مجموعي في الثانوية العامة كان 66.5%
تخيل معي هذا المشهد.. طالب يجلس أمام شاشة هاتفه، يضغط زر تحديث النتيجة للمرة العاشرة، وبعد لحظة صمت طويلة، يخطر بباله سؤال واحد: "يعني خلاص.. حلمي انتهى؟".
هذا المشهد يتكرر كل عام في مئات الآلاف من البيوت المصرية، بين فرحة هنا ودموع هناك، وأحلام تتبخر وأخرى تولد من حيث لا يدري أصحابها.
لكن دعني أحكي لك قصة قصيرة، ليست عن بطل خارق ولا عن مليونير بدأ من الصفر، بل عن كاتب هذه السطور نفسها.
في عام 1998 حصلت في الثانوية العامة على 66.5% فقط..
نعم، ستة وستون ونصف بالمائة بالتمام والكمال، لم ألتحق بالكلية التي كنت أحلم بها، ولا بأي كلية من تلك التي كان الناس حولي يسمونها "كليات القمة"، ويومها شعرت بالضبط بما تشعر به أنت الآن.
أما اليوم، فأكتب إليك بعد سنوات طويلة في الصحافة، انتهت بي إلى منصبي الحالي "مدير تحرير"، ولأنني أدركت حقيقة لم يخبرني بها أحد وأنا في السابعة عشرة، وهي أن نتيجة الثانوية العامة قد تحدد الكلية، لكنها لا تحدد الإنسان.
اسمح لنفسك أن تحزن لكن لا تدع الحزن يسكنك
لا تستمع لمن يقول لك "شد حيلك وما تزعلش"، الحزن هنا ليس عيبا، بل رد فعل طبيعي جدا حين يفقد الإنسان شيئا كان يحلم به، فابكِ إن أردت، اغضب، اصمت قليلا، شاهد فيلمك المفضل، أو اخرج في نزهة قصيرة، ثم عد.
فحتى المتخصصين في علم النفس يتفقون على أن الاعتراف بالمشاعر هو الخطوة الأولى نحو التعافي، وليس دفنها تحت جملة جاهزة مثل "أنا كويس".
واسأل نفسك سؤالا واحدا: “لو أن صديقك المقرب هو من حصل على مجموعك بالضبط، هل كنت ستخبره أن مستقبله انتهى؟”
بالطبع لا.
فلماذا إذن تعامل نفسك بهذه القسوة؟
ربما كنت تحلم بشيء لا تعرفه أصلا
نردد كثيرا عبارة "كلية الأحلام"، لكن هل سألت نفسك يوما لماذا سميت حلما؟ لأنها غالبا أقرب إلى خيالك منها إلى الواقع.
يرى عالم النفس الأمريكي آدم جرانت أن أغلب الطلاب يرسمون في أذهانهم صورة مثالية عن الكلية التي يريدونها، دون أن يعرفوا فعلا كيف ستكون حياتهم بداخلها.
قد تدخلها فتكتشف بعد عام أنها لا تناسبك، وقد تدخل كلية لم تكن ضمن خططك أصلا فتجد فيها شغف عمرك، فالحياة لا تسير دائما وفق الخطة التي نرسمها على الورق، وأحيانا تكون أكثر كرما مما نتخيل.
ابتعد قليلا عن أصوات من حولك واستمع إلى صوتك أنت
"ابن خالك دخل كلية طب".. "بنت عمك دخلت هندسة".. "مجموعك كبير ولازم تدخل كلية محترمة تليق بيه".
كم حلما دفنته هذه الجمل على مر السنين؟ الثانوية العامة ليست فقط امتحانا في الفيزياء والكيمياء، إنها أيضا امتحان في مقاومة ضغط من حولك
والآن انتهى الامتحان الحقيقي، ولم يعد مطلوبا منك أن ترضي أحدا.
اجلس مع نفسك، ابحث عن مطلبات سوق العمل بعد سنوات دراستك الجامعية المرتقبة، اقرأ عن الكليات المتاحة، تعرف على طبيعة الدراسة فيها، اسأل من تخرج فيها بالفعل، وابحث عن المكان الذي يناسب شخصيتك أنت، لا المكان الذي يرضي من حولك.
قصة شخص بدأ بـ66.5% وانتهى به المطاف هنا
أعود إلى قصتي مرة أخرى، فلو أخبرني أحد عام 1998 أنني سأصبح يوما مدير تحرير، ربما ابتسمت في سخرية، ليس لأن الحلم بدا مستحيلا، بل لأنني كنت وقتها، مثل كثيرين، أعتقد أن الطريق إلى النجاح لا يمر إلا من بوابة واحدة.
اكتشفت بعد سنوات أن النجاح لا يعرف تنسيق الجامعات، هو فقط يعرف الاجتهاد، والتعلم المستمر، والصبر، ويعرف بالأخص الإنسان الذي يسقط ثم ينهض من جديد.
الناجحون نادرا ما ساروا في خط مستقيم
رفضت دور نشر كثيرة روايات ج. ك. رولينج مرارا قبل أن تغير "هاري بوتر" صناعة النشر بالكامل.
أخرج مجلس إدارة شركة آبل ستيف جوبز من الشركة التي أسسها بنفسه، قبل أن يعود إليها ويقودها لاحقا إلى مرحلة غير مسبوقة من النجاح.
كثير من الإعلاميين والكتاب ورجال الأعمال والعلماء لم يلتحقوا بالكليات التي حلموا بها في البداية، لكنهم دخلوا التاريخ من أبواب أخرى، لأنهم ببساطة لم يجعلوا من "الرفض" عنوانا دائما لحياتهم.
صاحب العمل لن يسألك بعد عشر سنوات عن مجموعك
بعد سنوات قليلة ستكتشف أن السؤال الذي يشغلك اليوم لن يشغل أحدا غيرك.
مديرك في العمل لن يسألك يوما "جبت في الثانوية العامة؟"، وربما لن يسألك حتى عن اسم الكلية التي تخرجت فيها، ما سيهمه فعلا هو ماذا تعرف؟ وماذا تستطيع أن تفعله؟ وكم مرة طورت من نفسك؟ وما القيمة التي ستضيفها لفريقه؟
في عام 2010، أشار استطلاع نشرته مجلة “نيوزويك” إلى أن أصحاب العمل يضعون الخبرة والمهارات والثقة بالنفس والتدريب العملي في مقدمة معايير التوظيف، قبل اسم الجامعة نفسه.
فابدأ من الآن في بناء نفسك، لا في البكاء على اسم كلية لم تلتحق بها.
رسالة أخيرة
ربما لا تصدقني اليوم، لكن سيأتي يوم تنظر فيه إلى نتيجتك في الثانوية العامة وتبتسم، ليس لأنها كانت مرتفعة، بل لأنها قادتك إلى طريق ما كنت لتسلكه لو حصلت على المجموع الذي كنت تتمناه بالضبط.
صدقني، لو عاد بي الزمن إلى ذلك الطالب الذي حصل على 66.5% عام 1998، لوضعت يدي على كتفه وقلت له: "اهدأ.. بعد سنوات ستكتشف أن الله لم يغلق بابا في وجهك، بل كان يفتح لك بابا آخر لم تكن تراه بعد".
عزيزي طالب الثانوية العامة، قد تختار درجاتك الكلية التي ستلتحق بها، لكنك أنت وحدك من سيختار الإنسان الذي ستصبحه.
الأكثر قراءة
-
بعد زيادة الكهرباء 2026.. مفاجأة في سعر الشريحة الموحدة للعدادات الكودية
-
أسعار شرائح الكهرباء الجديدة 2026.. زيادة 12% وتثبيت هذه الفئة
-
بعد قرار صندوق النقد.. سعر الدولار في مصر اليوم السبت 1 أغسطس 2026
-
بعد زيادة الشرائح.. الكهرباء تكشف موعد تطبيقها على العدادات الكودية (خاص)
-
الأهلي يوجه ضربة قوية لـ بيراميدز ويخطف 5 من لاعبيه مجانًا
-
بالتعاون مع "جوجل".. القبض على موظف بعد رصد حساب يتضمن تعديه على صغار (خاص)
-
بعد زيادة أسعار الكهرباء.. كيف تبقى ثابتًا على الشريحة الأولى؟
-
من أجل "الصدر الحنين".. كوافيرة تتخلص من زوجها بمساعدة عشيقها عامل النظافة بالفيوم
مقالات ذات صلة
سامحوا تصِحّوا
21 أكتوبر 2025 02:28 م
اعتذروا يرحمكم الله
02 سبتمبر 2025 01:27 م
فيديو هدير عبد الرازق ولعنة الترافيك
19 أغسطس 2025 12:48 م
ما تيجي نفشل
12 أغسطس 2025 03:59 م
أكثر الكلمات انتشاراً