الإثنين، 07 سبتمبر 2026

02:03 م

من التكليف إلى التسعير.. 6 أزمات "خانقة" تهدد مستقبل الصيادلة في مصر

الصيادلة في مصر

الصيادلة في مصر

تواجه مهنة الصيدلة في مصر أزمات متشابكة، تبدأ من ارتفاع أعداد الخريجين وعدم توازنها مع احتياجات سوق العمل، ولا تنتهي عند اقتصاديات الصيدليات وارتفاع تكاليف التشغيل ومشكلات تسعير الدواء والأدوية منتهية الصلاحية، بالتزامن مع استمرار الحراسة القضائية على النقابة.

وبينما يرى صيادلة أن هذه الملفات تحولت إلى أزمة هيكلية تهدد مستقبل المهنة، يظل الصيدلي أحد أكثر مقدمي الخدمات الصحية انتشارًا وقربًا من المواطن، خاصة في القرى والمناطق النائية.

هل تحولت زيادة أعداد الصيادلة إلى أزمة في سوق العمل؟

قال الدكتور أحمد طلعت أبو دومة، عضو مجلس النقابة العامة للصيادلة، إن مهنة الصيدلة تعيش واحدة من أسوأ الفترات التي مرت بها، مرجعًا جانبًا من الأزمة إلى التوسع في قبول أعداد الطلاب بكليات الصيدلة وإنشاء كليات جديدة بالجامعات الخاصة.

وأوضح طلعت أبو دومة في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، أن زيادة أعداد الخريجين دون وجود فرص عمل تستوعب هذه الأعداد أدت، بحسب رؤيته، إلى اختلال ميزان العرض والطلب في سوق العمل.

ويتفق الدكتور محفوظ رمزي عطية، رئيس لجنة التصنيع الدوائي واللجنة الإعلامية بنقابة صيادلة القاهرة، مع هذا الطرح، موضحًا أن أعداد الصيادلة المقيدين نقابيًا تقترب من 370 ألف صيدلي، ما أدى إلى حالة من التشبع في سوق العمل، وأضعف فرص الاستقرار المهني، خصوصًا أمام حديثي التخرج.

ويرى عطية أن التعامل مع الملف يحتاج إلى ضبط أعداد المقبولين بكليات الصيدلة وربطها باحتياجات سوق العمل الفعلية.

ماذا حدث بعد تقييد التكليف الحكومي؟

يمثل التكليف الحكومي أحد أبرز الملفات التي أثرت في مستقبل خريجي الصيدلة، بحسب أبو دومة، الذي وصف الاتجاه إلى تكليف عدد محدد من الخريجين وفقًا للاحتياجات بـ"صفعة التكليف الجزئي".

وأوضح أن القرار أثار حالة من الغضب بين الصيادلة وأولياء الأمور، خاصة أن العمل الحكومي كان يمثل بالنسبة إلى كثير من الخريجين مسارًا مهنيًا مستقرًا عقب التخرج.

ويرى عطية أن التكليف كان لسنوات نقطة انطلاق مهمة للخريج، بما يوفره من فرصة للعمل واكتساب الخبرة والحصول على دخل ثابت، مشيرًا إلى أن تقييده بالتناسب مع الاحتياجات الفعلية ترك أعدادًا من الخريجين أمام سوق عمل يعاني بالفعل من التشبع.

وأكد أن المطلوب هو وضع رؤية واضحة توازن بين احتياجات القطاع الصحي وأعداد خريجي كليات الصيدلة.

كيف أثرت التسعيرتان في اقتصاديات الصيدليات؟

لم تتوقف أزمات المهنة عند سوق العمل، إذ يواجه أصحاب الصيدليات ضغوطًا اقتصادية متزايدة.

وقال أبو دومة إن قرار البيع بسعرين كان من أبرز الأزمات التي أثرت في اقتصاديات الصيدليات، مؤكدًا أنه أدى إلى تآكل رأس المال، خاصة مع الزيادات المتتالية في أسعار الأدوية.

ويشرح عطية أن المشكلة تظهر بصورة واضحة عندما يمتلك الصيدلي مخزونًا من الدواء تم شراؤه بالسعر القديم، بينما تصل إليه الكميات الجديدة بالسعر المرتفع، ما يخلق فارقًا في قيمة المخزون ويضغط على السيولة اللازمة لإعادة شراء الأدوية وتشغيل الصيدلية.

وبحسب رؤيته، قد يجد الصيدلي نفسه في مواجهة مباشرة مع المواطن بسبب اختلاف الأسعار، رغم أن الفارق يرتبط في الأساس بتغير سعر شراء الدواء.

هل يواكب هامش الربح ارتفاع تكاليف التشغيل؟

يؤكد الدكتور أحمد طلعت أبو دومة عضو مجلس النقابة العامة، أن ارتفاع أسعار الأدوية لم يكن الأزمة الوحيدة التي تواجه الصيدليات، إذ ارتفعت كذلك تكاليف التشغيل، بما يشمل فواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب أجور العمالة وغيرها من الالتزامات.

وأشار إلى أن هامش ربح الصيدليات ظل ثابتًا لسنوات منذ صدور قرار التسعير رقم 499، بينما ارتفعت أعباء التشغيل بصورة متواصلة، لافتًا كذلك إلى وجود مشكلات في التطبيق الصحيح للقرار من جانب الشركات، بحسب قوله.

ويضيف عطية أن ارتفاع الإيجارات والكهرباء والضرائب، بالتزامن مع الضغوط على هامش الربح، انعكس على قدرة بعض الصيدليات على توفير رواتب مناسبة للعاملين والخريجين الجدد.

ويرى أن الأزمة الاقتصادية لا تؤثر فقط في صاحب الصيدلية، وإنما تمتد إلى سوق العمل وأوضاع الصيادلة حديثي التخرج.

ماذا يفعل الصيدلي أمام الأدوية منتهية الصلاحية؟

تمثل الأدوية منتهية الصلاحية ملفًا آخر يضغط على اقتصاديات الصيدليات.

وقال أبو دومة إن تراكم الأدوية المنتهية يمثل أزمة مستمرة، مشيرًا إلى ما وصفه بتعنت بعض شركات التوزيع في استلام المرتجعات وفرض شروط صعبة لإتمام عمليات الارتجاع.

وأوضح أن هيئة الدواء المصرية تدخلت في هذا الملف من خلال تبني مشروع "ووش أوت"، إلا أن الصيدلي، بحسب قوله، لا يزال يواجه عقبات في التنفيذ.

ومن جانبه، يرى عطية أن المشكلة لا تقتصر على التخزين، وإنما تمثل خسارة مالية مباشرة للصيدلية، إذ تتحول قيمة الأدوية المنتهية إلى أموال مجمدة تستنزف رأس المال.

ويطالب بوجود آليات واضحة وملزمة تضمن التعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية وإعادتها وفق قواعد محددة بين الصيدليات والشركات والموزعين.

هل يحصل الصيدلي على الحماية الكافية في سوق الدواء؟

يرى أبو دومة أن الصيدلي يواجه كذلك ممارسات تمثل اعتداءً على نطاق عمله، من خلال تداول وبيع الأدوية داخل بعض العيادات والمستوصفات، فضلًا عن بيعها عبر صفحات التواصل الاجتماعي.

ويؤكد أن هذه الممارسات تفرض منافسة غير عادلة على الصيدليات، مطالبًا بتوفير حماية أكبر للمهنة وتنظيم تداول الدواء وقصره على القنوات القانونية المعتمدة.

ويربط عطية هذا الملف بصورة أوسع بمكانة الصيدلي داخل المنظومة الصحية، مؤكدًا أن الصيدلي ليس مجرد بائع للدواء، وإنما متخصص في علوم الدواء وأحد خطوط الدفاع الأولى عن صحة المريض.

لماذا أصبحت الحراسة القضائية ملفًا مستمرًا في المهنة؟

تظل الحراسة القضائية على نقابة الصيادلة واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل المجتمع الصيدلي.

وقال أبو دومة إن استمرار الحراسة القضائية لما يقرب من 7 أعوام حرم الصيادلة، بحسب رؤيته، من وجود مجلس نقابي منتخب يتبنى مطالبهم ويدافع عن حقوقهم ويمثلهم قانونيًا.

وأشار عطية إلى أن الحراسة القضائية المفروضة على النقابة منذ مايو 2019 أثرت، من وجهة نظره، على قدرة الصيادلة على إدارة شؤون مهنتهم من خلال مؤسسات نقابية منتخبة، معتبرًا أن عودة مجلس نقابي حر ومنتخب تمثل خطوة أساسية للتعامل مع الأزمات الحالية.

ما الحل للخروج من بحر الأزمات؟

يتفق المتحدثان على أن أزمات الصيادلة لم تعد ملفات منفصلة، وإنما أصبحت منظومة مترابطة تحتاج إلى تدخلات متوازية.

ويطرح عطية عددًا من الملفات التي يرى ضرورة التعامل معها، وفي مقدمتها ضبط أعداد المقبولين بكليات الصيدلة، وتنظيم سوق العمل، ووضع آليات ملزمة للتعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية، ومراجعة اقتصاديات الصيدليات وهوامش الربح، إلى جانب إنهاء حالة الجمود النقابي وعودة مجلس منتخب.

أما أبو دومة، فيرى أن معالجة هذه الأزمات يجب أن تراعي الدور الذي يؤديه الصيدلي في المنظومة الصحية، باعتباره من أكثر مقدمي الخدمة الدوائية انتشارًا في مختلف أنحاء الجمهورية.

ويؤكد أن الصيدلي موجود في القرى والمناطق النائية والمدن والأحياء، وغالبًا ما يمثل نقطة الاتصال الأولى للمريض مع المنظومة الصحية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها الأسر المصرية.

ويشير إلى الدور الذي أدته الصيدليات والصيادلة خلال جائحة كورونا، معتبرًا أن ما قدموه من جهود توعوية وخدمية يعكس أهمية المهنة داخل النظام الصحي.

وبين أزمة سوق العمل وضغوط اقتصاديات الصيدليات ومشكلات الدواء والتمثيل النقابي، تبدو مهنة الصيدلة أمام اختبار حقيقي: هل تكفي الحلول الجزئية لاحتواء هذه الأزمات، أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة للمهنة وسوق الدواء؟.

اقرأ أيضًا..

مينا يعيد فتح جراح 76 ألف صيدلية لم تندمل.. مديونيات

search