محمد الشامي
أعادت واقعتا المصارعين زياد حجاج ومحمد مصطفى علي الشامي قضية هروب لاعبي الألعاب الفردية من البعثات المصرية إلى الواجهة من جديد، بعدما غادرا بعثتي المنتخب في سلوفاكيا وإيطاليا خلال فترة زمنية قصيرة.
وتعاملت وزارة الشباب والرياضة مع الواقعتين باعتبارهما أمرًا يستوجب التحقيق، حيث قررت إحالة الملفين إلى النيابة العامة، بالتزامن مع تحرك اللجنة الأولمبية المصرية تجاه المسؤولين عن البعثة، بعدما أوقفت رئيس وفد المصارعة وأحالته إلى لجنة القيم.
لكن السؤال الأبرز يبقى “هل توجد عقوبة حبس محددة للاعب الذي يهرب من بعثة مصر في الخارج؟ وهل يمكن إيقافه أو شطبه ومنعه من تمثيل المنتخبات؟”.
بداية الأزمة
بدأت الواقعة الأولى مع المصارع زياد حجاج، الذي غادر مقر بعثة المنتخب المصري في سلوفاكيا عقب مشاركته في بطولة العالم للشباب.
وعقب اكتشاف مغادرته، تحركت وزارة الشباب والرياضة وطلبت من الاتحاد المصري للمصارعة التحقيق في الواقعة، وإعداد تقرير شامل حول ظروف مغادرة اللاعب للبعثة، قبل أن يتطور الأمر لاحقًا إلى إحالة الملف إلى النيابة العامة.
وبعد أيام قليلة، تكررت الواقعة مع المصارع محمد مصطفى علي الشامي، الذي غادر بعثة المنتخب المصري خلال فترة الترانزيت في مطار روما، أثناء رحلة العودة من دورة ألعاب البحر المتوسط المقامة في تارانتو إلى القاهرة.
ووفق التفاصيل المتداولة بشأن الواقعة، حصل اللاعب على جواز سفره من أحد مسؤولي البعثة، قبل أن يغادر محيط أفراد المنتخب دون العودة إليهم لاستكمال رحلة العودة إلى مصر.
وأصبحت الواقعتان محل تحقيق رسمي، خصوصًا أن اللاعبين كانا ضمن بعثتين رسميتين تمثلان مصر في بطولات خارجية.
هل الهروب يعني السجن تلقائيًا؟
رغم انتشار الحديث عن إمكانية تعرض اللاعب الهارب لعقوبة جنائية، فإن المسألة القانونية أكثر تعقيدًا من ذلك.
فقانون الرياضة المصري رقم 71 لسنة 2017 لا يتضمن نصًا عامًا يقول إن اللاعب الذي يترك بعثة مصر في الخارج أو لا يعود معها يعاقب تلقائيًا بالحبس لمدة محددة.
بمعنى آخر، لا يمكن القول قانونيًا إن مجرد مغادرة اللاعب للبعثة تعني بشكل مباشر دخوله السجن.
إحالة الواقعة إلى النيابة العامة لا تعني أيضًا أن اللاعب أصبح مدانًا، وإنما تعني فتح تحقيق لمعرفة ما إذا كانت تصرفاته تضمنت مخالفة قانونية أو جريمة أخرى تستوجب المساءلة الجنائية.
وتتوقف العقوبة الجنائية، في حال وجود جريمة، على طبيعة الفعل الذي تثبته التحقيقات، وليس على مجرد وصف الواقعة إعلاميًا بأنها "هروب".
اللاعب أمام عقوبة رياضية أيضًا
في المقابل، قد يجد اللاعب نفسه أمام مسار آخر بعيد عن القضاء الجنائي، وهو المسار التأديبي الرياضي، فقانون الرياضة يمنح الهيئات الرياضية صلاحية وضع أنظمتها الأساسية وتحديد حقوق وواجبات أعضائها، إلى جانب وضع إجراءات التحقيق والعقوبات التي يمكن توقيعها على المخالفين.
وبالتالي، فإن اللاعب قد يتعرض لعقوبة رياضية حتى في حالة عدم ثبوت ارتكابه جريمة جنائية.
وتحدد اللائحة الخاصة بالاتحاد والجهة الرياضية المختصة طبيعة العقوبة، والتي قد تختلف وفق ملابسات كل واقعة، ومدى خطورتها، والالتزامات التي وقع عليها اللاعب قبل السفر.
وقد تشمل العقوبات التأديبية الغرامة أو الإيقاف أو الحرمان من المشاركة في بعض البطولات أو الأنشطة، بينما يمكن أن تصل في بعض الحالات إلى عقوبات أكثر تشددًا إذا كانت اللوائح تسمح بذلك، لكن لا توجد عقوبة موحدة يمكن تطبيقها تلقائيًا على كل لاعب يغادر بعثة منتخب مصر.
هل يمكن شطب اللاعب نهائيًا؟
ويظل الشطب أو الحرمان لفترة طويلة من النشاط الرياضي احتمالًا مرتبطًا باللوائح وليس عقوبة تلقائية بمجرد الهروب من البعثة.
فاللوائح الرياضية قد تمنح الجهات المختصة صلاحيات واسعة في التعامل مع المخالفات، لكن توقيع العقوبة يحتاج إلى تحقيق وقرار من الجهة صاحبة الاختصاص، مع مراعاة طبيعة المخالفة واللائحة التي تنطبق على اللاعب.
ولهذا فإن القول إن "أي لاعب يهرب من بعثة مصر يتم شطبه نهائيًا" ليس دقيقًا.
كما أن المادة 94 من قانون الرياضة، التي تتعلق بحرمان المحكوم عليه في جرائم محددة من صلاحية عضوية مجالس إدارات الهيئات الرياضية لمدة خمس سنوات، لا تعني وجود عقوبة تلقائية بمنع اللاعب الهارب من ممارسة الرياضة أو تمثيل مصر لمدة خمس سنوات.
ويمثل الجانب المالي أحد الملفات التي يمكن أن تدخل ضمن التحقيقات، فاللاعب الذي يسافر ضمن بعثة رسمية يحصل على ترتيبات وتكاليف مرتبطة بالمشاركة، مثل السفر والإقامة والانتقالات والمشاركة في البطولات والمعسكرات.
وفي حال وجود تعهدات أو التزامات مالية وقع عليها اللاعب أو ولي أمره قبل السفر، فقد تبحث الجهات المختصة مدى مخالفة هذه الالتزامات، وما إذا كان هناك حق في استرداد مبالغ أو تحميل اللاعب مسؤولية أضرار مالية محددة.
لكن لا توجد قاعدة عامة تعني أن كل لاعب يهرب من بعثة مصر يجب أن يدفع تلقائيًا قيمة الرحلة أو الإقامة أو أضعافها.
أي مطالبة مالية يجب أن تستند إلى نص لائحي أو تعاقدي أو التزام قانوني واضح، وتحدد قيمتها وفق ما يثبت في التحقيقات.
المسؤولية قد تطال رئيس البعثة
اللافت في واقعة محمد الشامي أن التحقيقات لم تركز فقط على اللاعب، فاللجنة الأولمبية المصرية قررت إيقاف رئيس وفد المصارعة وإحالته إلى لجنة القيم، على خلفية ما اعتبرته التحريات المبدئية تقصيرًا وإهمالًا في متابعة أفراد البعثة.
وهنا يظهر أن مسؤولية هروب اللاعب قد لا تتوقف على الأخير وحده، فالجهات المسؤولة عن البعثة لديها أيضًا مجموعة من الالتزامات المتعلقة بمتابعة اللاعبين وتنفيذ الإجراءات المنظمة للسفر والإقامة والعودة.
وفي حالة الشامي، أثارت طريقة حصول اللاعب على جواز سفره ومغادرته محيط البعثة تساؤلات حول مدى الالتزام بالإجراءات الموضوعة لحفظ جوازات السفر ومتابعة أفراد المنتخب.
وبالتالي، يمكن أن يفتح التحقيق مسارين متوازيين، الأول يتعلق بمسؤولية اللاعب، والثاني يتعلق بمسؤولية المسؤولين عن البعثة.
ماذا يحدث إذا ثبتت المخالفة؟
إذا أثبتت التحقيقات أن اللاعب خالف اللوائح أو التعهدات الخاصة بالبعثة، يمكن للاتحاد أو الجهة الرياضية المختصة اتخاذ إجراءات تأديبية بحقه وفق القواعد المعمول بها.
أما إذا كشفت التحقيقات عن ارتكاب فعل يمثل جريمة وفق قانون آخر، فهنا تنتقل المسألة إلى الجانب الجنائي، وتصبح النيابة والقضاء صاحبي الاختصاص في تحديد المسؤولية والعقوبة.
وهذا الفارق مهم للغاية، لأن العقوبة الرياضية لا تحتاج بالضرورة إلى صدور حكم جنائي، بينما العقوبة الجنائية تحتاج إلى أساس قانوني وإثبات للمخالفة أمام جهات التحقيق والقضاء.
مغادرة اللاعب بعثة بلاده وعدم العودة معها لا تعني تلقائيًا أنه أصبح مطلوبًا دوليًا، كما أن وصفه إعلاميًا بأنه "هارب" لا يعني بالضرورة وجود مذكرة ضبط أو أمر قبض دولي بحقه.
لكي تتحول القضية إلى مسار دولي، يجب أن تكون هناك جريمة أو إجراءات قضائية تستند إلى أساس قانوني يسمح باتخاذ مثل هذه الخطوات.
وبالتالي، فإن مجرد بقاء اللاعب في الدولة الأجنبية بعد مغادرة البعثة لا يكفي وحده للقول إنه أصبح مطلوبًا عبر الإنتربول أو أن الدولة الموجودة على أراضيها ملزمة بتسليمه.
وماذا بعد؟
القضية لا يمكن اختصارها في جملة "اللاعب الهارب يسجن"، كما لا يمكن القول إن كل لاعب يترك بعثة مصر يتعرض للشطب تلقائيًا.
المسار القانوني يبدأ بالتحقيق في ملابسات الواقعة، ثم تحديد ما إذا كان اللاعب خالف التزامات أو لوائح رياضية، أو ارتكب فعلًا يشكل جريمة مستقلة.
أما رياضيًا، فيمكن للاتحاد أو اللجنة المختصة توقيع عقوبات تأديبية وفق اللوائح، وقد تبدأ بالغرامة أو الإيقاف وتصل إلى عقوبات أكثر تشددًا في الحالات التي تسمح بها القواعد.
وفي الوقت نفسه، يمكن محاسبة المسؤولين عن البعثة إذا ثبت وجود تقصير في إجراءات المتابعة والرقابة.
وفي واقعة الشامي وحجاج تحديدًا، فإن المعلن حتى الآن هو إحالة ملف اللاعبين إلى النيابة العامة للتحقيق، بينما اتخذت اللجنة الأولمبية بالفعل إجراءً ضد رئيس وفد المصارعة بإيقافه وإحالته إلى لجنة القيم.
لذلك، فإن العقوبة النهائية للاعبين لا يمكن حسمها قبل انتهاء التحقيقات وصدور القرارات الرسمية.
اقرأ أيضًا
شهادة طبية تثير القلق.. جوليان ألفاريز يعاني من الاكتئاب وسط أزمته مع أتلتيكو