العلاج على نفقة الدولة.. همسة عتاب إلى وزارة الصحة من مقدمي الخدمة ومتلقيها
على مدار سنوات عملي في تغطية الملف الصحي، تعلمت أن الحقيقة لا تكون دائمًا في البيانات الرسمية وحدها، ولا في شكاوى المواطنين وحدها، وإنما في المسافة بينهما.
لذلك، أكتب هذا المقال بعيدًا عن منطق الدفاع عن الحكومة أو الهجوم عليها، وإنما انطلاقًا من مسؤولية الصحفي الذي يستمع يوميًا إلى المرضى والأطباء، وينقل ما يراه على أرض الواقع.
أنين المرضى
بداية، أحب أن أوضح أن هناك من يرى أن مجرد الحديث عن أوجه القصور في منظومة العلاج على نفقة الدولة هو انتقاد للدولة، بينما أراه واجبًا مهنيًا، فالمنظومات الكبرى لا تتطور إلا بالاستماع إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين؛ المرضى الذين يتلقون الخدمة، والأطباء الذين يقدمونها.
وزارة الصحة والسكان والعلاج
السادة القائمين على وزارة الصحة والسكان، أكتب لكم همسة عتاب، فعشرات الرسائل تصلني يوميًا عبر "واتساب" و"فيسبوك"، إلى جانب اتصالات هاتفية لا تنقطع من مواطنين يبحثون عن إجابة، أو حل، أو حتى من يستمع إلى شكواهم. وخلال الأيام الماضية، شعرت أحيانًا أن هاتفي أصبح خطًا ساخنًا لتلقي شكاوى العلاج على نفقة الدولة.
اللافت أن أغلب الرسائل لم تكن تطالب بإلغاء المنظومة أو التشكيك فيها، بل كانت تطالب بتطويرها.
صدور قرار العلاج على نفقة الدولة
فلم تكن الشكاوى تدور هذه المرة حول تأخر صدور قرار العلاج على نفقة الدولة أو صعوبة استخراج الموافقات، وإنما تركزت في سؤال واحد تكرر كثيرًا: لماذا لا تشمل منظومة العلاج على نفقة الدولة بعض الأمراض والعمليات التي تمثل عبئًا كبيرًا على المرضى؟
إن العلاج على نفقة الدولة يعد أحد أهم برامج الحماية الاجتماعية والصحية من المنظومات التي ينبغي أن تتوسع فيها الدولة، لا أن تنكمش أو تتراجع خدماتها.
وتعكس الأرقام حجم هذا الدور؛ إذ صدرت ما يقرب من 4 ملايين قرار علاج على نفقة الدولة خلال العام الماضي في مختلف التخصصات، استفاد منها أكثر من 2.5 مليون مواطن، بتكلفة بلغت نحو 30 مليار جنيه، شملت جراحات القلب والأورام، والغسيل الكلوي، والأدوية مرتفعة التكلفة، والتدخلات الجراحية الدقيقة التي أنقذت حياة آلاف المرضى.
استبعاد بعض العمليات من مظلة العلاج على نفقة الدولة مثل جراحات البواسير والدوالي
من أبرز ما طرحه المرضى والأطباء، استمرار استبعاد بعض العمليات من مظلة العلاج على نفقة الدولة، مثل جراحات البواسير والدوالي، رغم أن تكلفتها تمثل عبئًا كبيرًا على آلاف الأسر، وقد تحول دون حصول بعض المرضى على العلاج في الوقت المناسب.
مرضى العمليات
كما أشار آخرون إلى مشكلة تتكرر داخل المستشفيات، تتمثل في محدودية قيمة القرارات الخاصة بحجز المرضى بعد العمليات الجراحية لتلقي المضادات الحيوية أو علاج العدوى.
ففي بعض الحالات يحتاج المريض إلى الإقامة عدة أسابيع وفقًا لتقييم الفريق الطبي، بينما تكون قيمة القرار أقل كثيرًا من التكلفة الفعلية، وهو ما يخلق فجوة مالية يتحملها المريض أو المستشفى.
أسعار الدواء والمستلزمات الطبية
ولا تتوقف الشكاوى عند هذا الحد، إذ يرى أطباء أن بعض القيم المالية للقرارات لم تعد تتناسب مع الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلًا عن وجود حالات تحتاج إلى تدخل جراحي جديد نتيجة مضاعفات عملية سابقة، لكنها لا تجد تغطية مناسبة داخل المنظومة.
ولا أتحدث هنا عن حالات فردية أو وقائع استثنائية، وإنما عن ملاحظات تتكرر في أحاديث الأطباء العاملين داخل المستشفيات، وفي الرسائل التي تصل من المرضى، وهو ما يستحق الدراسة والمراجعة، من قبل وزارة الصحة والسكان، حتي يشعر المواطن بسماع صوته.
ومن هنا تبرز عدة تساؤلات مشروعة أمام القائمين على وزارة الصحة: هل ما زالت قائمة الخدمات المشمولة بالعلاج على نفقة الدولة تعكس الاحتياجات الصحية الحالية؟ وهل تتناسب القيم المالية للقرارات مع أسعار عام 2026؟ وهل توجد آلية أكثر مرونة لدراسة الحالات الاستثنائية، خاصة تلك التي تحتاج إلى تدخل جديد بسبب مضاعفات لم يكن للمريض يد فيها؟
الحق في العلاج
فالسياسات الصحية الناجحة لا تُقاس بعدد المستفيدين فقط، وإنما بقدرتها على التطور ومواكبة المتغيرات، ان الحق في العلاج والرعاية الصحية حق أصيل لكل مواطن، وأي منظومة ناجحة يجب أن تخضع للمراجعة والتقييم المستمر، لأن نجاحها لا يعني أنها خالية من الأخطاء.
فما كان مناسبًا قبل عشر سنوات قد يحتاج اليوم إلى تحديث، سواء في قيمة القرارات أو في قائمة الأمراض والإجراءات التي تشملها المنظومة.
ورغم كل ما سبق، تظل المجالس الطبية المتخصصة ركيزة أساسية في منظومة العلاج على نفقة الدولة، إذ تقدم خدماتها للمواطنين غير المشمولين بالتأمين الصحي، من خلال مستشفيات، تشمل مستشفيات وزارة الصحة، والمستشفيات الجامعية، وبعض المستشفيات الخاصة، إلى جانب مستشفيات القوات المسلحة والشرطة.
فرصة للعلاج
في النهاية، لا يبحث المريض عن امتياز، وإنما عن فرصة عادلة للعلاج، ولا تسعى الدولة إلا إلى بناء منظومة تحقق العدالة الصحية وتحافظ في الوقت نفسه على مواردها.
وبين حق المريض وإمكانات الدولة، تبقى المراجعة المستمرة هي الطريق الأمثل، لأن نجاح أي منظومة لا يعني أنها بلغت الكمال، وإنما يعني أنها قادرة على الاستماع، والاستجابة، والتطوير.
اقرأ أيضا:
لتسهيل إجراءات العلاج على نفقة الدولة، المجالس الطبية المتخصصة تصدر دليلا موحدا
الأكثر قراءة
-
طلبات حج القرعة 2027.. تعرف على الأوراق المطلوبة للتسجيل
-
قبل ما تقع في مشكلة.. راجع خطوطك المسجلة في 4 خطوات
-
رسميًا.. السفارة الأمريكية بالقاهرة تفتح باب التقديم لوظيفة براتب 43 ألف جنيه شهريًا
-
والد ضحية حادث البحيرة: "ابني مات على إيد مستهتر"
-
العد التنازلي بدأ.. موعد مباراة الأهلي وبرشلونة والقنوات الناقلة
-
بعد بيان المالية.. موعد صرف مرتبات شهر أغسطس 2026 بالزيادة الجديدة
-
لبى نداء صديقه.. رحيل شاب في المنوفية غدرا بطلق خرطوش
-
نتيجة تنسيق الصف الأول الابتدائي الأزهري 2026.. رابط الاستعلام
مقالات ذات صلة
"لو لسه شاكك في مجموعك".. آخر موعد لتظلمات الثانوية العامة 2026
07 أغسطس 2026 12:39 م
الصحة تعلن حصول مركز أبحاث الكبد والقلب بكفر الشيخ على اعتماد GAHAR
07 أغسطس 2026 12:23 م
وزير الصحة يوقع مذكرة تفاهم مع نظيره التشادي لدعم المنظومة الطبية
07 أغسطس 2026 11:39 ص
"دكتور روبوت قادم".. مصر وتركيا نحو شراكة صحية في "التكنولوجيا الطبية"
07 أغسطس 2026 10:32 ص
أكثر الكلمات انتشاراً