الجمعة، 21 أغسطس 2026

03:57 م

نار متأججة منذ 57 عاما.. ماذا حدث في المسجد الأقصى عام 1969؟

حريق الأقصى 1969

حريق الأقصى 1969

في صباح 21 أغسطس 1969، اشتعلت النيران داخل المسجد الأقصى بالقدس المحتلة، لتلتهم أجزاء من أحد أبرز المعالم الإسلامية في المدينة، وتدمر منبر صلاح الدين التاريخي، قبل أن تتحول الحادثة خلال ساعات إلى قضية أثارت غضبًا عارماً في فلسطين والعالمين العربي والإسلامي.

وبعد 57 عامًا، لا تزال ذكرى الحريق حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، ليس  بسبب حجم الأضرار التي لحقت بالمسجد فقط، وإنما أيضًا لما حملته الحادثة من تداعيات سياسية ودينية امتدت إلى مجلس الأمن، وأصبحت لاحقًا جزءًا من تاريخ الصراع على القدس.

كيف بدأ حريق الأقصى؟

اندلع الحريق في نحو الساعة 7:20 صباحًا، واستمر أكثر من ثلاث ساعات، وفق وثائق للأمم المتحدة.

واشتعلت النيران على أجزاء واسعة من القسم الجنوبي للمسجد، وألحقت أضرارًا بالسقف والجدران والعناصر المعمارية، في حين تمكنت فرق الإطفاء من السيطرة عليها قبل أن تمتد إلى كامل المبنى.

وكان من بين  الخسائر منبر صلاح الدين، الذي يعود إلى القرن الثاني عشر، إلى جانب أجزاء من السقف والأعمدة والأقواس والنوافذ والزخارف والآيات القرآنية.

كما تضرر مسجد عمر ومحراب زكريا ومقام الأربعين، إضافة إلى أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة.

وبقيت القبة والهيكل الرئيسي للمسجد قائمين بعد إخماد النيران، بعدما هرعت فرق إطفاء من مناطق مختلفة في الضفة الغربية للمشاركة في عمليات الإنقاذ.

مشعل النيران.. دينس مايكل روهان

وبعد الحريق بيوم واحد، ألقت السلطات الإسرائيلية، القبض على الأسترالي دينس مايكل روهان، الذي كان موجودًا في القدس بتأشيرة زيارة.

وخلال محاكمته، أقر روهان، بإشعال النار، بينما دفع محاميه بأنه كان يعاني اضطرابًا عقليًا وقت ارتكاب الجريمة.

وفي ديسمبر 1969، قضت محكمة في القدس بعدم مسؤوليته جنائيًا بسبب حالته العقلية، وأمرت بإيداعه مؤسسة للأمراض النفسية.

وأظهرت وقائع المحاكمة أن روهان تبنى أفكارًا دينية متطرفة، وقال إنه أشعل النار بمهمة دينية تتعلق بإعادة بناء الهيكل المزعوم، في القدس.

وأثار الحكم غضبًا وانتقادات واسعة في العالم العربي والإسلامي، خصوصًا أن الحريق وقع بعد عامين فقط من احتلال القدس الشرقية عام 1967.

منبر صلاح الدين.. الخسارة الأكثر رمزية

لم يكن احتراق منبر صلاح الدين مجرد خسارة لقطعة أثرية، وإنما ارتبط المنبر بتاريخ المسجد الأقصى وبصلاح الدين الأيوبي واستعادة القدس.

ولهذا، أصبح تدمير المنبر، واحدًا من أكثر المشاهد الرسخة في الذاكرة  الفلسطينية والعربية .

وتشير المصادر الفلسطينية إلى أن عمليات ترميم المسجد وإعادة إعمار الأجزاء المتضررة استمرت لسنوات، وشارك فيها عدد من الشخصيات المقدسية، من بينها إبراهيم الدقاق.

نبأ الحريق.. يصل إلى الأمم المتحدة

لم تتوقف تداعيات الحريق عند القدس، وسرعان ما طرحت دول عربية وإسلامية إلى طرح القضية على الأمم المتحدة، مطالبة بالتحقيق في ملابسات الحادث وحماية الأماكن المقدسة في المدينة.

وفي سبتمبر 1969، ناقش مجلس الأمن، القضية، قبل أن يصدر القرار 271 في 15 سبتمبر.

وأعرب القرار، عن أسفه للأضرار التي لحقت بالمسجد الأقصى، معتبرًا أن الاعتداءات على الأماكن المقدسة والمواقع الدينية في القدس يمكن أن تهدد السلام والأمن الدوليين، كما أعاد التأكيد على قرارات سابقة تتعلق بوضع المدينة.

وهكذا تحول حريق استمر ساعات إلى قضية دولية ارتبطت مباشرة بوضع القدس بعد حرب 1967.

لم يكن الحريق نهاية القصة.. انتهاكات صارخة في القدس المحتلة 

في الذاكرة الفلسطينية، لم يُنظر إلى حريق الأقصى باعتباره حادثًا منفصلًا، بل أصبح واحدًا من الأحداث التي ارتبطت لاحقًا بسلسلة طويلة من التطورات والتجاوزات الصارخة بحق المسجدالأقصى والقدس.

ففي عام 1990، وقعت مذبحة الأقصى الأولى بعد محاولة جماعة "أمناء جبل الهيكل" وضع حجر أساس لما وصفته بأنه "الهيكل الثالث"، ما أدى إلى مواجهات داخل المسجد وسقوط 21 فلسطينيًا وإصابة نحو 150 واعتقال 270 شخصًا.

وبعد ست سنوات، اندلعت هبّة النفق عام 1996 عقب افتتاح النفق الغربي أسفل المسجد الأقصى، في مواجهات امتدت لعدة أيام وأسفرت، عن مقتل نحو 100 فلسطيني وإصابة أكثر من 1600.

ثم جاء اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون للمسجد الأقصى في سبتمبر 2000، والذي كان من أبرز الأحداث التي سبقت اندلاع الانتفاضة الثانية، المعروفة باسم انتفاضة الأقصى.

الذكرى الـ57 لحريق الأقصى

تأتي الذكرى الـ57 لحريق الأقصى في ظل استمرار التوتر حول المسجد والقدس، وتصاعد الانتهاكات والاقتحامات والإجراءات التي تستهدف تغيير الواقع القائم في المسجد.

وبحسب التقارير الفلسطينية، فإن النصف الأول من عام 2026، شهد زيادة في وتيرة الاقتحامات، مع تسجيل أكثر من 25 ألف مستوطن دخلوا المسجد، إضافة إلى نحو 25 ألف شخص دخلوا تحت مسمى السياحة.

كما أُغلق المسجد الأقصى بالكامل بين 28 فبراير و9 أبريل 2026، في أطول فترة إغلاق للمسجد منذ عام 1967، فضلًا عن تسجيل محاولات لإدخال ما يسمى "قرابين الفصح"، ورفع الأعلام الإسرائيلية داخل باحاته.

وتعتبر الجهات الفلسطينية، هذه التطورات جزءًا من محاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد، بينما تنفي إسرائيل عادةً أن تكون هذه الإجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القائم، وتؤكد أن ترتيبات الدخول والصلاة تخضع لإجراءات أمنية وتنظيمية.

57 عامًا.. حريق لم ينتهِ من الذاكرة

لم يعد 21 أغسطس، مجرد تاريخ في سجل القدس؛ فصورة النيران التي التهمت أجزاء من المسجد الأقصى، ومنبر صلاح الدين الذي اختفى داخلها، بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية.

ومنذ ذلك اليوم، ارتبط الحريق بكل نقاش تقريبًا حول حماية المسجد الأقصى ومستقبل القدس، ولا زالت تتوالى الانتهاكات الإسرائيلية التي جعلت المسجد واحدًا من أكثر بؤر الصراع حساسية في المنطقة.

اقرأ أيضا

نيران الماضي تكشف الحاضر.. حرائق القدس تفضح سياسة التشجير الاستعماري

search