الجمعة، 11 سبتمبر 2026

01:12 م

"تليجراف مصر" ترصد من داخل حوار المناخ: مدن تتآكل وتلوث عابر للحدود وارتفاع في مياه البحار

وزير البيئة وتغير المناخ في تركيا

وزير البيئة وتغير المناخ في تركيا

لم يكن الحديث عن تغير المناخ خلال الأيام التي أمضيتها ضمن الفريق الإعلامي الدولي المشارك في برنامج “الطريق إلى COP31” في تركيا، مجرد نقاشات نظرية تدور داخل قاعات المؤتمرات، بل تحول إلى مشاهد ومشروعات وجولات ميدانية جعلت السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا سيحدث للدول التي لا تملك المال أو التكنولوجيا أو الموارد الكافية لمواجهة ما يقترب منها؟

من أنقرة إلى طرابزون، ثم إلى مواقع ومشروعات مرتبطة بحماية البيئة وإعادة تدوير المخلفات وإدارة الموارد، كانت الرسالة المشتركة التي تتكرر في النقاشات والفعاليات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى وهي أن المناخ لم يعد ملفاً يمكن تأجيله، ولم تعد حماية البيئة ترفاً للدول القادرة على تحمل تكلفتها.

ففي عالم ترتفع فيه درجات الحرارة، وتتزايد موجات الحر والجفاف والفيضانات والحرائق، وتتغير النظم البيئية، أصبح تغير المناخ يمس تفاصيل الحياة اليومية، من المياه والغذاء والطاقة إلى المدن والسواحل والاقتصاد وفرص العمل.
جرس الإنذار الذي رصدته خلال جولة شملت مصانع للتخلص من النفايات وتدويرها، ومنشأة متقدمة لتوعية الناس بكيفية تصنيف نفاياتهم واستخدام منتجات أقل ضرر هو أن  الخطر لا يتوزع بالتساوي، فالدول النامية، التي تعاني أصلاً محدودية الموارد وارتفاع تكلفة التمويل وضغوط التنمية، قد تجد نفسها أمام معادلة شديدة القسوة وهي الأقل قدرة على الإنفاق على التكيف، لكنها في الوقت نفسه من بين الأكثر تعرضاً لتداعيات تغير المناخ.

خلال المشاركة في أعمال البرنامج الإعلامي الدولي، بدا واضحاً أن تركيا لا تريد تقديم COP31 باعتباره مؤتمراً جديداً يضاف إلى سلسلة المؤتمرات الدولية التي تضمنت كثيراً من النقاشات والالتزامات دون ترجمة حقيقية، وإنما تسعى إلى اختبار نموذج مختلف يقوم على الانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

الجولات التي شاركنا فيها كشفت جانباً عملياً من هذه الرؤية؛ فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن إعادة التدوير وحماية الموارد وتقليل المخلفات، كان هناك عرض لمشروعات وتجارب على الأرض، ومحاولات لتحويل المفاهيم البيئية إلى حلول قابلة للتطبيق.

وهنا تحديداً تكمن أهمية هذه النقاشات، فحين يرى الصحفي مشروعاً لإعادة تدوير المخلفات أو حماية الموارد، ثم ينتقل إلى نقاشات المسؤولين حول تمويل مشروعات المناخ، يصبح الفارق واضحاً بين الحديث عن المشكلة والقدرة على تنفيذ الحل، وهذه هي الفجوة التي تريد تركيا أن تضعها في قلب COP31.

الخطر القادم من البحر

في طرابزون، اكتسب النقاش بعداً أكثر خطورة، فالبحر الأسود الذي بدا هادئاً أمامنا في «الحوار الأزرق» كان في الواقع واحداً من أكثر الأنظمة الطبيعية تعرضاً لضغوط تغير المناخ.

وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي ورئيس COP31، مراد كوروم، وضع المسألة بوضوح عندما قال إن الطبيعة لا تعرف الحدود، وإن البحار لا تحمل جوازات سفر، فالتلوث الذي يبدأ على ساحل دولة قد تحمله التيارات إلى دولة أخرى، وارتفاع حرارة المياه وتغير كيميائها وارتفاع مستوى سطح البحر لا تتوقف عند الحدود السياسية.

المحيطات والبحار تغطي أكثر من 70% من سطح الأرض، وتعتمد عليها مجتمعات ضخمة في الغذاء والعمل والنقل والسياحة، بينما تمتص المحيطات نحو 29% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، في مقابل تعرضها لارتفاع الحرارة وتغير الكيمياء البحرية وتراجع التنوع البيولوجي، وهكذا يصبح البحر جزءاً من معادلة الأمن القومي والاقتصادي والغذائي، وليس مجرد قضية بيئية.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

هذه الرسالة لا تخص تركيا وحدها، فمصر دولة شاطئية بامتياز، وتطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتضم سواحلها موانئ ومناطق صناعية وسياحية ومجتمعات تعتمد بصورة مباشرة وغير مباشرة على البحر.

وفي الشمال، يمثل دلتا النيل واحدة من أكثر المناطق حساسية تجاه ارتفاع مستوى سطح البحر، بما يحمله ذلك من مخاطر مرتبطة بالغمر والتآكل وتداخل المياه المالحة مع الأراضي والمياه الجوفية.

أما البحر الأحمر، فلا تقل أهميته، فالساحل المصري هناك يرتبط بقطاع سياحي بالغ الأهمية، إلى جانب منظومة الشعاب المرجانية التي تمثل ثروة بيئية واقتصادية لا يمكن تعويضها بسهولة.

وهكذا فإن ما يجري في البحر المتوسط أو البحر الأحمر لا يمكن النظر إليه باعتباره ملفاً يخص علماء البيئة وحدهم، إنه ملف يتعلق بـالمياه والغذاء والسياحة والصيد والموانئ والبنية التحتية وفرص العمل.

الدول النامية أمام المعادلة الأصعب

خلال النقاشات التي دارت في تركيا، كانت قضية التمويل واحدة من أكثر النقاط حضوراً، فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب الحلول، لأن العالم يمتلك التكنولوجيا والخبرات والعلم، وهناك رؤوس أموال تبحث عن فرص استثمارية، لكن المشكلة أن هذه العناصر لا تصل دائماً إلى الدول والمجتمعات التي تحتاج إليها.

وهنا تبرز قضية العدالة المناخية، فالدول النامية مطالبة بالتكيف مع تغير المناخ، وحماية سواحلها، وتطوير بنيتها التحتية، وتقليل التلوث، وحماية نظمها البيئية، لكنها في كثير من الأحيان لا تملك الموارد المالية اللازمة للقيام بكل ذلك بالسرعة المطلوبة، ومن هنا فإن الحديث عن المناخ من دون الحديث عن التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات يظل حديثاً ناقصاً.

لا نريد مؤتمراً آخر للوعود

في طرابزون، قال الوزير كوروم إن بلاده تريد أن تقيس نجاح COP31 بطريقة مختلفة: ليس بعدد الكلمات أو الاجتماعات، وإنما بعدد المشروعات التي تم إعدادها، وحجم التمويل الذي وصل إليها، والسواحل التي بدأت فيها أعمال الحماية، والأنظمة البيئية التي بدأت تستعيد عافيتها.

وتطرح تركيا في هذا الإطار آليات لربط المشروعات بالتمويل، وإنشاء قواعد لتبادل البيانات البحرية، ودعم مشروعات الكربون الأزرق واستعادة النظم البيئية ومكافحة التلوث البحري.

كما شدد الوزير على ضرورة مساعدة الدول الجزرية الصغيرة والدول النامية على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والخبرات.

بعد أيام من متابعة هذه الفعاليات والجولات والحوارات من أنقرة إلى طرابزون، يبدو أن السؤال لم يعد، هل يتغير المناخ؟ فالعالم يعيش بالفعل آثار الاحتباس الحراري، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً أصبح، من سيدفع تكلفة التكيف؟ ومن سيمتلك القدرة على حماية سكانه وسواحله وموارده عندما تصبح الظواهر المناخية أكثر حدة؟

وهنا تكمن خطورة الفجوة بين الدول الغنية والدول النامية، فالدولة التي تملك الموارد تستطيع بناء السدود، وتطوير شبكات الصرف، وحماية الشواطئ، وتحديث الموانئ، وتمويل البحث العلمي، واستعادة النظم البيئية، أما الدولة التي تكافح أصلاً لتوفير احتياجات التنمية الأساسية، فقد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تمويل التنمية اليوم أو دفع تكلفة أضرار المناخ غداً.

المطلوب من مصر

وبالنسبة إلى مصر، فإن النقاش الذي شهدته طرابزون يستحق أن يُقرأ باعتباره رسالة تحذير مبكرة، فامتلاك سواحل طويلة على بحرين استراتيجيين يمثل ثروة هائلة، لكنه يعني أيضاً مسؤولية كبيرة في مواجهة ارتفاع مستوى البحر، وتغير درجات حرارة المياه، وتآكل السواحل، والتلوث، والضغوط التي تواجه النظم البيئية البحرية.

والأهم أن حماية هذه السواحل لا يمكن فصلها عن حماية الاقتصاد المصري نفسه، فكل جنيه يُنفق اليوم على التكيف وحماية النظم البيئية قد يعني تجنب تكلفة أكبر غداً، وكل مشروع لحماية الشاطئ أو استعادة نظام بيئي أو تقليل التلوث البحري هو في الوقت نفسه استثمار في الأمن الغذائي والسياحة والمياه وفرص العمل.

ومن هنا تبدو الرسالة التي خرجت بها من طرابزون أوسع من حدود COP31: وهي أن المناخ لم يعد ترفاً، والبحر لم يعد مجرد واجهة سياحية، والتكيف لم يعد خياراً يمكن تأجيله، ففي عالم بلا حدود أمام تغير المناخ، لا تستطيع الدول النامية أن تواجه الخطر وحدها، ولا تستطيع الدول الأكثر قدرة أن تنظر إلى أزمات الآخرين باعتبارها شأناً بعيداً عنها.
البحار التي تربط العالم ببعضه قد تكون أيضاً المكان الذي تظهر فيه تكلفة التأخر في مواجهة الاحتباس الحراري، والسؤال الذي يفرض نفسه علينا ماذا يجب أن نفعل لمواجهة الخطر الذي وصل بالفعل إلى شواطئنا.

تابعونا على

search