أن يتحول الصمت إلى إقرار بأن المشكلة ليست في توفير الإمكانات، وإنما في القدرة على استثمارها..

search