الأربعاء، 05 أغسطس 2026

11:42 م

هل تحتاج الحكومة إلى مراجعة فلسفة الإدارة؟

في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، لم يعد المواطن يتساءل فقط عن أسباب القرارات الحكومية، بل أصبح يتساءل أيضًا عن توقيتها، وعن الأولويات التي تُبنى عليها. فليست المشكلة دائمًا في القرار ذاته، وإنما في مدى توافقه مع الواقع الذي يعيشه المواطن، وقدرته على تحمله.

إن إدارة الدولة مسؤولية معقدة، ولا أحد ينكر حجم التحديات الاقتصادية والإقليمية التي تواجه مصر، لكن النجاح الحقيقي لأي حكومة لا يُقاس فقط بالمؤشرات المالية، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية المواطنين من الضغوط المعيشية المتزايدة.

وعندما تأتي قرارات تمس الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، في وقت يواجه فيه المواطن ارتفاعًا في أسعار السلع والخدمات وتزايدًا في تكلفة المعيشة، فمن الطبيعي أن تتزايد التساؤلات حول توقيت هذه القرارات ومدى انعكاسها على الحياة اليومية. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل عنصر يدخل في تكلفة الإنتاج والصناعة والتجارة والنقل، وبالتالي يمتد أثرها إلى معظم جوانب الحياة.

الحكومة ليست مجلس إدارة لشركة هدفها تحقيق الأرباح، وإنما هي مؤسسة وُجدت لخدمة المواطنين، وتحسين جودة حياتهم، وتوفير بيئة مستقرة تساعدهم على العمل والإنتاج. ومن ثم، فإن نجاحها الحقيقي يقاس بمدى قدرتها على تحقيق التنمية مع الحفاظ على البعد الاجتماعي، وليس بالاعتماد على الأرقام وحدها.

لقد أثبت المواطن المصري، عبر سنوات طويلة، أنه قادر على تحمل الصعاب عندما يدرك أن هناك رؤية واضحة وعدالة في توزيع الأعباء. لكنه في المقابل ينتظر أن يشعر بأن معاناته محل تقدير، وأن القرارات التي تمس حياته اليومية تصدر بعد دراسة دقيقة، وفي توقيت يراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

إن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة مستمرة لأولويات الإدارة، وتعزيز الحوار مع المواطنين والخبراء، وتقييم الأثر الاجتماعي لأي قرار قبل تطبيقه. فالإدارة الرشيدة لا تكتفي بحساب الإيرادات والمصروفات، بل تنظر أيضًا إلى أثر القرار على الاستقرار المجتمعي، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

كما أن تجديد الأفكار داخل الجهاز التنفيذي، وإتاحة الفرصة لخبرات جديدة ورؤى مختلفة، قد يسهم في تطوير آليات العمل، وابتكار حلول تحقق أهداف الإصلاح الاقتصادي دون أن تزيد من الأعباء على المواطنين. فالتطوير لا يعني فقط تغيير السياسات، بل قد يبدأ أيضًا بتطوير أسلوب الإدارة وترتيب الأولويات.

مقترح

قد يكون من المناسب أن تتبنى الحكومة آلية مؤسسية لتقييم الأثر الاجتماعي قبل إصدار أي قرار اقتصادي يمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مع توسيع دائرة الحوار المجتمعي، وربط توقيت القرارات بمؤشرات الدخل ومستويات المعيشة، إلى جانب الاستمرار في ترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، بما يحقق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

وفي النهاية، فإن قوة الحكومات لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب. فالإصلاح الاقتصادي يحقق أهدافه عندما يشعر المواطن بأنه شريك في مسيرة التنمية، وأن الدولة تضع احتياجاته وكرامته في صميم أولوياتها. فالمواطن المصري لم يكن يومًا عبئًا على وطنه، بل كان دائمًا أكبر داعم له، وسيظل كذلك متى وجد سياسات تنطلق من فهم واقعه، وتحافظ على حقه في حياة كريمة وآمنة ومستقرة.

رابط مختصر

تابعونا على

search