الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

11:00 ص

حين تضيق الدائرة.. تتذكر السعودية القاهرة

هناك زيارات لا تحتاج إلى كثير من البيانات حتى نفهم معناها، يكفي أن تنظر إلى الخريطة، ويكفي أن تعرف ماذا يحدث في اليمن، وماذا يحدث في البحر الأحمر، وماذا يحدث في جنوب السعودية، ثم تعرف أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جاء إلى القاهرة ليلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي.

فالزيارة تأتي في وقت لم تعد فيه الأزمة اليمنية مجرد أزمة يمنية؛ فالحوثيون صعّدوا هجماتهم على الأراضي السعودية، ووصل التصعيد إلى منشآت حيوية، بينما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءا من معادلة أمنية أكبر من حدود اليمن نفسه.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يحتاج إلى أن يُقال بصوت مرتفع: ماذا تفعل الدول عندما تتعرض للخطر؟ تتصل بحلفائها، وأكيد السعودية فعلت ذلك، ولكن السياسة ليست دائما مثل كتب التحالفات.

فقد تستطيع أن توقع اتفاقًا للدفاع المشترك، وأن تقول إن الاعتداء على طرف هو اعتداء على الجميع، ثم تأتي اللحظة التي يختبر فيها الواقع كل الكلمات التي كُتبت على الورق، وهذا هو الاختبار الذي يواجه "اتفاق مكة" الآن.

فالسعودية وتركيا وباكستان وقّعت في مكة اتفاقًا للدفاع المشترك في أغسطس الماضي، ثم جرى العمل على بناء هياكله ومؤسساته، وبعدها جاء التصعيد في اليمن ليضع الاتفاق أمام أول امتحان حقيقي. 

ولكن وسط كل هذه الحسابات، هناك دولة لا تحتاج السعودية معها إلى اتفاق جديد. وهي مصر، ليس لأن مصر مجرد حليف سياسي للسعودية، ولا لأن القاهرة والرياض تجمعهما مصالح اقتصادية ضخمة، ولا لأن البلدين لديهما علاقات تاريخية ممتدة.

فالمسألة أعمق من ذلك، فهناك دول عربية كثيرة تربطها بالسعودية علاقات وتحالفات ومصالح؛ لكن مصر شيء آخر.

مصر هي الدولة التي عندما تتحدث عن أمن الخليج، لا تتحدث عن أمن دولة بعينها، وإنما عن أمن جزء من الأمن القومي العربي.

وعندما تتحدث عن البحر الأحمر، فهي لا تتحدث عن طريق مائي بعيد عنها، وإنما عن شريان يمر بجوارها، وعندما تتحدث عن باب المندب، فهي تتحدث عن قناة السويس، وعن أمن الملاحة، وعن اقتصادها وأمنها القومي.
ولهذا ربما لا تحتاج العلاقات المصرية السعودية إلى كثير من الشعارات؛ فالتاريخ نفسه يتكلم.

فمنذ سنوات طويلة، كانت مصر بالنسبة للعرب هي الدولة التي يُنظر إليها عندما تصبح الأزمة أكبر من قدرة دولة واحدة على التعامل معها. هذه ليست بطولة اخترعتها القاهرة لنفسها، بل هذه طبيعة الجغرافيا والتاريخ. فمصر هي قلب العالم العربي، والسعودية هي قلب العالم الإسلامي ومركز الثقل الاقتصادي والسياسي في الخليج.

وعندما يلتقي القلبان، لا يكون الحديث عن علاقة ثنائية فقط، بل يكون الحديث عن وزن عربي أكبر، ولذلك فإن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة ليست زيارة بروتوكولية، ولا مجرد لقاء بين رئيس دولة وولي عهد دولة شقيقة.
فهي زيارة في لحظة تقول فيها المنطقة شيئًا واضحا: أن التحالفات وحدها لا تكفي، وأن الاتفاقيات وحدها لا تمنح الأمن، وأن الدول في أوقات الخطر تبحث أولًا عن الدول التي تعرفها جيدا، وتثق في حساباتها، وتعرف أن مصالحها ليست مؤقتة.

ومصر والسعودية تعرفان بعضهما منذ زمن طويل، تختلفان أحيانًا في تقدير بعض الملفات، وهذا طبيعي بين الدول، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي العربي، فهناك مساحة واسعة من المصالح المشتركة لا تسمح بأن تتحول الخلافات التكتيكية إلى خلاف استراتيجي.

ولعل أهم ما في العلاقة بين القاهرة والرياض أنها ليست علاقة "حليف عند الحاجة".

فالسعودية لم تكن يومًا دولة بعيدة عن مصر، ومصر لم تكن يومًا دولة بعيدة عن الخليج؛ فالجغرافيا لا تسمح، والتاريخ لا يسمح، والمصالح لا تسمح، وحتى الذين حاولوا في سنوات مختلفة أن يضعوا مسافة بين القاهرة والرياض اكتشفوا في النهاية أن هناك علاقات لا تستطيع السياسة اليومية أن تهدمها. فاليوم، السعودية تواجه اختبارًا جديدًا، واليمن ليس بعيدًا، والبحر الأحمر ليس بعيدًا.

والتهديدات التي تصل إلى جنوب المملكة يمكن أن تمتد آثارها إلى أمن المنطقة كلها، وفي مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الدول إلى كثير من الكلام، بل تحتاج إلى أن تعرف من يقف بجوارها، وهنا بالضبط تأتي القاهرة.

مصر لا تقول إنها "الشقيقة الكبرى" لأنها تريد لقبا؛ مصر أصبحت كذلك لأن الأزمات العربية، على مدار عقود، جعلتها تدفع من أمنها وجيشها واقتصادها واستقرارها ثمنًا لحماية الأمن العربي، وفي كل مرة كان العرب يبحثون فيها عن ظهر، كانت مصر هي الظهر، وفي كل مرة كان هناك خطر يقترب من المنطقة، كانت مصر هي الدرع، والدرع لا يطلب من صاحبه أن يشكره كل صباح، يكفي أنه موجود عندما تأتي الضربة، ولهذا تبدو زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة الآن أكبر من مجرد زيارة.

فهي تذكير بسيط، وربما ضروري، بحقيقة سياسية قديمة: أن السعودية عندما تبحث عن شقيق، ستجد مصر، وأن مصر عندما تتحدث عن أمن العرب، ستجد السعودية في مقدمة الحسابات. 

أما اليمن، فقصته لم تنته بعد، وربما يكون الدرس الأهم من كل ما جرى أن المنطقة تحتاج إلى تحالفات حقيقية، لا تحالفات على الورق فقط، وتحتاج إلى أن يكون للأمن العربي ظهر عربي.

وفي النهاية، قد تتغير التحالفات، وتتبدل الحسابات، وتتغير أسماء الاتفاقيات، لكن هناك أشياء لا تتغير بسهولة؛ مصر والسعودية منها.

search