السبت، 29 أغسطس 2026

02:45 م

هل أموال عملاء بنك مصر في خطر؟.. تفاصيل التحرك الأمريكي ضد فروع الإمارات

بنك مصر

بنك مصر

بين عناوين تحدثت عن "عقوبات أمريكية على بنك مصر"، وبيان رسمي من البنك المركزي المصري حاول حسم الجدل بالتأكيد على أن الإجراء لا يمتد إلى بنك مصر داخل مصر، وجد ملايين العملاء أنفسهم أمام سؤال أكثر إلحاحًا: هل أموالهم في خطر؟ وهل يمكن أن تتوقف التحويلات الدولارية من الإمارات إلى مصر؟.

الواقعة التي بدأت في 28 أغسطس 2026، تبدو للوهلة الأولى أكبر من نطاقها الفعلي، إذ تحركت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية «FinCEN» باقتراح قاعدة تستهدف منع وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات المراسلة المصرفية لدى المؤسسات المالية الأمريكية.

لكن بتفكيك نص الإجراء، ومقارنته بتوضيحات البنك المركزي المصري، يكشف أن القضية ليست قرارًا أمريكيًا بإغلاق بنك مصر أو تجميد أموال عملائه، وإنما إجراء يستهدف مسارًا محددًا من المعاملات الدولارية الخاصة بفروع البنك في الإمارات.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين ثلاثة أمور اختلطت في عناوين كثيرة: بنك مصر ككيان مصرفي، وفروع بنك مصر في الإمارات، وحسابات المراسلة بالدولار التي تستخدمها البنوك لتنفيذ المعاملات الدولية.

البنك المركزي المصري أكد أن الإجراءات الأمريكية تقتصر على معاملات فرع بنك مصر في الإمارات مع البنوك المراسلة بالدولار الأمريكي، ولا تمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو فروعه الخارجية الأخرى أو البنوك العاملة في القطاع المصرفي المصري.

البداية: واشنطن لا تغلق بنك مصر.. وإنما تضرب قناة الدولار

ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية ليس حكمًا قضائيًا نهائيًا بإدانة بنك مصر، وإنما مقترح تنظيمي بموجب المادة 311 من قانون باتريوت الأمريكي، يستهدف منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح Banque Misr UAE.

2026-639235596127722132-772
بنك مصر

وبحسب المقترح الأمريكي، فإن نطاق الإجراء يتعلق بفروع بنك مصر الموجودة في الإمارات، وليس البنك الأم في القاهرة، ويظل الأمر مقترحًا لمدة 30 يومًا لأخذ التعليقات والردود من بنك مصر قبل أن يكون قرارا رسميًا.

وتقول السلطات الأمريكية إن لديها مخاوف بشأن استخدام حسابات لدى بنك مصر في الإمارات، في معاملات مرتبطة بشبكات مالية إيرانية، وتقدر حجم المعاملات التي مرت عبر هذه القنوات بنحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات خلال الفترة من يناير 2024 حتى يونيو 2026، لكن هذه الرواية تظل رواية الجهة الأمريكية صاحبة الإجراء، ولا ينبغي تحويلها إلى حكم قضائي نهائي على البنك أو على الشركات التي وردت في التحقيق الأمريكي.

وهنا تحديدًا يلفت الخبير المصرفي عز الدين حسانين إلى أن فهم القضية يبدأ من معرفة طبيعة المعاملات التي استهدفتها واشنطن، وليس من عنوان «عقوبات على بنك مصر».

ويقول حسانين في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، إن الإجراء، وفق البيانات المتعلقة بالواقعة، ينحصر في معاملات دولارية مع بنوك مراسلة وفي قطاعات وشركات محددة، موضحًا أن الهدف الأمريكي هو منع استخدام هذه القنوات كمسار غير مباشر لتنفيذ معاملات مرتبطة بإيران.

وبحسب تفسيره، فإن السيناريو الذي أثار مخاوف الجانب الأمريكي يقوم على وجود شركات تعمل كوسطاء بين كيانات مرتبطة بإيران وشركات في أوروبا أو شرق وجنوب شرق آسيا، بما يجعل الأموال تتحرك عبر عدة حلقات قبل الوصول إلى الجهة النهائية.

ويشرح حسانين أن المشكلة من منظور السلطات الأمريكية لا تتعلق بمجرد وجود شركة أجنبية لديها حساب مصرفي، وإنما بالعثور على شبكة من العلاقات المالية تجعل بعض الشركات تبدو كـ«بوابة خلفية» لتنفيذ معاملات مع جهات إيرانية خاضعة للقيود.

لماذا الدولار تحديدًا؟

هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في فهم الواقعة، البنك الدولي أو بنك مصر لا يستطيع في كل الحالات إرسال الدولار مباشرة من حسابه إلى حساب بنك آخر في دولة ثالثة، ولذلك تعتمد البنوك على ما يعرف بـ«البنوك المراسلة».

ويوضح حسانين أن البنك قد يحتفظ بحساب لدى بنك مراسل في الولايات المتحدة، وعندما يرغب في تنفيذ تحويل بالدولار، يرسل تعليمات عبر نظام «سويفت» إلى البنك المراسل، ليتم خصم المبلغ من حسابه وتحويله إلى البنك المستفيد، وبالتالي، فإن قطع علاقة المراسلة الأمريكية لا يعني إغلاق البنك، وإنما يعني ضرب إحدى القنوات الرئيسية التي يستخدمها الفرع الإماراتي في تسوية معاملات الدولار.

images-15
بنك مصر

ويشرح حسانين الأمر بصورة أبسط: إذا كان لدى بنك مصر حساب لدى بنك مراسل أمريكي، فإن البنك يستخدم هذا الحساب لتنفيذ تحويلات بالدولار إلى أطراف أخرى حول العالم، فإذا أُغلقت هذه العلاقة، فلن يستطيع بنك مصر استخدام هذا الحساب بالطريقة المعتادة في تنفيذ التحويلات الدولارية، أما العملات الأخرى، مثل اليورو أو الين أو الجنيه الإسترليني، فقد تظل لها مسارات مصرفية مختلفة، بحسب البنوك المراسلة المتاحة وقواعد الامتثال الخاصة بها.

ومن هنا، فإن جوهر الإجراء الأمريكي ليس "منع بنك مصر من العمل"، وإنما تقييد وصول فروعه الإماراتية إلى البنية المصرفية الأمريكية الخاصة بالدولار.

هل تتحول أزمة الفرع الإماراتي إلى أزمة لبنك مصر بالكامل؟

الإجابة الرسمية حتى الآن: لا، فالبنك المركزي المصري أكد أن الإجراء لا يمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو إلى فروعه الخارجية الأخرى.

ويفسر حسانين ذلك من زاوية النطاق الجغرافي للواقعة، موضحًا أن المخالفة إذا كانت مرتبطة بنشاط فرع في دولة معينة، فإن الإجراء الرقابي أو العقوبة تستهدف النطاق الذي وقعت فيه المخالفة، ولا تنتقل تلقائيًا إلى كل فروع البنك حول العالم.

وبحسب هذا التفسير، فإن فروع بنك مصر في الإمارات هي محل الإجراء، بينما لا توجد، وفق البيان المصري، عقوبة على بنك مصر داخل الجمهورية، ويؤكد ذلك أن بنك مصر يمتلك حضورًا خارجيًا منفصلًا، من بينها خمسة فروع في الإمارات وفرع في فرنسا، إلى جانب شركات تابعة ومكاتب تمثيلية في دول أخرى.

وبالتالي، فإن مجرد ارتباط هذه الفروع بالبنك الأم في القاهرة لا يعني أن كل حسابات البنك وعملائه في مصر أو الخارج أصبحت مشمولة بالإجراء الأمريكي.

سهر الدماطي: التأثير المباشر في فرع الإمارات

وتتفق الخبيرة المصرفية سهر الدماطي مع هذا الاتجاه، إذ ترى أن التأثير المباشر للإجراء يتركز في فرع بنك مصر بالإمارات، ولا يمتد بصورة مباشرة إلى المركز الرئيسي للبنك أو السوق المصرية.

وتوضح الدماطي أن التحرك الأمريكي يأتي في إطار العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران، وأن السياسة الأمريكية تستهدف البنوك التي ترى واشنطن أنها سهلت معاملات مرتبطة بالجانب الإيراني، لكن أهمية تعليق الدماطي لا تتوقف عند تحديد نطاق الإجراء، إذ تلفت إلى أن التأثير العملي قد يظهر في نوع معين من العملاء والمعاملات، وليس في جميع عملاء البنك.

وتقول إن المعاملات الأكثر تعرضًا للتأثر هي تلك التي تعتمد على الدولار الأمريكي أو تحتاج إلى وساطة البنوك المراسلة الأمريكية، وعلى رأسها عمليات الاستيراد والتصدير والتحويلات الخارجية وبعض الأنشطة الاستثمارية.

بمعنى آخر، المشكلة ليست في وجود حساب لدى بنك مصر في الإمارات بحد ذاته، وإنما في طبيعة العملية التي يريد العميل تنفيذها والمسار المصرفي الذي تمر من خلاله.

هل أموال العملاء في الإمارات مهددة بالتجميد؟

حتى الآن، لا يوجد في المقترح الأمريكي ما يعني تجميد ودائع العملاء أو مصادرة أموالهم.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن منع أو تقييد علاقة المراسلة بالدولار يختلف قانونيًا ومصرفيًا عن تجميد الأصول.

المقترح يستهدف المؤسسات المالية الأمريكية وعلاقاتها مع فروع بنك مصر في الإمارات، وليس إصدار قرار بمصادرة أرصدة العملاء الموجودة داخل البنك، كما لا يعني الإجراء إغلاق الفروع الخمسة في الإمارات أو وقف نشاطها المصرفي المحلي.

لكن الخطر المحتمل يظهر عندما يريد العميل تحريك أموال بالدولار عبر الحدود، خصوصًا إذا احتاجت العملية إلى بنك أمريكي أو بنك مراسل مرتبط بالنظام المالي الأمريكي.

وهنا يصبح السؤال ليس «هل أموالي موجودة؟»، وإنما «هل أستطيع تحريكها بالدولار عبر المسار الذي اعتدت استخدامه؟».

هل حسابات الدرهم في الإمارات معرضة للخطر؟

لا يستهدف المقترح الأمريكي، وفق نطاقه المعلن، الحسابات المحلية بالدرهم الإماراتي بصورة مباشرة، لكن أي معاملة تبدأ بالدرهم ثم تتحول إلى الدولار أو تحتاج في مرحلة التسوية إلى مؤسسة مالية أمريكية قد تدخل في نطاق التدقيق أو تتأثر بالقيود المقترحة، وهذا يعني أن العميل الذي يستخدم حسابه في الإمارات للإنفاق المحلي أو التحويلات المحلية لا يوجد ما يشير إلى أن حسابه سيتوقف تلقائيًا بسبب الإجراء الأمريكي، أما العميل الذي يعتمد على الدولار في التجارة الخارجية أو التحويلات الدولية، فإن وضعه أكثر حساسية.

وماذا عن التحويلات إلى مصر؟

هذه هي النقطة التي تمس ملايين المصريين بصورة مباشرة، لا يوجد قرار بوقف تحويلات المصريين من الإمارات إلى مصر، والأهم أن الإجراء الأمريكي لا يستهدف منظومة تحويلات المصريين ككل، وإنما يستهدف معاملات فرع بنك مصر في الإمارات مع البنوك المراسلة بالدولار.

30121007785204202608291227432743
بنك مصر

وهنا يؤكد حسانين أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ليست هي الهدف من الإجراء، طالما أنها تتم بصورة قانونية إلى داخل مصر.

وبحسب رؤيته، فإن المصري المقيم في الإمارات الذي يحول أمواله إلى حسابه أو إلى حساب أسرته في مصر لا يدخل تلقائيًا في دائرة الإجراء لمجرد استخدامه بنك مصر، لكن إذا كانت العملية تحتاج إلى تسوية بالدولار عبر بنك مراسل أمريكي، فإن مسار التحويل نفسه قد يتعرض لمراجعة أو تغيير إذا أصبح المقترح قاعدة نهائية، أما التحويلات بالدرهم أو من خلال مسارات مصرفية أخرى، فتظل مرتبطة بقدرة البنوك على توفير القنوات البديلة وقواعد الامتثال التي تفرضها البنوك المراسلة.

ماذا يحدث للتجارة والاستيراد والتصدير؟

هنا تظهر أهمية تصريحات سهر الدماطي، فالعميل الذي يستخدم فرع بنك مصر في الإمارات في معاملات تجارية دولية بالدولار هو أكثر تعرضًا لتداعيات الإجراء من العميل الذي يستخدم حسابًا محليًا بالدرهم.

وتوضح الدماطي أن التأثير يمكن أن يظهر لدى المستوردين والمصدرين، والشركات التي تعتمد على التحويلات الخارجية، والأنشطة الاستثمارية التي تحتاج إلى الدولار أو إلى بنوك مراسلة أمريكية، وهذا لا يعني بالضرورة توقف النشاط، لكنه قد يعني البحث عن مسار مصرفي بديل، أو استخدام بنك مراسل آخر، أو تغيير العملة المستخدمة في التسوية، أو تحمل وقت وتكلفة إضافية لتنفيذ العملية.

لماذا لم يشمل الإجراء بنك مصر داخل مصر؟

لأن النص الأمريكي حدد الكيان والنطاق محل الإجراء، بينما جاء بيان البنك المركزي المصري أكثر وضوحًا عندما أكد أن الإجراءات لا تمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو فروعه الخارجية الأخرى، وهنا تظهر أهمية عدم الخلط بين «بنك مصر» كاسم تجاري وبين كل وحدة قانونية وتشغيلية تابعة له في الخارج.

فالحساب الموجود لدى بنك مصر في القاهرة يختلف عن الحساب الموجود لدى فرع البنك في الإمارات من حيث الولاية الرقابية والقانونية ومكان تنفيذ المعاملة، ولذلك، لا يعني الإجراء الأمريكي أن ملايين العملاء في مصر أصبحوا فجأة خاضعين لعقوبات أمريكية.

هل يمكن أن تمتد التداعيات بصورة غير مباشرة؟

نعم، ولكن هذا يختلف عن القول بوجود عقوبة على بنك مصر كله، فحتى إذا كان الإجراء محصورًا في فروع الإمارات، يمكن لبعض البنوك الأجنبية أن تصبح أكثر حذرًا في التعامل مع المعاملات المرتبطة بالبنك، فتطلب مستندات إضافية أو ترفع مستوى الفحص أو تستغرق وقتًا أطول في تنفيذ بعض التحويلات.

وهذا ما يعرف مصرفيًا بـ«تقليل المخاطر»، حيث قد تفضل مؤسسة مالية تقليل تعاملاتها مع جهة ترى أنها أصبحت تحمل مستوى أعلى من المخاطر التنظيمية.

وتشير الدماطي إلى أن الأثر المباشر على السوق المصرية يظل محدودًا، مع احتمال وجود انعكاسات غير مباشرة على بعض المعاملات المرتبطة بالدولار.

هل الإجراء عقوبة نهائية؟

التحرك الأمريكي المعلن هو مقترح قاعدة يخضع لفترة لتلقي التعليقات قبل اتخاذ قرار نهائي، حيث أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الإجراء يتطلب فترة تعليق عامة لمدة 30 يومًا قبل دخوله حيز التنفيذ في صورته النهائية، وبالتالي، لا يصح التعامل مع تاريخ انتهاء فترة التعليقات باعتباره موعدًا تلقائيًا لبدء الحظر، فالسلطات الأمريكية تستطيع بعد مراجعة التعليقات إصدار القاعدة، أو تعديلها، أو إعادة صياغتها، أو التراجع عنها.

وهنا يرى حسانين أن طبيعة العقوبات المالية والمصرفية تختلف عن الأحكام الجنائية النهائية، إذ توجد في مثل هذه الملفات مساحات للمراجعة والتفاوض وتصحيح الأوضاع.

ويشير إلى أن البنك الذي يواجه إجراءً ماليًا يمكنه معالجة أوجه القصور، وإغلاق الحسابات محل الاشتباه، وتشديد إجراءات الفحص والامتثال، وتقديم التعهدات والإقرارات المطلوبة، ثم التفاوض بشأن رفع الإجراء إذا تم استيفاء المتطلبات.

ماذا يمكن أن يحدث خلال الأسابيع المقبلة؟

المشهد أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول اعتماد المقترح بصورته الحالية، وهو ما سيعني قطع وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى علاقات المراسلة الأمريكية المباشرة وغير المباشرة بالدولار وفق نطاق القاعدة، أما الثاني فهو تعديل المقترح بعد الاتصالات والملاحظات المصرية والإماراتية ورد بنك مصر، مع وضع ترتيبات رقابية أو فترة انتقالية أو شروط إضافية، أما السيناريو الأخير فهو التراجع عن المقترح إذا قدمت الأطراف المعنية معلومات أو ضمانات ترى السلطات الأمريكية أنها كافية لمعالجة المخاوف التي استندت إليها.

تابعونا على