الجمعة، 11 سبتمبر 2026

01:30 م

د. أمل منصور

إذا لم تكن لي والزمان شرم برم، فلا خير فيك والزمان ترللي

«إذا لم تكن لي والزمان شرم برم، فلا خير فيك والزمان ترللي»... عبارة تبدو في ظاهرها ساخرة، لكنها تخبئ داخل سخريتها اختبارًا قاسيًا للحب والناس.

«شرم برم» هنا بمعنى شرٌّ مبرم؛ أي أن الدنيا أصبحت في أسوأ حالاتها، وأن الظروف لم تعد سهلة ولا مريحة. أما «ترللي» فهي بمعنى تراءى لي، ظهر لي، وضح لي. وكأن العبارة تقول: إذا لم تظهر لي حقيقتك وأنت إلى جواري عندما يصبح الزمان شرًا مبرمًا، فلا معنى لأن تظهر عندما تهدأ الدنيا وتعود الأمور إلى طبيعتها.

لكنني أريد أن أذهب بهذه العبارة إلى مكان أبعد قليلًا.

لأننا اعتدنا أن نقول إن الحب الحقيقي هو الذي «يبقى وقت الشدة»، وكأن مجرد البقاء دليل كافٍ على الحب.

وأنا لا أوافق تمامًا.

فليس كل من بقي محبًا، وليس كل من رحل خائنًا.

هناك من يبقى لأنه يحبك، وهناك من يبقى لأنه يخاف الوحدة، أو يخاف كلام الناس، أو لأنه اعتاد عليك، أو لأنه لا يستطيع اتخاذ قرار الرحيل.

وهناك من يرحل لأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار دون أن يخسر نفسه، أو لأنه أدرك أن العلاقة تحولت إلى أذى متبادل، أو لأن ما بينكما لم يعد حبًا وإنما أصبح استنزافًا طويلًا يحمل اسم الحب.

إذن، ليست البطولة في أن نبقى بأي ثمن.

البطولة أن نعرف لماذا نبقى، ومتى نبقى، وكيف نبقى.

الحب الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يلغي نفسه حتى يثبت وفاءه.

ولا يقول للمرأة: «إذا كنتِ تحبينه فاحتَملي كل شيء».

ولا يقول للرجل: «إذا كنت تحبها فلا تتركها مهما فعلت».

هذه ليست دائمًا لغة الحب، بل قد تكون أحيانًا لغة الخوف من الفقد.

والخوف من الفقد يستطيع أن يجعل الإنسان مخلصًا لعلاقة انتهت، فقط لأنه لا يعرف كيف يبدأ حياته من دونها.

قد تمر المرأة بأزمة تجعلها أقل قدرة على العطاء، فيقف الرجل إلى جوارها، لا لأنه ينتظر منها مقابلًا، وإنما لأنه يعرف أن الإنسان لا يُقاس بأفضل أيامه فقط.

وقد يمر الرجل بفترة يفقد فيها بعض نجاحه أو ثقته بنفسه، فتكون المرأة إلى جواره دون أن تشعره بأنه أصبح أقل قيمة لأنه لم يعد الرجل الذي اعتادت عليه.

هذه هي اللحظات التي يكون فيها البقاء جميلًا.

لكن ماذا لو تحولت الشدة إلى إهانة؟

ماذا لو أصبح الخلاف عنفًا؟

ماذا لو أصبح الحب سيطرة؟

ماذا لو تحول الاحتياج إلى ابتزاز عاطفي؟

ماذا لو ظل أحد الطرفين يعطي ويعطي حتى لم يعد يعرف نفسه؟

هنا يصبح الرحيل أحيانًا أكثر صدقًا من البقاء.

لأن الإنسان لا يثبت حبه لنفسه بإيذائها.

وهذه حقيقة تحتاج العلاقات إلى أن تفهمها جيدًا: أن تحبني لا يعني أن تتحمل مني كل شيء، وأن أحبك لا يعني أن أحتمل منك ما يهدم إنسانيتي.

الحب ليس تصريحًا مفتوحًا للأذى.

والوفاء ليس أن أبقى واقفًا أمام باب مغلق إلى أن أفقد القدرة على المشي.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين علاقة تؤذينا، وعلاقة تمر بأزمة.

وهذا الفرق لا يراه كل الناس.

بعض الأشخاص بمجرد أن يمر الحب بأول أزمة يقولون: «إذن نحن لا نصلح لبعضنا».

وكأن العلاقة الناجحة هي التي لا تتعبنا.

والحقيقة أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها مليئة بالتفاوض، وسوء الفهم، واختلاف الطباع، واختلاف الاحتياجات، واختلاف طريقة التعبير عن الحب.

قد يحب الرجل المرأة، لكنه لا يعرف كيف يعبّر لها بالطريقة التي تحتاجها.

وقد تحب المرأة الرجل، لكنها عندما تخاف من فقده تتحول إلى شخص كثير المطالب والأسئلة.

هو يرى أسئلتها ضغطًا.

وهي ترى صمته إهمالًا.

هو ينسحب لأنه يشعر أنه متهم.

وهي تلاحقه لأنه يشعرها ابتعاده بأنها مهددة.

وفجأة يدخل الحب في دائرة لا علاقة لها بغياب المشاعر، وإنما بغياب الوعي.

وهنا تحديدًا لا يكون المطلوب أن يرحل أحدهما، بل أن يتوقف الاثنان عن محاربة بعضهما ويبدآ في مواجهة المشكلة نفسها.

أن يقولا: «نحن لسنا أعداء، نحن شخصان يحاولان أن يفهما بعضهما.»

هذه الجملة وحدها تستطيع أن تنقذ علاقات كثيرة.

لأن أخطر ما يحدث بين الرجل والمرأة ليس أن يختلفا، وإنما أن يتحول كل اختلاف إلى محاكمة لشخصية الآخر.

هو لا يقول لها: «أنا مختلف معك»، بل يقول: «أنتِ دائمًا هكذا».

وهي لا تقول: «هذا التصرف أوجعني»، بل تقول: «أنت لا تشعر بي أبدًا».

وهكذا تتحول المشكلة من «موقف» إلى «هوية».

وتبدأ كل معركة جديدة في استدعاء معارك قديمة، حتى يصبح الطرفان في نهاية كل خلاف لا يعرفان أصل المشكلة.

الحب هنا لا يحتاج إلى مزيد من الكلام، بل إلى قدر أكبر من الوعي.

فالإنسان الذي يحبك لا ينبغي أن يكون معك فقط عندما تكون الدنيا سهلة، لكنه أيضًا لا ينبغي أن يستخدم حبك ذريعة لكي يجعلك تتحمل ما لا يجب أن يتحمله إنسان.

وفي المقابل، أنت أيضًا لست مطالبًا بأن تكون المنقذ الدائم لمن تحب.

يمكنك أن تسنده دون أن تحمل حياته كلها.

يمكنك أن تقف بجواره دون أن تسير بدلًا منه.

يمكنك أن تمنحه الأمان دون أن تصبح مسؤولًا عن كل مخاوفه.

وهنا يصبح الحب أكثر نضجًا: أنا معك، لكنني لست أنت. أحبك، لكنني لا أملكك. أساندك، لكنني لا ألغي نفسي من أجلك.

الرجل يحتاج هذا الفهم، والمرأة تحتاجه بالقدر نفسه.

فالرجل ليس ماكينة عطاء، والمرأة ليست مصدرًا دائمًا للاحتواء.

كلاهما إنسان، ولكل إنسان طاقة تنفد، ومخاوف لا يتحدث عنها، وأيام لا يستطيع فيها أن يكون النسخة الأفضل من نفسه.

ولهذا لا أبحث عن إنسان يقول لي: «سأبقى معك مهما حدث».

هذه الجملة رومانسية جدًا، لكنها ليست دائمًا حكيمة.

أبحث عن إنسان يقول: «سأبقى معك ما دمنا نستطيع أن نحب بعضنا دون أن نؤذي أنفسنا، وسأحاول معك ما دامت هناك مساحة للإصلاح، وإذا جاء يوم أصبح فيه البقاء ظلمًا لك أو لي، سأعرف أن الحب لا يعني أن نؤذي بعضنا كي لا نفترق.»

هذا هو الحب الذي أفهمه.

ليس حبًا أعمى.

ولا حبًا مشروطًا بالراحة.

ولا حبًا يهرب عند أول اختبار.

ولا حبًا يتفاخر بأنه تحمل كل شيء.

بل حب يعرف متى يصبر، ومتى يتكلم، ومتى يعتذر، ومتى يغير، ومتى يضع حدودًا، ومتى يحاول مرة أخرى، ومتى يفهم أن الرحيل قد يكون أرحم من الاستمرار.

لذلك، عندما يصبح الزمان «شرم برم»، لا تنظر فقط إلى من بقي.

انظر كيف بقي.

هل بقي وهو يحميك أم يعايرك؟

هل بقي وهو يفهمك أم يذكرك كل يوم بأنه يتحملك؟

هل بقي لأنه يحبك أم لأنه يخاف أن يعيش بدونك؟

وإذا رحل، فلا تسأل فقط: «كيف استطاع أن يتركني؟»

اسأل أيضًا: هل كانت العلاقة ما زالت مكانًا صالحًا للحب؟

فبعض الرحيل خيانة، نعم.

لكن بعض الرحيل نجاة.

وبعض البقاء وفاء.

وبعض البقاء خوف.

وبعض الناس لا تعرف حقيقتهم إلا عندما تضيق الدنيا، لكن المفاجأة الأكبر أن الإنسان أحيانًا لا يعرف حقيقته هو إلا في تلك اللحظات أيضًا.

فقد تكتشف أنك كنت تظن نفسك وفيًا، ثم تكتشف أنك كنت متعلقًا.

وقد تظن أنك قوي، ثم تعرف أنك تخاف الوحدة.

وقد تظن أنك تحب، ثم تكتشف أنك كنت تحتاج فقط إلى أن يحبك أحد.

وقد تظن أن الرحيل قسوة، ثم تكتشف أنه كان أصدق قرار اتخذته لحماية ما تبقى منك.

ولهذا ربما يكون أجمل معنى للعبارة كلها ليس: «ابقَ معي مهما حدث».

بل:

إذا أصبح الزمان شرًا مبرمًا، فليظهر لي معدنك... وليظهر لك معدني.

فإن استطعنا أن نبقى دون أن نهدم بعضنا، فليكن البقاء.

وإن احتجنا إلى التغيير، فلنتغير.

وإن احتجنا إلى الاعتذار، فلنعتذر.

وإن كان هناك ما يمكن إصلاحه، فلنقاتل من أجله لا من أجل انتصار أحدنا على الآخر.

أما إذا أصبح الحب نفسه هو مصدر الأذى، فربما يكون الرحيل في بعض الأحيان آخر صورة من صور الرحمة.

وعندها فقط نفهم معنى «ترللي» على نحو مختلف:

تراءى لي من أنت عندما ساء الزمان... وتراءيتَ لي، وتراءيتُ لك، وظهر لنا أخيرًا هل كنا نحب بعضنا حقًا، أم كنا نحب فقط الأيام التي كانت تجعل الحب سهلًا.

لأن الحب الحقيقي لا يُثبت نفسه بمجرد البقاء…

بل بالطريقة التي نبقى بها، وبالطريقة التي نرحل بها أيضًا.

وهذا بالطبع يضعنا أمام سؤالا مهم .

هل الوفاء أن تبقى، أم أن تعرف متى يكون بقاؤك حبًا ومتى يصبح ظلمًا؟

رابط مختصر

تابعونا على

search