آخرها أزمة أحمد عدلي.. "كش ملك" وسنوات من الصراع فوق رقعة الشطرنج المصرية
أحمد عدلي
لم يعد الحديث عن أزمات الشطرنج في مصر مرتبطًا بخلاف عابر بين لاعب واتحاد أو بنتيجة بطولة، فخلال السنوات الأخيرة تحولت الخلافات داخل اللعبة إلى سلسلة متواصلة من الأزمات الإدارية والقانونية والمالية، امتدت آثار بعضها إلى خارج الحدود ووصلت إلى الاتحاد الدولي للشطرنج “FIDE”.
ورغم أن مصر ظلت واحدة من أهم الدول العربية والأفريقية في اللعبة من حيث عدد اللاعبين والمواهب والنتائج الدولية، واجه اتحاد الشطرنج سلسلة من الصراعات التي أثرت على صورته وعلى العلاقة بينه وبين عدد من أبرز اللاعبين.
أزمة أحمد عدلي
وتأتي الأزمة الأخيرة المتعلقة بأحمد عدلي لتعيد فتح هذا الملف من جديد، فعدلي ليس مجرد لاعب مصري بارز، بل سبق له أن تولى رئاسة اللجنة المؤقتة التي أدارت الاتحاد في واحدة من أخطر فتراته، وساهمت تلك اللجنة في إعادة العلاقات مع الاتحاد الدولي وإنهاء العقوبة التي كانت مفروضة على مصر.
وبعد انتهاء مهمته وعودة الاتحاد إلى مجلس منتخب برئاسة مختار عمارة، تحول عدلي إلى صاحب أكاديمية ومنظم للبطولات، قبل أن يدخل في خلافات جديدة مع الاتحاد وصلت، بحسب روايته، إلى عرقلة تنظيم بطولات تابعة لمشروعه.

الخلافات الداخلية
ظهرت الأزمات لأول مرة عام 2023، بعد خلافات حادة بين رئيس الاتحاد آنذاك هشام الجندي وعدد من أعضاء مجلس الإدارة، وتحولت هذه الخلافات إلى إجراءات متبادلة ومذكرات أمام وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية.
وفي أغسطس من العام نفسه، حدث انقسام داخل مجلس الإدارة وإيقاف عدد من الأعضاء، بينما أعلن الاتحاد من جانبه إعادة تشكيل بعض لجانه.
وزادت الصورة تعقيدًا مع دخول الاتحاد المصري في خلافات مع الاتحاد العربي للشطرنج، ففي مارس 2023 أعلن الاتحاد العربي وقف التعامل مع رئيس الاتحاد المصري وقتها هشام الجندي، في خطوة عكست حجم التوتر الذي كان يحيط بإدارة اللعبة المصرية على المستوى الإقليمي أيضًا.
ماذا حدث في شرم الشيخ؟
كانت بطولة العالم للناشئين تحت 8 و10 و12 عامًا، التي استضافتها شرم الشيخ في أكتوبر 2023، الحدث الذي نقل الخلافات من نطاقها المحلي إلى المستوى الدولي.
واستعدت مصر للبطولة باعتبارها واحدة من أهم الأحداث التي تستضيفها لكن أحداث السابع من أكتوبر 2023 في غزة غيرت المشهد بالكامل.
وقررت اتحادات ولاعبون عدم المشاركة أو الانسحاب من البطولة نتيجة المخاوف الأمنية المرتبطة بالمنطقة ككل وليس مصر تحديدا، وهو ما أدى لاحقًا إلى نزاع حول الرسوم التي كانت قد دُفعت للاتحاد المصري.
وفقًا للوثائق الرسمية الصادرة عن الاتحاد الدولي للشطرنج، كان هناك 172 شخصًا على الأقل من 12 اتحادًا تأثروا بهذه الأزمة، واعتبر الاتحاد الدولي أن هناك مبالغ كان يجب ردها إلى اتحادات ولاعبين لم يشاركوا في البطولة.
كما أشار إلى أن الاتحاد المصري لم يقدم المعلومات والمستندات المطلوبة ولم يبدأ في تسوية الدين بالطريقة التي طلبها الاتحاد الدولي.
ودافع هشام الجندي عن موقف الاتحاد، وقال إن الانسحابات حدثت في ظروف استثنائية، وإن الاتحاد كان قد أنفق بالفعل مبالغ كبيرة على تجهيز البطولة واستضافة المشاركين.

كما أشار إلى أن اللوائح المعمول بها وقتها لم تكن، من وجهة نظره، تلزم الاتحاد بإعادة الأموال بالطريقة التي طالب بها FIDE.
وهكذا أصبحت الأزمة أمام روايتين متعارضتين، رواية دولية تتحدث عن التزامات مالية وإدارية لم تُنفذ، ورواية من الاتحاد المصري للشطرنج ترى أن الاتحاد تحمل خسائر كبيرة وأن موقفه كان يستند إلى لوائح البطولة والظروف الاستثنائية التي أحاطت بها.
تعليق عضوية مصر في الاتحاد الدولي
وفي مارس 2024 وصلت الأزمة إلى أخطر مراحلها عندما قرر الاتحاد الدولي للشطرنج تعليق عضوية الاتحاد المصري.
ولم يكن القرار مجرد إجراء إداري بسيط، وإنما تضمن حرمان الاتحاد من تنظيم البطولات المصنفة من FIDE ومن بعض حقوقه في التمثيل الدولي، كما تأثر اللاعبون المصريون بالموقف وأصبح بإمكانهم المشاركة مؤقتًا تحت علم الاتحاد الدولي بدلًا من العلم المصري في بعض البطولات.
وكان القرار بمثابة ضربة قوية للعبة في مصر، لأن تبعاته لم تكن ستقتصر على مجلس الإدارة المسؤول عن الأزمة، وإنما كان من الممكن أن تمتد إلى اللاعبين والمنتخبات والبطولات المحلية والدولية.
كما أن تعليق العضوية وضع الاتحاد المصري تحت ضغط مباشر من وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية، خصوصًا أن استمرار العقوبة كان سيعني عزل مصر عن جزء مهم من منظومة الشطرنج العالمية.
وفي قراره، أشار FIDE بصورة واضحة إلى أزمة الأموال المرتبطة ببطولة العالم للناشئين، وإلى عدم استكمال الإجراءات المطلوبة من جانب الاتحاد المصري، كما اتخذ إجراءات مرتبطة بمسؤولي الإدارة السابقة.
المنقذ أحمد عدلي
وفي وسط هذه الظروف، ظهر أحمد عدلي في موقع مختلف تمامًا عن صورته المعروفة كلاعب وبطل عالمي للشباب.
وفي مارس 2024 تم اختياره رئيسًا للجنة المؤقتة التي تولت إدارة الاتحاد المصري بعد استقالة الإدارة السابقة، لتبدأ واحدة من أكثر مراحل مسيرته ارتباطًا بالإدارة الرياضية.
وكانت مهمة عدلي ثقيلة؛ فاللجنة لم تتسلم اتحادًا يعمل في ظروف طبيعية، وإنما مؤسسة تواجه عقوبة دولية وملفًا ماليًا معقدًا وعلاقات متوترة مع أطراف مختلفة، ولذلك كان أول اختبار حقيقي للإدارة الجديدة هو إعادة الاتحاد إلى المنظومة الدولية وتسوية الأزمة مع FIDE.
وبعد أسابيع من تولي اللجنة المؤقتة مهامها، بدأت الأزمة تنفرج، وأعلن FIDE في أبريل 2024 أنه تلقى دفعة جزئية من الأموال محل النزاع، وأن عملية تسوية المبالغ المستحقة بدأت، كما أشاد بالجهود التي بذلتها وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية واللجنة المؤقتة التي كان يرأسها أحمد عدلي.
وقرر الاتحاد الدولي إعادة الحقوق الكاملة للاتحاد المصري، بما في ذلك حق تنظيم البطولات وعودة اللاعبين إلى المشاركة.
كما أكد اعترافه باللجنة المؤقتة التي قادها عدلي باعتبارها الجهة التي تمثل الاتحاد المصري في تلك المرحلة.
أكاديمية عدلي
انتهت المرحلة المؤقتة بإجراء انتخابات جديدة في ديسمبر 2024، وأسفرت عن انتخاب مختار عمارة رئيسًا للاتحاد المصري للشطرنج حتى عام 2028، ومع وصول المجلس الجديد، بدأت مرحلة مختلفة في العلاقة بين الإدارة وبين أحمد عدلي.
وكانت عملية الانتقال نفسها تحتاج إلى إجراءات تسليم وتسلم بين اللجنة السابقة والمجلس المنتخب، وهو ما جرى الحديث عنه إعلاميًا في أعقاب الانتخابات.
وبذلك خرج عدلي من موقع رئيس الاتحاد وعاد إلى أدواره المرتبطة باللعب والتدريب وتنظيم الأنشطة الخاصة.
.jpg)
بعد انتهاء مهمته الإدارية، توسع نشاط أحمد عدلي في مجال التدريب وتنظيم البطولات من خلال أكاديميته.
وأصبحت الأكاديمية جزءًا من المشهد الخاص بالشطرنج المصري، كما حصلت على اعتماد ضمن قائمة الأكاديميات المعترف بها من FIDE.
ومع الوقت، لم تعد أنشطة عدلي تقتصر على التدريب، وإنما دخلت بقوة في مجال تنظيم البطولات والمهرجانات التي تستقطب مئات اللاعبين، وهو ما ظهر بوضوح في مهرجان «عدلي» خلال السنوات الأخيرة.
إيقاف أحمد عدلي وإحالته للتحقيق
ولم تمر العلاقة بين الطرفين بهدوء كامل بعد الانتخابات، ففي 2025 ظهرت تقارير صحفية تحدثت عن قرار الاتحاد المصري إيقاف أحمد عدلي وإحالته للتحقيق، وهو ما أكد أن الخلاف بين الطرفين لم يكن مرتبطًا فقط بمرحلة الانتخابات أو انتقال السلطة.
وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها سبقت الأزمة الحالية بنحو عام، وبالتالي فإن الحديث عن أزمة سبتمبر 2026 الحالية، إذ كانت هناك بالفعل علاقة متوترة بين عدلي ومجلس الإدارة الحالي قبل أن يصل الخلاف إلى ملف البطولات التي ينظمها.
أزمة شروق وفا
وفي العام نفسه ظهرت أزمة أخرى لافتة عندما أعلنت لاعبة المنتخب المصري شروق وفا اعتراضها على طريقة تعامل الاتحاد معها، وتحدثت عن تلقيها عرضا من أيرلندا لتمثيل منتخبها، قبل أن تتدخل وزارة الشباب والرياضة في الأزمة.
ورغم أن هذه الواقعة لا ترتبط مباشرة بأحمد عدلي، فإنها تكشف عن نمط متكرر في الشطرنج المصري خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تتصاعد الخلافات بين اللاعبين والاتحاد إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم تدخل الجهات الرسمية لحل النزاع.
وفي سبتمبر 2026، انفجرت أزمة أحمد عدلي مرة أخرى، وهذه المرة من خلال أحمد عدلي نفسه، إذ تحدث عن تعرض بطولة كان يستعد لتنظيمها للإلغاء، واتهم الاتحاد المصري للشطرنج بالتسبب في مشكلات قال إنها استمرت، بحسب روايته، لنحو عام ونصف.
“من يملك القرار؟”
وازدادت الأزمة تعقيدًا ففي بداية سبتمبر 2026 نُشرت أخبار عن النسخة الرابعة من مهرجان «عدلي ألعب بباور»، وكان مقررًا أن تقام خلال الفترة من 3 إلى 5 سبتمبر، بمشاركة مئات اللاعبين، إلى جانب منافسات للناشئين والمكفوفين وذوي الهمم.
كما تظهر البطولة في قاعدة بيانات Chess-Results باسم Adly Power Play Chess Festival 2026، وهو ما يؤكد أن بطولة بهذا الاسم كانت مدرجة بالفعل في قواعد بيانات الشطرنج خلال تلك الفترة قبل أن تلغى ويخرج أحمد عدلي عبر صفحته الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي ويهاجم الاتحاد قائلا:
- “أواجه أزمة مع الاتحاد المصري للشطرنج منذ نحو عام ونصف، وتواصلت مع جميع الجهات المسؤولة من أجل حلها”.
- “أسست أكاديمية لتعليم الأطفال، ونجحنا في صناعة أبطال يرفعون علم مصر، ونظمنا بطولات للناشئين وذوي الهمم والمكفوفين"
- “صدرت تعليمات بإلغاء بطولة كنا نستعد لتنظيمها، رغم أن شركتنا مساهمة ومرخصة من وزارة الشباب والرياضة”.
- "إلغاء البطولة سيتسبب في خسائر كبيرة، بعدما تجاوزت تكلفتها مليون جنيه، وقد نضطر إلى إغلاق المشروع".
- “لا أطلب دعمًا ماليًا، وكل ما أطلبه هو السماح لنا بالعمل وتنظيم البطولات ومساعدة أبطال مصر”.
- "هدفي هو صناعة جيل جديد من أبطال الشطرنج والحفاظ على المواهب المصرية، وأطالب المسؤولين بالتدخل وحل الأزمة".
الحوكمة المطلوبة
وعند وضع جميع هذه الوقائع بجانب بعضها، تظهر مشكلة أعمق من الخلاف الحالي، فالأزمة تبدو مرتبطة بصورة أكبر بمسألة "الحوكمة" داخل اللعبة، من يملك القرار؟ وما حدود سلطة الاتحاد؟ وكيف يمكن للاعبين والأكاديميات الخاصة تنظيم أنشطة مستقلة؟ ومتى يصبح نشاط الأكاديمية مرتبطًا بالاتحاد رسميًا؟
وتصبح هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في حالة أحمد عدلي تحديدًا، لأنه يجمع بين عدة صفات في وقت واحد، فهو لاعب مصري كبير، وبطل عالمي سابق، ورئيس سابق للجنة إدارة الاتحاد، وصاحب أكاديمية، ومنظم للبطولات، وبالتالي فإن أي خلاف بينه وبين الاتحاد لا يمكن فصله بسهولة عن تاريخ العلاقة بين الطرفين.
كما أن وجود مئات اللاعبين والجوائز والرعاة والفنادق يجعل تنظيم البطولات نشاطًا له جانب اقتصادي واضح، وبالتالي فإن أي قرار بإلغاء بطولة يمكن أن يترتب عليه أثر مالي حقيقي على المنظمين واللاعبين والجهات المستضيفة.
وعند النظر إلى السنوات الثلاث الأخيرة، يمكن ملاحظة أن كل أزمة كانت تبدو في البداية منفصلة عن الأخرى، لكنها في النهاية تدور حول سؤال واحد، كيف تُدار لعبة الشطرنج في مصر؟
اقرأ أيضًا
مورينيو قبل مواجهة ريال بيتيس: الفوز يتطلب أفضل نسخة من ريال مدريد
الأكثر قراءة
-
بعد مكة وكيان.. محمد صلاح يرزق بمولود جديد (تفاصيل)
-
بعد إعلان قدومه.. شقيقة محمد صلاح تكشف اسم نجله الجديد برسالة مؤثرة
-
"طردوني وكسروا سناني".. أميرة تكشف كواليس اعتداء أسرة زوجها عليها بسبب الشيبسي؟
-
سعر صرف الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس 3 سبتمبر 2026.. بكم الآن؟
-
رغم تمسك النادي به.. سبب صادم وراء قلة مشاركة حمزة عبد الكريم مع برشلونة
-
"هات الطقم بتاعك نديه للاعب تاني".. أزمة بين محمود جهاد والزمالك
-
"مش كل مستأجر له شقة بديلة".. قانون الإيجار القديم يكشف شروط وأولوية التخصيص
-
طفلة بعمر 6 سنوات تهز مجلس نادي الجزيرة.. هل يساوي القانون الابن المكفول بالبيولوجي؟
أخبار ذات صلة
مصر تغيّر قواعد اللعبة.. استراتيجية جديدة تُقلق إسرائيل
02 سبتمبر 2026 05:33 م
جيل يبشّر بالمجد.. منتخب مصر 2009 بين برونزية أفريقيا وحلم المونديال
02 سبتمبر 2026 08:47 م
"لعبة جهنم".. الوجه المرعب لكرة القدم
01 سبتمبر 2026 08:23 م
فاتح تيكي.. أسطورة طرابزون الذي أعاد النادي للتتويج قبل النهاية الصادمة
01 سبتمبر 2026 09:11 م
أكثر الكلمات انتشاراً