رسائل محمد بن راشد.. وعشرون عاما في دبي
هناك مدن تعيش فيها، وهناك مدن تترك فيك شيئاً منها، دبي بالنسبة لي كانت الاثنين معاً.
قرابة عشرين عاماً قضيتها في هذه المدينة، كانت كافية لأن أرى بعيني كيف يمكن لمدينة أن تتغير، وكيف يمكن لطموح كبير أن يتحول إلى واقع، وكيف يمكن للحكومة أن تصبح جزءاً من قصة التنمية، لا مجرد جهاز يديرها.
خلال هذه السنوات، لم أشاهد دبي من شاشات الأخبار، وإنما عشت تفاصيلها اليومية، رأيت شوارعها وهي تتغير، ومؤسساتها وهي تتطور، وخدماتها وهي تنتقل من مرحلة إلى أخرى، ورأيت قبل ذلك كله روحاً مختلفة في العمل الحكومي، روحاً لا تتعامل مع النجاح باعتباره محطة أخيرة، وإنما باعتباره سبباً للبحث عن نجاح أكبر.
ومن عاش في دبي سنوات طويلة، يعرف أن وراء هذا التحول شخصية قيادية كان لها حضور واضح في تفاصيله، ومن عاش مثلي في دبي يدرك مدى تعلقي، والملايين غيري، بشخصية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي وباني نهضتها.
عرفنا محمد بن راشد من خلال ما رأيناه في دبي، قائدًا سريع الإيقاع، شديد الطموح، لا يبدو مقتنعاً بسهولة بما تحقق، ودائماً هناك سؤال آخر عن الخطوة التالية، لكنني، وأنا أقرأ رسائل «علمتني الحياة»، اكتشفت أن الصورة التي رأيتها خلال عشرين عاماً كانت نصف الحكاية فقط.
رأيت القائد في العمل، وجاءت الرسائل لتكشف لي الإنسان خلف القائد، وهنا تصبح «الرسائل» أكثر من كتاب، فالرجل الذي أمضى قرابة ستة عقود في العمل العام اختار، وهو يلخص تجربته، ألا يكتب عن نفسه مباشرة، وإنما أن يكتب إلى الآخرين، إلى أخيه وصديقه ورفيق دربه، إلى زوجته، إلى أبنائه، إلى فريق عمله، وإلى أجيال ستأتي من بعده.
ومن الرسالة الأولى تقريباً، نفهم شيئاً مهماً عن الرجل، حين كتب إلى الشيخ محمد بن زايد، لم يتحدث فقط عن رئيس دولة أو شريك في مسيرة وطن، وإنما خاطبه بـ«أخي وصديقي ورفيق دربي». واستعاد في شخصه حكمة زايد ورحمته وبصيرته، ثم انتقل من القائد إلى الإنسان، ومن الدولة إلى الطفل الإماراتي الذي يخرج كل صباح إلى مدرسته آمناً، ويحلم بمستقبل بلاده.
هذا التفصيل بالذات توقفت عنده كثيراً، لأنني خلال سنواتي في الإمارات كنت أرى نتائج الإدارة والإنجاز في الشوارع والمؤسسات والمشروعات، لكن الرسالة تضع أمامك معياراً آخر للنجاح، أن يشعر طفل بالأمان، وأن يكبر وهو واثق بأن مستقبله في وطنه، وسواء اتفقت أو اختلفت من مكانك عزيزي القارئ عليك أن تدرك أنني أكتب من أرض الواقع حيث أعيش يومياً ما ورد في هذا الرسائل.
المدن تُبنى، والمباني ترتفع، والمشروعات تنجز، لكن القيمة الحقيقية في النهاية هي الإنسان الذي يعيش كل ذلك، ولهذا لم يكن غريباً أن ينتقل محمد بن راشد من الحديث عن محمد بن زايد إلى الحديث عن الأجيال، وعن الثقة والأمان والطموح.
ثم تأتي رسالة محمد بن راشد لـ حمدان بن محمد، فتتغير النبرة. ففيها لا نرى الحاكم فقط، بل الأب الذي ينظر إلى ابنه بفخر.
يصفه «ولي عهدي، وامتداد عمري، وسند مسيرتي»، لكنه في اللحظة نفسها يعلن فخره بأن حمدان لم يكن مجرد امتداد له، وإنما رسم لنفسه طريقاً متفرداً وشق درباً جديداً، وهذه نقطة شديدة الدلالة، فالقائد الحقيقي لا يريد دائماً نسخة منه، بل يريد من يأتي بعده أن يتعلم منه، ثم يتجاوزه، تماما مثلما فعل مع والده.
لذلك كان أكثر ما أثارني في الرسالة أن محمد بن راشد لم يربط نجاح ابنه بالمنصب وحده، وإنما بمحبة الناس، والقرب منهم، وتلمس احتياجاتهم، والرحمة بالصغير قبل الكبير، ثم تأتي الجملة التي تختصر فلسفة كاملة في القيادة: العظمة ليست في أن يخدمك الناس، وإنما في أن تخدم الناس.
وأنت تقرأها، تستطيع أن تفهم كثيراً من المشاهد التي رأيناها في دبي خلال السنوات الماضية، فالحكومة هنا لم تكن تتحدث فقط عن المشاريع، وإنما عن جودة الحياة، والخدمة، والإنجاز، وسرعة الاستجابة، والاقتراب من الناس، وهذا هو المعيار الأخلاقي الذي رسمه لابنه وولي عهده
ثم نصل إلى الرسالة الأكثر خصوصية، رسالته إلى الشيخة هند بنت مكتوم، ففيها يتراجع القائد خطوة كاملة إلى الخلف، ويترك للزوج والرفيق والإنسان أن يتحدث «رفيقة دربي»، «عمود بيتي»، «شريكة عمري»، «سندي»، «سكني»… كلمات لا تحتاج إلى شرح.
لكن الأهم بالنسبة لي ليس حجم العاطفة، وإنما ما يقوله بعد ذلك، فهو لا ينسب إليها فقط دور الزوجة والأم، بل يراها مدرسة أولى لأبنائه، ويقول إنه يرى في تواضعهم ورحمتهم بالناس وإخلاصهم لوطنهم آثاراً منها.
ثم تأتي واحدة من أكثر الأفكار إنسانية في الرسائل كلها، الإرث الحقيقي ليس ما عمّرناه، وإنما ما شيدناه في نفوس أبنائنا من محبة، وما غرسناه فيهم من أخلاق، وما تركناه في قلوبهم من خير ورحمة للبشر.
وأنا أعتقد أن هذه الجملة تحديداً تفسر كثيراً من شخصية محمد بن راشد، فالرجل الذي ارتبط اسمه بالبناء والإنجاز والمشروعات والمدينة الحديثة، يقول في النهاية إن ما يبقى ليس العمران وحده.
ما يبقى هو الإنسان، وهنا، ربما، تلتقي الرسائل كلها، فالمدينة التي رأيتها تتغير خلال عشرين عاماً لم تكن مجرد مشروع عمراني، بل كانت مشروعاً في الإنسان أيضاً.
ثم يعود محمد بن راشد إلى فريق العمل، لنرى القائد الذي عرفناه، فلا توجد لغة احتفال بما تحقق، ولا شعور بأن الرحلة انتهت، لأنه مع بداية موسم حكومي جديد، يلتقي فريقه ويقول لهم إنهم يبدأون موسماً جديداً «بروح متجددة، وعزيمة عالية، وطموحات تليق بمستوى الوطن».
وهنا وجدت نفسي أعود إلى دبي التي عشت فيها، إلى السنوات التي كنت أرى فيها مدينة تتقدم، ثم ترفع سقف طموحها، ثم تتقدم مرة أخرى، وربما هذا هو سر التجربة، أن القائد لا يسمح للإنجاز بأن يتحول إلى راحة، وأن النجاح، مهما كان كبيراً، لا يصبح ذريعة للتوقف.
رسائل محمد بن راشد تقول لنا إن هناك شيئاً آخر خلف هذا الطموح كله، هناك إنسان يعرف قيمة الأسرة، وأب يريد أن يترك لأبنائه ما هو أكبر من الاسم، وقائد يريد أن يترك لفريقه معياراً لا ينخفض، ورجل دولة يرى في وطنه أمانة تمتد إلى أجيال لم تولد بعد.
بعد نحو عشرين عاماً في دبي، أستطيع أن أقول إنني شاهدت جزءاً من قصة هذه المدينة وهي تُكتب، لكن الرسائل جعلتني أقرأ القصة من زاوية أخرى.
عرفت محمد بن راشد من خلال دبي، ثم عرفت دبي أكثر من خلال محمد بن راشد، فما رأيته طوال هذه السنوات في الشوارع والمطارات والمؤسسات والمشروعات كان الوجه المرئي للتجربة، أما الرسائل، فكشفت الوجه الآخر، وهو القيم التي تقف خلف الإنجاز، والمحبة التي تقف خلف الأسرة، والمسؤولية التي تقف خلف السلطة، والطموح الذي لا يسمح للنجاح بأن يصبح نهاية.
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو «الرسائل» بالنسبة لي أكثر من كتاب، إنها ليست فقط خلاصة ستة عقود من العمل العام، بل رسالة رجل يقول فيها، بطريقة مختلفة: لا تقيسوا حياتنا فقط بما بنيناه، بل بما تركناه في الإنسان، وهذه، في النهاية، ربما تكون أعظم شهادة يمكن أن يتركها قائد عن نفسه.
لقد عشت عشرين عاماً في دبي وأدرك جيداً أن هذه المدينة تسكن الناس وتعيش داخلهم، بفضل رجل احترم الإنسان وسهر على راحته وسعادته حتى تحولت دبي بفضله إلى علامة للأمان والنجاح والرفاهية
الأكثر قراءة
-
في أول يوم دراسة.. محافظ المنوفية يدعم إحدى المدارس بـ50 ألف جنيه
-
مفاجأة في الزمالك.. معتمد جمال يفتح الباب أمام ظهور هذا اللاعب
-
بعد أنباء إقالته.. كواليس اجتماع إدارة الأهلي بشأن عموتة
-
"حالته حرجة".. آخر تطورات الأزمة الصحية للمستشار أحمد الزند وزير العدل الأسبق
-
نتيجة تنسيق الأزهر 2026.. طب القاهرة 95.08% وهندسة 89.08%
-
"كلمة السر في لندن".. اسم مرموش يبرز لإنهاء أزمة توتنهام | ما القصة؟
-
"خلاص اقفل يا محمد".. الأمن يفحص فيديو لشاب وثّق حديث زوجته مع آخر عبر الهاتف
-
مشاهدة حمزة عبدالكريم.. بث مباشر مباراة برشلونة ضد ليفانتي
مقالات ذات صلة
تسعير المحامين.. إعلان مستفز في إطار مشروع!
06 سبتمبر 2026 07:21 م
مع احترامي لذكاء حضرتك.. لست صديقي!
04 سبتمبر 2026 05:18 م
بين الصين وأمريكا.. مصر الجائزة الكبرى
02 سبتمبر 2026 06:02 م
قناة السويس.. ناقوس الخطر!
30 أغسطس 2026 04:03 م
أكثر الكلمات انتشاراً