الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026

02:18 ص

الرئيس الصيني في القاهرة بعد 10 سنوات.. ماذا تغير بين زيارتي 2016 و2026؟

الرئيس السيسي والرئيس الصيني، شي جين بينج

الرئيس السيسي والرئيس الصيني، شي جين بينج

يعود الرئيس الصيني، شي جين بينج، إلى مصر في زيارة جديدة بعد نحو 10 سنوات من أول زيارة له، لكن المشهد لم يعد كما كان في 2016؛ فخلال العقد الماضي انتقلت العلاقات من مرحلة الاتفاق على التعاون إلى الشراكة عبر تنفيذ مشروعات كبرى، وتوسعت الشراكة من التجارة والاستثمار إلى البنية التحتية والنقل والمناطق الصناعية، بالتوازي مع تحولات في موقع مصر داخل التكتلات الاقتصادية الدولية.

ويمكن قراءة عقد كامل من العلاقات المصرية الصينية بين الزيارتين عبر خط زمني يبدأ من القاهرة في 2016، ويمر بزيارات الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين، ومشروعات العاصمة الإدارية والقطار الكهربائي، وصولًا إلى انضمام مصر إلى مجموعة بريكس وتوسع الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

يناير 2016.. شي جين بينج في القاهرة

في 21 يناير 2016، وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في أول زيارة لرئيس صيني إلى القاهرة منذ أكثر من 12 عامًا، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وخلال الزيارة، اتفق الجانبان على دفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتعزيز التعاون في مشروعات البنية الأساسية، وربط خطط التنمية المصرية بمبادرة الحزام والطريق الصينية.

وشهدت الزيارة توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات اقتصادية واستثمارية وتنموية مختلفة، بقيمة إجمالية تجاوزت 15 مليار دولار، من بينها اتفاقات مرتبطة بالنقل والبنية الأساسية والطاقة والتنمية.

409109_0
زيارة الرئيس الصيني شى جين بينج لمصر يناير 2016

أبريل 2016.. العاصمة الإدارية تدخل مرحلة التنفيذ

بعد أشهر قليلة من زيارة شي، بدأت شبكات المرافق في العاصمة الإدارية في أبريل 2016، لتتحول فكرة إنشاء مركز إداري جديد للدولة إلى مشروع يتم تنفيذه على الأرض.

وفي السنوات التالية، أصبحت الشركات الصينية جزءًا أساسيًا من هذا المشروع، وعلى رأسها شركة CSCEC، التي تولت تنفيذ منطقة الأعمال المركزية، بما تضمّه من أبراج والمنطقة المحيطة بها.

وبحلول السنوات التالية، لم تعد العاصمة الإدارية مجرد مخطط عمراني، بل أصبحت واحدة من أبرز نقاط التعاون المصري الصيني في قطاع الإنشاءات والبنية التحتية.

سبتمبر 2016.. الرئيس السيسي في الصين

في سبتمبر 2016، توجه الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين للمشاركة في قمة مجموعة العشرين بمدينة هانجشو، بدعوة من الرئيس شي جين بينج، الزيارة جاءت بعد أشهر من زيارة شي للقاهرة، لتؤكد استمرار الاتصالات السياسية رفيعة المستوى بين البلدين، وتفتح المجال أمام دفع التعاون الاقتصادي والاستثماري.

وفي ديسمبر من العام نفسه، وقع البنك المركزي المصري اتفاقية لمبادلة العملات مع الصين بقيمة 18 مليار يوان، بما يعادل نحو 2.6 مليار دولار وقتها، بهدف دعم التجارة بين البلدين وتقليل الاعتماد على الدولار في جزء من التعاملات.

WhatsApp Image 2026-08-31 at 8.29.17 PM
الرئيس السيسي في قمة مجموعة العشرين في الصين سبتمبر 2016

2017.. الاتفاقات تتحول إلى مشروعات نقل

عام 2017 حمل خطوة عملية مهمة في ملف النقل، فقد جرى الاتفاق على تمويل مشروع القطار الكهربائي الخفيف LRT، لربط القاهرة الكبرى بالعاصمة الإدارية الجديدة والعاشر من رمضان، بتمويل ميسر من الجانب الصيني.

وبذلك لم تعد الشراكة الصينية مرتبطة فقط بالاستثمارات والمصانع، وإنما بدأت تمتد إلى تغيير شكل منظومة النقل وربط المدن الجديدة بالقاهرة.

وفي سبتمبر من العام نفسه، زار الرئيس السيسي الصين، للمشاركة في قمة مجموعة "البريكس" التي تضم الخمس وهي: "الهند والبرازيل والصين وروسيا وجنوب أفريقيا" وتستضيفها الصين في مدينة شيامن.

462865-مأدبه-الرئيس-السيسى-(2)
خلال مشاركة الرئيس السيسي في قمة مجموعة "البريكس"  سبتمبر 2017

سبتمبر 2018.. الصين تدخل قلب مشروع العاصمة

مع زيارة السيسي إلى الصين للمشاركة في قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي، اتسعت خريطة التعاون لتشمل مشروعات كبرى داخل مصر.

وفي أغسطس 2018، كانت الحكومة المصرية تتابع مع شركة CSCEC الصينية تطورات مشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة.

وفي تلك المرحلة، بدأ يتبلور أحد أكثر مشروعات التعاون الصيني وضوحًا في مصر: المنطقة المركزية للمال والأعمال، التي أصبحت تضم 20 برجًا، من بينها البرج الأيقوني.

وخلال زيارة السيسي للصين في سبتمبر 2018، شهدت الزيارة توقيع اتفاقات وعقود لمشروعات كبرى، من بينها المرحلة الثانية لمنطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية.

هنا بدأ التغيير يظهر بصريًا: من خرائط ومخططات إلى أبراج ترتفع في قلب العاصمة الجديدة.

p-001000038049-038-999jpg
الرئيس السيسي يلتقي برؤساء كبرى الشركات الصينية العاملة في مصر سبتمبر 2018

أبريل 2019.. مصر تربط مشروعاتها بـ"الحزام والطريق"

في أبريل 2019، توجه الرئيس السيسي إلى بكين للمشاركة في قمة منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي.

وخلال القمة، أكد الجانب المصري أهمية موقع قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها باعتبارهما عنصرين محوريين في مبادرة الحزام والطريق، بما يربط مشروعات التنمية المصرية بشبكات التجارة والاستثمار الصينية.

وفي هذه المرحلة، بدأ التعاون يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا: ممرات نقل ومناطق صناعية وموانئ وعلاقات تجارية واستثمارية.

image1_420192711524 (1)
خلال لقاء الرئيس السيسي بالرئيس الصيني في قمة منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي  أبريل 2019

2022.. القطار الكهربائي يدخل المشهد

في 2022، انتقل مشروع القطار الكهربائي الخفيف LRT من مرحلة التخطيط والتنفيذ إلى التشغيل التجريبي ثم الخدمة، ليربط عدلي منصور بالعاصمة الإدارية الجديدة والعاشر من رمضان.

وفي سبتمبر 2022، بدأت وزارة النقل تطبيق اشتراكات مخفضة لمستخدمي القطار الكهربائي الخفيف، بالتزامن مع الاستعدادات لانتقال الوزارات إلى العاصمة الإدارية.

وبذلك أصبحت إحدى الاتفاقات التي ارتبطت بالتعاون المصري الصيني في السنوات الأولى وسيلة نقل فعلية على الأرض.

image-2-800x533.jpeg
مشروع القطار الكهربائي الخفيف LRT

يناير 2024.. مصر عضو في بريكس

في أغسطس 2023، اتخذت قمة بريكس في جوهانسبرج قرارًا بدعوة مصر إلى الانضمام إلى المجموعة، على أن تبدأ العضوية اعتبارًا من يناير 2024.

الخطوة لم تكن مجرد توسع في العلاقات الاقتصادية، وإنما وضعت مصر داخل تجمع يضم الصين إلى جانب قوى اقتصادية كبرى من الجنوب العالمي، بعد سنوات من مشاركة السيسي في قمة بريكس كضيف، انتقلت مصر إلى عضوية المجموعة نفسها.

مع بداية عام 2024، أصبحت مصر رسميًا عضوًا في مجموعة بريكس، وبالنسبة للعلاقة مع الصين، أضافت العضوية إطارًا جديدًا للتعاون، فلم تعد العلاقات المصرية الصينية محصورة في الإطار الثنائي، وإنما أصبحت جزءًا من تنسيق أوسع داخل أحد أهم التجمعات الاقتصادية والسياسية للدول النامية.

67ed6dd0-900e-11ef-bdd6-91ca65a36254-file-17295577
أعضاء “البريكس”

مايو 2024.. الرئيس السيسي في بكين مجددًا

في مايو 2024، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة دولة إلى الصين خلال الفترة من 28 إلى 31 مايو، بدعوة من الرئيس شي جين بينج، وجاءت الزيارة في الذكرى العاشرة لرفع مستوى العلاقات المصرية الصينية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وخلال الزيارة، أكد الجانبان أن العلاقات شهدت تقدمًا كبيرًا في مختلف المجالات، واتفقا على مواصلة تعميقها وتوسيع مجالات التعاون.

cover-old-2jpg
الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي الرئيس الصيني في بكين مايو 2024

والتقى السيسي رئيس شركة CSCEC الصينية، وناقش الجانبان المشروعات المشتركة والتعاون في مجالات البناء والبنية التحتية، في إشارة إلى انتقال التعاون من توقيع الاتفاقات إلى توسيع نطاق المشروعات القائمة بالفعل.

رئيس-الشركة-الصينية-العامة-للهندسة-المعماريةjpeg
الرئيس السيسي يلتقي رئيس الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية “CSCEC” مايو 2024

2025.. المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تتوسع

في يوليو 2025، وقعت مصر والصين اتفاقًا لتوسعة منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية “تيدا” داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتضمن الاتفاق تطوير مساحة إضافية تبلغ 2.86 كيلومتر مربع باستثمارات صينية قدرها 100 مليون دولار في البنية الأساسية، ليرتفع إجمالي مساحة المنطقة إلى أكثر من 10 كيلومترات مربعة مع استكمال المراحل السابقة.

وهنا تظهر واحدة من أهم نتائج العقد الماضي: الصين لم تعد مجرد مستثمر في مشروع منفرد، بل أصبحت جزءًا من منظومة صناعية مرتبطة بقناة السويس والتصدير والأسواق الإقليمية.

2025072544c086f736f74d868b2b26a9b50a78fb_CcrbaaA00
منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية “تيدا”

2026.. الصين في مصر والمشروعات على الأرض

بحلول عام 2026، أصبحت خريطة التعاون أكثر اتساعًا، حيث تستضيف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، منطقة تيدا أكثر من 200 شركة صينية، باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وتوفر أكثر من 70 ألف فرصة عمل، وفق بيانات رسمية مصرية.

وفي العام نفسه، استمرت الاستثمارات الصينية في التوسع داخل المنطقة، مع وضع حجر الأساس لمشروعات صناعية جديدة، من بينها مشروع لشركة “لونج مارش” الصينية للإطارات في منطقة السخنة الصناعية.

كما شهد 2026 الإعلان عن مشروعات صينية جديدة في قطاعات صناعية، من بينها مشروع لإنتاج الألومنيوم باستثمارات مستهدفة تبلغ ملياري دولار، بما يعكس انتقال التعاون إلى مشروعات صناعية ضخمة ذات طابع إنتاجي.

إطارات-Long-March-الشهيرة-المقرر-إنتاجها-في-مصر-صو
شركة “لونج مارش” الصينية للإطارات

أغسطس 2026.. شي يعود إلى القاهرة

بعد عقد من الزيارة التاريخية الأولى، أعلنت الرئاسة المصرية أن الرئيس الصيني شي جين بينج سيزور مصر مجددًا، حيث يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

لكن الفارق بين زيارة 2016 وزيارة 2026 لا يظهر فقط في الملفات المطروحة على مائدة القمة، وإنما في المشهد الذي ستجري فيه القمة نفسها.

في 2016، كانت العاصمة الإدارية مشروعًا في بدايات التنفيذ، وكان القطار الكهربائي اتفاقًا وتمويلًا، وكانت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تبحث عن جذب الاستثمارات.

أما في 2026، فالعاصمة الجديدة تضم منطقة أعمال مركزية وأبراجًا تنفذها شركة صينية، والقطار الكهربائي أصبح جزءًا من شبكة نقل حديثة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحولت إلى قاعدة تضم عشرات الشركات والمصانع الصينية، فيما أصبحت مصر عضوًا في بريكس.

 ليست مجرد قصة زيارتين رئاسيتين

القصة بين زيارتي شي جين بينج إلى مصر في 2016 و2026 ليست مجرد قصة زيارتين رئاسيتين، وإنما خط زمني لتحول العلاقة المصرية الصينية من إعلان النوايا إلى اختبار التنفيذ.

خلال عشر سنوات، انتقلت العلاقة من الاتفاق على مشروعات البنية الأساسية إلى ظهور تلك المشروعات في المشهد المصري، ومن البحث عن الاستثمارات إلى توسع مناطق صناعية صينية، ومن المشاركة في مبادرات وتجمعات اقتصادية إلى عضوية مصر في بريكس، ويبقى السؤال الذي تطرحه زيارة 2026 مختلفًا عن سؤال 2016: إذا كان العقد الأول قد شهد بناء الأساس.. فماذا سيُبنى في العقد التالي؟

اقرأ أيضًا

التبادل التجاري بين مصر والصين يقفز 21.5% في 6 أشهر