الأربعاء، 26 أغسطس 2026

01:35 م

من "أنت عمري" إلى أغاني اليوم.. لماذا كسرت ألحان ثومة والعندليب حاجز الزمن؟

نجوم الزمن الجميل

نجوم الزمن الجميل

قد تتغير أذواق الجمهور، وتتبدل أشكال الموسيقى، وتظهر كل يوم أغانٍ جديدة تحقق ملايين المشاهدات والاستماعات، لكن هناك أغنيات قديمة مثل “إنت عمري” لأم كلثوم، و"جانا الهوى" لعبدالحليم حافظ، و"أيظن" لنجاة الصغيرة، ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور بعد عقود من طرحها، وتُعاد عبر المنصات الحديثة وتدخل في قوائم الاستماع والحفلات والأعمال الدرامية.

في مقابل، عدد كبير من الأغنيات الحديثة التي تحقق انتشارًا ضخمًا وقت صدورها، يتراجع حضورها سريعًا؛ فكيف استطاعت أغنيات تنتمي إلى عصر مختلف في الإيقاع والتكنولوجيا وذوق المستمع أن تتجاوز زمنها، وهنا يصبح السؤال الأهم: “ما الذي يجعل أغنية تعيش، بينما تختفي أخرى بانتهاء موسمها؟”.

الإذاعة صنعت علاقة مختلفة مع الأغنية

لفهم الفارق، يجب العودة إلى الفترة التي كانت فيها الإذاعة الوسيلة الأساسية للوصول إلى الجمهور.

مع انطلاق الإذاعة المصرية رسميًا عام 1934، أصبح الصوت وسيلة أساسية لصناعة النجومية. لم يكن المستمع يرى المطرب، ولذا كان عليه أن يتعرف إليه من خلال صوته وطريقة أدائه ونبرته وقدرته على التعبير.

هذا الوضع جعل الأغنية نفسها هي الوسيلة الأساسية لبناء علاقة بين الفنان والجمهور، قبل أن تصبح الصورة عنصرًا رئيسيًا في صناعة النجومية مع انتشار التلفزيون والسينما ثم الفيديو كليب.

وبالتالي، لم يكن نجاح المطرب مرتبطًا فقط بامتلاكه صوتًا قويًا، وإنما بقدرته على بناء شخصية صوتية يمكن تمييزها بسهولة.

لماذا لا تكفي ملايين المشاهدات؟

هنا تظهر إحدى أهم الفروق بين زمنين مختلفين، الأغنية الحديثة أصبحت قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات أو أيام، بفضل منصات مثل يوتيوب وتطبيقات الاستماع ومواقع التواصل الاجتماعي، كما أصبح نجاحها قابلًا للقياس بصورة فورية من خلال المشاهدات والاستماعات والتفاعل.

لكن هذه الأرقام تقيس “الانتشار” أكثر مما تقيس بالضرورة “الاستمرارية”؛ فالأغنية قد تصبح ترندًا بسبب مقطع قصير أو رقصة أو جملة لافتة، ثم يتراجع الاهتمام بها بعد انتهاء الموجة التي صنعت انتشارها.

أما الأغنية التي تعيش لعقود، تحتاج إلى عناصر تسمح بإعادة اكتشافها في سياقات مختلفة، بحيث لا تكون مرتبطة فقط باللحظة التي ظهرت فيها.

الكلمة واللحن.. ما يبقى بعد انتهاء الترند

وبحسب دراسة منشورة في مجلة EBsco، فإن من أهم العناصر التي تفسر استمرار الأغنية جودة بنائها الفني، فالأغنية التي تمتلك لحنًا قابلًا للتذكر، وكلمات تحمل معنى، وأداءً قادرًا على نقل الإحساس، تمتلك فرصة أكبر لأن تعيش خارج سياقها الزمني.

وأضافت الدارسة أن هذا لا يعني أن الأغنية الحديثة تفتقر بالضرورة إلى هذه العناصر، فهناك أعمال معاصرة تمتلك جودة فنية وقدرة على الاستمرار، لكن الفكرة أن “الزمن هو الاختبار الحقيقي لأي عمل غنائي”.

وتابعت أن الأغنية التي تنجح في العودة بعد سنوات، ويعيد الجمهور اكتشافها من خلال حفلة أو فيلم أو مسلسل أو منصة رقمية، تكون قد تجاوزت مرحلة النجاح اللحظي.

مصطفى حمدي: الجودة الفنية سر الخلود

ويرى الناقد الفني، مصطفى حمدي، أن المقارنة بين الأغنية القديمة والحديثة يجب ألا تقوم على فكرة أن كل ما هو قديم أفضل، وإنما على العناصر التي صنعت جودة العمل.

وقال مصطفى حمدي لـ"تليجراف مصر"، إن الأغاني التي قدمها نجوم الزمن الجميل كانت أعمالًا متكاملة من حيث الكلمة واللحن والأداء، وهو ما ساعدها على التحول إلى جزء من التراث والهوية الفنية المصرية.

وأوضح أن نجوم تلك المرحلة لم يعتمدوا على أصواتهم فقط، وإنما كانوا يمتلكون وعيًا بكيفية صناعة النجومية، مشيرًا إلى أن أم كلثوم كانت نموذجًا واضحًا لفنانة تعرف كيف تخطط لمسيرتها وتختار خطواتها.

وأضاف أن الثقافة العامة كانت أيضًا عنصرًا مهمًا في تجربة عدد من نجوم تلك المرحلة، بسبب قربهم من الشعراء والكتاب والمفكرين، وهو ما جعل الفن بالنسبة إليهم جزءًا من منظومة ثقافية أوسع.

من “اسمعني” إلى “شاهدني واسمعني”

لم تعد صناعة الأغنية اليوم تعتمد على الأذن وحدها، فبعد انتشار التلفزيون والسينما، أصبحت صورة المطرب جزءًا من عملية بناء النجومية، ثم جاء الفيديو كليب ليجمع بين الصوت والصورة، وصولًا إلى عصر منصات التواصل الاجتماعي الذي أصبح فيه المطرب مطالبًا بصناعة محتوى متكامل حول الأغنية.

وهذا التغير لا يعني أن الأغنية الحديثة أقل قيمة بالضرورة، وإنما يعني أن "ظروف إنتاجها واستهلاكها أصبحت مختلفة تمامًا".

فهناك أغنيات حديثة يمكن أن تتحول إلى كلاسيكيات، وهناك أغنيات قديمة اختفت من الذاكرة ولم تستطع الصمود أمام الزمن.

اقرأ أيضًا:

"دايبين في صوت الست".. عرض مسرحية أم كلثوم في مهرجان جرش الدولي

قبل أن يصبح نجمًا كان صحفيًا.. عبدالسلام النابلسي