دامبراوسكا
في كرة القدم، هناك قصص تبدو وكأنها خرجت من فيلم سينمائي، لكن قصة المدرب الليتواني فالداش دامبراوسكاس حقيقية تمامًا، فهو الرجل الذي بدأ حلمه التدريبي بجائزة من برنامج مسابقات، ثم شق طريقه عبر الدرجات الدنيا والأندية الصغيرة، حتى وصل في النهاية إلى دوري أبطال أوروبا مع صباح الأذربيجاني.
وتأهل صباح الأذربيجاني للمرة الأولى في تاريخه إلى البطولة الأغلى في أوروبا، وبدأ صباح المباراة متأخرًا في مجموع المباراتين أمام هبوئيل سبع، لكنه دخل الإياب بهدف واضح وهو قلب النتيجة وحجز بطاقة التأهل إلى دوري أبطال أوروبا.
وافتتح إيجور زلاتانوفيتش، التسجيل في الدقيقة العاشرة، لكن صباح رد سريعًا عن طريق كريستيان نواتشوكوو في الدقيقة 38، لينتهي الشوط الأول بالتعادل 1-1.
وعاد صباح في الشوط الثاني، لمواصلة الضغط، وسجل هدف التعادل في الدقيقة 94، ليعيد المباراة إلى نقطة البداية ويجبر المواجهة على الذهاب إلى الوقت الإضافي.
واستغل صباح، الوقت الإضافي بأفضل طريقة، فسجل هدفين حاسمين عن طريق أورفي مبينا وجوي لانس ميكلس، ليحسم المباراة بنتيجة 5-2.
وتأهل صباح بنتيجة 6-4 في مجموع المباراتين، ليحقق أول وصول في تاريخه إلى المرحلة الرئيسية من دوري أبطال أوروبا.
وقاد فالداش دامبراوسكاس، الفريق خلال هذه الرحلة التاريخية، ليصبح صباح أحد أبرز قصص دوري أبطال أوروبا في موسم 2026-2027.
"من سيربح المليون"
في عام 2002، كان دامبراوسكاس، طالبًا ليتوانيًا يبلغ من العمر 25 عامًا، وكان لديه حلم واضح بأن يصبح مدرب كرة قدم، رغم أنه لم يكن لاعبًا محترفًا ولم يملك الطريق التقليدي الذي يسلكه معظم المدربين للوصول إلى عالم كرة القدم.
كانت المشكلة وقتها هي المال، فدراسة التدريب والسفر إلى إنجلترا والحصول على الخبرة اللازمة كانت تحتاج إلى إمكانيات لم تكن متوفرة له، ولذا قرر خوض تجربة غير عادية تمامًا.
وشارك دامبراوسكاس في النسخة الليتوانية من برنامج “من سيربح المليون؟”، ونجح في الفوز بمبلغ يقارب 4 آلاف ليتاس ليتوانية، لكنه لم يتعامل مع الجائزة باعتبارها أموالًا للإنفاق، بل باعتبارها فرصة لبدء حياته الجديدة.

أخذ الأموال وسافر إلى إنجلترا مع زوجته، وهناك بدأ دراسة علوم الرياضة والتدريب في جامعة لندن متروبوليتان، وفي الوقت نفسه، حاول الاقتراب من كرة القدم الإنجليزية واكتساب أكبر قدر ممكن من الخبرة.
من الدرجات الدنيا إلى التعلم داخل الأندية الكبرى
البداية التدريبية لم تكن داخل ملعب أحد الأندية الكبرى، وإنما مع كينجسبري لندن تايجرز في الدرجات الدنيا من كرة القدم الإنجليزية، حيث بدأ من نقطة بعيدة جدًا عن الأضواء وعن الشهرة.
لكن دامبراوسكاس لم يكن يبحث عن الطريق السهل، فخلال سنواته في إنجلترا حصل على خبرات داخل بيئات تدريبية مرتبطة بأندية كبيرة مثل مانشستر يونايتد وفولهام وبرينتفورد، وتعلم الكثير عن أساليب التدريب وتطوير اللاعبين.
بعد ذلك عاد إلى أوروبا الشرقية، وبدأ رحلة طويلة بين عدة دول، فعمل في ليتوانيا ولاتفيا وبلغاريا وكرواتيا واليونان وقبرص والمجر، وخلال هذه السنوات بدأ اسمه يظهر بصورة أكبر كمدرب قادر على صناعة الفرق وتحقيق النتائج.
لم تكن الرحلة مجرد تنقل بين الأندية، بل كانت عملية بناء حقيقية لمدرب لم يملك في البداية شهرة لاعب سابق أو اسمًا كبيرًا يساعده على الوصول إلى أعلى المستويات.
ليلة “صباح”
مع مرور الوقت، بدأ دامبراوسكاس يثبت نفسه داخل كرة القدم الأوروبية، ونجح في تحقيق ألقاب محلية مع أكثر من فريق، ليؤكد أن تجربته لم تكن مجرد قصة غريبة عن شخص شارك في برنامج مسابقات.
توج بالدوري الليتواني مع زالغيريس، وحقق كأس لاتفيا مع آر إف إس، كما قاد لودوجوريتس إلى لقب الدوري البلغاري، وفاز بكأس كرواتيا مع هايدوك سبليت.
هذه التجارب صنعت له سيرة تدريبية قوية، والأهم أنها منحته خبرة في التعامل مع غرف الملابس المختلفة والبطولات المتنوعة والضغوط المرتبطة بالمنافسة على الألقاب.

وفي صيف عام 2025، تولى دامبراوسكاس، قيادة صباح الأذربيجاني، النادي الذي تأسس عام 2017، ولم يكن وقتها من الأسماء الكبيرة على الساحة الأوروبية.
لكن الموسم الأول للمدرب الليتواني مع الفريق، تحول إلى نقطة فاصلة في تاريخ النادي، بعدما قاده إلى الفوز بالدوري الأذربيجاني وكأس أذربيجان، محققًا الثنائية المحلية للمرة الأولى في تاريخ صباح.
الأهم أن صباح أنهى الموسم متفوقًا على كاراباخ، النادي الذي فرض سيطرته على الكرة الأذربيجانية لسنوات، لتصبح الثنائية بمثابة إعلان حقيقي عن ظهور قوة جديدة في البلاد.
لكن دامبراوسكاس ولاعبيه لم يكتفوا بما تحقق محليًا، لأن الفوز بالدوري فتح أمامهم الطريق لخوض تصفيات دوري أبطال أوروبا، وهنا بدأت أكثر فصول القصة إثارة.
ليلة 5-2 التي صنعت التاريخ
خاض صباح، سلسلة من المباريات في التصفيات، وواصل التقدم حتى وصل إلى الدور الفاصل، حيث واجه هبوعيل بئر السبع في مواجهة تفصل الفريق عن حلم الوصول إلى المرحلة الرئيسية من دوري الأبطال.
مباراة الذهاب انتهت بخسارة صباح بنتيجة 2-1، لتصبح مهمة الفريق في الإياب صعبة للغاية، خصوصًا أن أي خطأ كان يمكن أن ينهي الحلم الأوروبي بالكامل.
لكن في مباراة الإياب، قدم صباح، واحدة من أعظم لياليه على الإطلاق، وتمكن من قلب المواجهة والفوز بنتيجة 5-2 بعد الوقت الإضافي.
النتيجة منحت الفريق الأذربيجاني، التفوق 6-4 في مجموع المباراتين، ليحقق صباح إنجازًا تاريخيًا ويتأهل إلى المرحلة الرئيسية من دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه.
بالنسبة للنادي، كانت تلك لحظة استثنائية، أما بالنسبة لدامبراوسكاس فكانت تتويجًا لمسيرة بدأت قبل سنوات طويلة عندما كان مجرد طالب يبحث عن المال حتى يتمكن من دراسة التدريب.
ولم يكن تأهل صباح تاريخيًا للنادي فقط، بل حمل أيضًا قيمة خاصة لليتوانيا، بعدما أصبح دامبراوسكاس أول مدرب ليتواني يقود فريقًا إلى المرحلة الرئيسية من دوري أبطال أوروبا.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر في القصة، فالمدرب الذي لم يكن لاعبًا محترفًا، الذي احتاج إلى جائزة برنامج تلفزيوني حتى يبدأ رحلته، أصبح الآن جزءًا من البطولة التي تجمع أقوى أندية أوروبا.
من 4 آلاف ليتاس إلى برشلونة ومانشستر يونايتد
لم تكتمل القصة بمجرد التأهل، لأن قرعة المرحلة الرئيسية وضعت صباح أمام مجموعة من أكبر الأسماء في كرة القدم الأوروبية، وعلى رأسها برشلونة وأرسنال وبوروسيا دورتموند ومانشستر يونايتد.
وهكذا سيجد دامبراوسكاس نفسه في مواجهة أندية كان من الممكن أن يشاهدها قبل سنوات من بعيد، لكنه الآن سيواجهها من مقعد المدير الفني في دوري أبطال أوروبا.
قصة دامبراوسكاس ليست مجرد قصة مدرب وصل إلى بطولة كبرى، بل حكاية شخص لم تكن لديه البداية المثالية، فاستغل فرصة صغيرة جدًا، وحوّل أموالًا حصل عليها من برنامج مسابقات إلى دراسة وخبرة وعمل وسنوات من التضحية.
بدأ بـ4 آلاف ليتاس، ثم ذهب إلى إنجلترا ليتعلم، وبدأ من الدرجات الدنيا، وتنقل بين دول وأندية عديدة، وخسر ونجح وتعلم، حتى وصل في النهاية إلى أكبر بطولة للأندية في أوروبا.
اقرأ أيضا