الجمعة، 18 سبتمبر 2026

11:56 ص

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

11:56 ص

السر الغامض وراء أكتوبر ونوفمبر؟.. لحظات مصيرية لمصر والشرق الأوسط

ثمة شيء ما يُجهّز في الغرف المغلقة، يبدو سرا عسكريا، ويطغى عليه الطابع الاستخباراتي في الغموض والكتمان، وأصبح مع الوقت بمثابة نبوءة عن شيء خطير يلوح في الأفق ويُحدث تغييرات كبرى خلال أكتوبر ونوفمبر 2026.

تلمح النميمة السياسية المحلية المصرية إلى حدث خطير يُحدث تغييرًا صادمًا دون الإشارة إلى طبيعة الحدث والجهة الفاعلة فيه والجهة المضارة منه، في الوقت الذي تفنّد فيه تقارير ودراسات استراتيجية أجنبية ملامح ما قد يحدث في الشرق الأوسط عامة. لكن يبقى السؤال: ما السر في أكتوبر ونوفمبر وماذا يمكن التنبؤ بحدوثه؟

لحظة مفصلية خطيرة

العديد من الأوراق السياسية والتقديرات الاستخباراتية تشير إلى لحظة مفصلية يعيشها الشرق الأوسط. من بينها ما نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي "CSIS" يوم 9 سبتمبر الماضي.

المركز لديه برنامج خاص للشرق الأوسط، وتلك القراءة كانت ضمن سلسلة “مشروع مستقبل الشرق الأوسط”، التي بدأت بالإشارة إلى مرحلة اختلال التوازن التي يعيشها الشرق الأوسط، حيث ينهار النظام القديم بشكل كامل، في الوقت الذي لم تتبلور فيه معالم النظام الجديد.

الحرب الإيرانية كانت الأشد تأثيرًا في تلك المرحلة الانتقالية المضطربة بالشرق الأوسط، ونتيجتها ستكون حاسمة في صياغة مستقبل المنطقة. لكن الوقت الحالي تشوبه حالة من الغموض حول المستقبل، وقد تتخذ المرحلة المقبلة سيناريوهات مختلفة.

يشير تقرير مركز الأبحاث إلى أن عدم الرد الأمريكي على هجمات الحوثيين في 2019 ضد منشآت نفطية تابعة لأرامكو السعودية، كان نقطة تحول فاصلة في المنطقة ومقدمة لتفكك النظام القائم. بعده بدأ قادة الخليج في تقييم مدى موثوقية أمريكا التي تخلت عن الدفاع عنهم أمام هجمات إيران.

هجمات 7 أكتوبر التي شنتها حركة حماس ضد قوات الاحتلال وما تلاها من حرب غزة، شكل منعطفًا آخر في دوامة الشرق الأوسط، ويشار إلى أن ذلك الصراع كان بمثابة بوتقة تشكّل فيها ملامح الشرق الأوسط الجديد. وقد أدت تداعياته المتعددة - بدءًا من انهيار نظام الأسد في سوريا، وتراجع قوة حزب الله بلبلنان، وتصاعد نفوذ ميليشيا الحوثي في ​​اليمن، ووصولاً إلى المواجهة العسكرية المباشرة وغير المسبوقة بين إسرائيل وإيران- إلى صياغة بعض أهم التحولات التي شهدتها المنطقة.

نتنياهو في أعقاب ما حدث تعهد بتغيير الشرق الأوسط، فانتهجت إسرائيل استراتيجية عسكرية جديدة ترتكز على مبدأ الضربات الاستباقية مهما كان الثمن، لذلك خرجت خارج حدودها وبدأت في احتلال مناطق بسوريا ولبنان.

الحرب الإيرانية أيضًا كان لها دور بالغ الخطورة في إعادة تشكيل موازين القوى، والديناميكيات الجيواقتصادية، والترتيبات العسكرية والأمنية في المنطقة.

بات بعد كل ما نتج عن الحرب، من الحتمي على الدول الأكثر عرضة للمخاطر وضع خطط متعددة لإنشاء خطوط أنابيب وممرات طاقة جديدة، مما قد يعيد صياغة علاقات الطاقة والاقتصاد في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تظل مسألة الطموحات النووية دون حسم؛ إذ لا يزال بإمكان طهران السعي لامتلاك سلاح نووي، وهو تطور قد يطلق موجة من الانتشار النووي في أرجاء الشرق الأوسط.

بحسب المؤسسة الأمريكية، فإنه قبل اندلاع الحرب مع إيران، كانت منطقة الخليج تبرز كمركز ثقلٍ وسط الاضطرابات العاصفة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط؛ فقد أهّلتها ثرواتها الهائلة، واقتصاداتها المتنوعة - بما في ذلك قطاعات الذكاء الاصطناعي الناشئة- وقدراتها المؤثرة في مجال الوساطة، للعب دورٍ محوريٍ في تشكيل ملامح الشرق الأوسط الجديد.

أما الآن، وفي ظل الحرب، وجدت دول الخليج نفسها أمام سيناريو أشبه بالكابوس. ورغم تفاوت مستويات الهشاشة وحجم الأضرار الناجمة عن الحرب بين دول الخليج، إلا أن جميع دول المنطقة قد رهنت مستقبلها بمسار التنويع الاقتصادي والترابط الاقتصادي الإقليمي والعالمي، وهي أمورٌ تتطلب الاستقرار؛ غير أن الحرب مع إيران قد بدّدت تلك الرؤية، وقضت على أي بصيصٍ من الثقة بين الجمهورية الإسلامية وجيرانها العرب.

ودفع هذا الصراع دول الخليج أيضًا إلى تسريع جهودها الرامية لتنويع شركائها الأمنيين وبناء علاقات جديدة. ورغم أن الولايات المتحدة شريك رئيسي للمنطقة، إلا أن موثوقيتها كضامن للأمن باتت محل تدقيق متزايد؛ إذ يكتنف الغموض مستقبل شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، في ظل تدارس الأطراف المعنية - سواء الأمريكية أو الخليجية- لجدواها المستقبلية، وإن كانت دوافع كل طرف في ذلك مختلفة. وفي غضون ذلك، تعمل دول مثل المملكة العربية السعودية على تطوير ترتيبات أمنية جديدة، تشمل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" التي تضم السعودية وباكستان وتركيا، وتحالفاً للأمن البحري في البحر الأحمر بقيادة السعودية يضم 15 دولة، بما في ذلك عدة دول أفريقية.

وتعيد الحرب المتعلقة بإيران تشكيل المشهد الجيواقتصادي للمنطقة أيضًا؛ فقد دفع احتمال إغلاق مضيق هرمز دول الخليج إلى إيجاد مسارات بديلة عبر ممرات جديدة وأخرى قائمة للطاقة والاقتصاد.

وفي هذا السياق، اتجهت المملكة العربية السعودية للاعتماد على خط أنابيب "الشرق-الغرب" وطرق النقل عبر البحر الأحمر كبديل رئيسي، بينما تعهدت الإمارات العربية المتحدة بالاستغناء التام عن استخدام المضيق. وتتهيأ سوريا لتصبح حلقة وصل حيوية بين الخليج وأوروبا، مع التخطيط لإنشاء خطوط أنابيب وممرات نقل جديدة بالتزامن مع تحديث البنية التحتية القائمة؛ فعلى سبيل المثال، تحول العراق نحو نقل النفط برًا عبر الأراضي السورية، فضلاً عن إصلاح خطوط الأنابيب الحالية المتجهة غرباً.

وفي الوقت الراهن، ينذر التنافس على تشكيل ملامح نظام جديد باندلاع صراعات جديدة؛ إذ تخوض كل من إسرائيل وتركيا صراعًا متزايد الخطورة في سوريا، في ظل سعي كل منهما لترسيخ مصالحها هناك. كما أن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي - التي تشكّل بالفعل بؤرة خلاف رئيسية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة- قد تتحول إلى ساحة توتر جديدة، نظرًا للأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذه المنطقة بالنسبة للمتنافسين الخليجيين في حال إغلاق مضيق هرمز.

يمر الشرق الأوسط حالياً بمخاض حالة من عدم الاستقرار، ناجمة عن انهيار النظام السائد فيه وترقّب ولادة نظام جديد لم يتشكل بعد. إنها بلا شك مرحلة محفوفة بالمخاطر الجسيمة، وتنطوي على احتمالات دمار أكبر في المستقبل. ومع ذلك، فإن رماد الصراعات المشتعلة في المنطقة قد يفتح الباب أيضًا أمام فرص للنهضة والتجديد. وفي نهاية المطاف، يعود للمنطقة نفسها تحديد أي من هذه المسارات المستقبلية سيُشكّل ملامح نظامها الجديد.


توسيع رقعة الصراع.. السعودية والبحر الأحمر

على صعيد آخر، أشارت رويترز إلى أن جماعة الحوثي اليمنية وصلت إلى جزيرة "بريم" الاستراتيجية في مضيق باب المندب، مما قد يعزز قبضتها على أحد الممرات الملاحية الحيوية في العالم.

وإذا أحكم الحوثيون سيطرتهم على مضيق باب المندب، فقد يمنح ذلك داعمتهم إيران ميزةً استراتيجيةً حاسمة في صراعها مع الولايات المتحدة؛ إذ سيؤدي ذلك إلى تقليص الإمدادات عبر ممر عبور رئيسي ثانٍ، مما قد يتسبب في ارتفاع حاد بأسعار النفط.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي "CSIS"، نشر في أغسطس الماضي تحليلا يناقش احتمال إجبار السعودية على الدخول في تصعيد عسكري آخر.

التحليل يشير إلى أنه في 3 يوليو الماضي، أرسلت رحلة تابعة لشركة ماهان للطيران إلى صنعاء، وهي أول رحلة مباشرة بين طهران وصنعاء منذ عقد. وكان السبب المعلن هو نقل وفد من الحوثيين إلى طهران لحضور جنازة المرشد الأعلى آية الله خامنئي. لكن وفقًا لحكومة الجمهورية اليمنية المدعومة من السعودية، نقلت الرحلة أيضًا أفرادًا ومعدات من الحرس الثوري الإسلامي إلى اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين.

في 13 يوليو، أفادت التقارير أن السعودية قصفت مدارج مطاري صنعاء والحديدة، بينما كانت طائرة أخرى متجهة من طهران إلى صنعاء في الجو. وتمكن الحوثيون من الهبوط رغم ذلك، وبعد فترة وجيزة ردّوا باستهداف مطار أبها جنوب السعودية. وبعد أسبوع، أعلن الحوثيون فرض حصار على السفن السعودية في البحر الأحمر، قائلين إن الحصار السعودي على أراضي الحوثيين يجب أن ينتهي. ونفذ الحوثيون تهديداتهم بعد يومين بضرب ناقلتي نفط تحملان نفطاً خاماً سعودياً. وفي 27 يوليو، زعمت السعودية أن ميليشيا مدعومة من إيران في العراق - ربما بالتنسيق مع الحوثيين- استهدفت بنية تحتية للطاقة في المنطقة الشرقية من السعودية، ما استدعى رداً مشتركاً من طائرات مقاتلة سعودية وأمريكية.

بعد ذلك أدركت القيادة السعودية أن إيران ووكلاءها يمتلكون القدرة والرغبة في ضرب أكثر الأهداف حساسية في المملكة، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة، ومحطات تحلية المياه، وحتى المراكز السكانية المدنية. بالنسبة لدولة تراهن بمستقبلها على اقتصاد متطور يجذب السياح والمستثمرين، ولا تزال تعتمد على عائدات النفط لتمويل هذا التطور، فإن مثل هذه الهجمات قد تكون كارثية.

وقبل الحرب الإيرانية الحالية، كان كل من مضيق هرمز وباب المندب مفتوحين للجميع. وحتى بعد اندلاع الحرب وإغلاق إيران لمضيق هرمز، تمكنت السعودية من تصدير نحو 80% من نفطها عبر البحر الأحمر. هذا المسار التصديري البديل، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط، جعل تأثير الحرب محدودًا على عائدات الطاقة السعودية. لكن كل ذلك تغير في يوليو عندما حوّل الحوثيون خطابهم العدائي إلى أفعال، مستهدفين السعودية مباشرة للمرة الأولى منذ عام 2022، وأغلقوا باب المندب أمام السفن السعودية والسفن التي تحمل النفط السعودي، وقوّضوا ميزة طريق البحر الأحمر السعودي.

مع قيام الحوثيين بتقييد الملاحة عبر باب المندب، قد تواجه الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومجتمع الشحن العالمي الأوسع وضعًا لا يكون فيه ممر مائي رئيسي واحد، بل اثنان، يستخدمان لتصدير غالبية المنتجات البترولية في الخليج، عرضة للتلاعب من قبل إيران وشركائها.

في سياق متصل، يرى الحوثيون أنفسهم أكثر بكثير من مجرد أداة في يد دولة أخرى؛ فهم يعتبرون حركتهم قوة إسلامية مستقلة، لا تقل رسوخًا في الشرعية الدينية والأيديولوجيا الثورية عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها. وهذا ما يجعل الحوثيين خطرين للغاية في ظل الوضع الراهن، لأن أي اتفاق تفاوضي لإنهاء الحرب مع إيران - الذي سيكون بالضرورة ناقصاً في الأساس- لن يُفسر على الأرجح من قبل الحوثيين على أنه ملزم لهم.

يُلزم هذا الوضع المملكة العربية السعودية بإقناع الحوثيين - سواء عبر الدبلوماسية أو القوة العسكرية- بالتراجع، وفي الوقت نفسه تعزيز دفاعاتها في الجنوب. ولكن مع محدودية مواردها العسكرية، ستحتاج إلى الموازنة بين هذه الجهود وحماية بنيتها التحتية الحيوية، لا سيما في المنطقة الشرقية، حيث يتركز قطاع الطاقة في البلاد، وفي ميناء ينبع على البحر الأحمر.

كان من بين ردود فعل المملكة العربية السعودية توسيع نطاق شراكاتها لتشمل حلفًا يتجاوز تحالفها الرئيسي مع الولايات المتحدة. ففي 30 يوليو، أعلنت تشكيل تحالف بحري للدفاع عن حرية الملاحة في البحر الأحمر. وُجهت الدعوة مبدئيًا إلى 43 دولة، انضمت منها 14 دولة حتى الآن، بما فيها السعودية. والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تنضم.

ومن بين الدول الـ14 الأعضاء في التحالف - البحرين، بنجلاديش، جزر القمر، جيبوتي، مصر، الأردن، الكويت، قطر، باكستان، السعودية، الصومال، السودان، تركيا، واليمن- تمتلك مصر وباكستان والسعودية وتركيا فقط قوات بحرية كبيرة. أما الدول الأخرى، فإما لديها قوات دوريات ساحلية صغيرة أو لا تمتلك أي قوات بحرية على الإطلاق. ولم يتضح بعد أي من هذه الدول، إن وُجدت، مستعدة لتوفير القدرة البحرية - أو الإرادة السياسية- للرد عسكريًا على هجمات الحوثيين.

ومن شبه المؤكد أن الرئيس ترامب لن يرغب في فتح جبهة أخرى في الحرب، لا سيما جبهة قد تتسبب في ارتفاع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي، في حين يبقى الصراع الرئيسي دون حل. ومع ذلك، فإن نجاح أي جهد عسكري سعودي ضد الحوثيين يتطلب دعمًا أمريكيًا لا غنى عنه. وهذا يخلق معضلة حقيقية للسعودية، فهي تواجه هجمات واستفزازات الحوثيين من جهة، وإدارة أمريكية مترددة في توسيع نطاق الصراع القائم من جهة أخرى.

مهما يكن، فمن المرجح أن تنظر القيادة السعودية إلى نهج ترامب من منظور تجارب سابقة شعرت فيها بخيبة أمل من واشنطن في صراعها مع إيران ووكلائها. ففي عامي 2015 و2016، ضغطت إدارة أوباما على السعودية للتراجع عن غاراتها الجوية، معتبرةً أنها تتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين دون تأثير يُذكر على الحوثيين أنفسهم. وفي عام 2019، استهدفت هجمات بطائرات مسيرة، يُعتقد أنها من إيران أو وكلائها في العراق، بنية تحتية حيوية للطاقة في بقيق وحقل خريص النفطي؛ وقد اختار الرئيس ترامب، بعد أن صرّح في البداية بأن الولايات المتحدة "مستعدة تمامًا"، عدم الرد عسكريًا. وفي عام 2025، أوقفت إدارة ترامب حملة جوية أمريكية ضد الحوثيين كانت قد بدأت خلال إدارة بايدن، وذلك دون إخطار السعودية مسبقًا، بحسب التقارير.


لبنان وسوريا وتمدد إسرائيل

في منتصف سبتمبر 2026، خرج يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، ليقول إن جيش الاحتلال سيسيطر على مرتفعات "علي الطاهر" الواقعة في جنوب لبنان.

كاتس أشار إلى أن جيش الاحتلال هاجم تلك المنطقة وقضى على مسلحين ودمر أنفاق لحزب الله، وسيسيطر عليها ولن ينسحب منها قبل نزع سلاح الحزب.

كانت الرغبة الأمريكية التي تعمل كوسيط بين إسرائيل ولبنان لإبرام اتفاق سلام، تشير إلى تسليم حزب الله لمرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، جزء من خطة نزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته التحتية، إلا أن حزب الله رفض ذلك.

هذا في الوقت الذي اقتحم فيه بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، منطقة جبل الشيخ في سوريا، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026.

وقف نتنياهو في أعلى جبل الشيخ، وقال: "دمشق هنا ولبنان هناك وهكذا هضبة الجولان ونحن نسيطر على المنطقة بأكملها، من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، ومن هناك وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وهي سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل".

وصف نتنياهو احتلال هضبة الجولان بالإنجاز العظيم الذي حققته إسرائيل في حرب النهضة. وترك المساحة لوزير دفاعه الذي وجه خطابه إلى رئيس الإدارة السورية الجديدة، أحمد الشرع.

كاتس قال للشرع: "نوجه من هنا رسالة قوية وواضحة إلى رئيس سوريا الذي يجلس في قصره بدمشق على بُعد 35 كيلومترًا من هنا: نحن على جبل الشيخ في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا".

إذًا إسرائيل في اتجاه تعميق سيطرتها على مناطق بسوريا ولبنان، وفرض واقع جديد في البلدين يسمح لها بالتمدد من مناطق سيطرتها الكاملة، ما ينذر باستمرار الأزمات وتوسيع رقع الصراع.

خطة أمريكية جديدة للشرق الأوسط

في مطلع سبتمبر 2026، كتب باراك رافيد، الصحفي المقرب من إدارة ترامب واللوبي اليهودي، موضوعا في "Axios"، يؤكد فيه أن إدارة ترامب تعكف على صياغة خطة للشرق الأوسط لمرحلة ما بعد الحرب.

رافيد نقل على لسان مسؤولين أمريكيين ومصادر أخرى، أن إدارة ترامب تعمل على استراتيجية ما بعد الحرب تركز على جهد إقليمي لاحتواء إيران وتوسيع نطاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها.

وأشار إلى أن هناك حدثين يلقيا بظلالهما على خطة ترامب: الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر.

المسؤولون الأمريكيون قالوا إن العمل الأولي على الاستراتيجية يجري على المستوى السياسي الرفيع لإدارة ترامب وعلى مستوى العمل عبر الوكالات. وأن ترامب عقد في الأسابيع الأخيرة اجتماعين مع كبار مستشاريه حيث تمت مناقشة الخطة وطرح الأفكار. وخلال محادثات خاصة، قال الرئيس الأمريكي إنه يعمل على "شيء أكبر بكثير" في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران.

بحسب باراك رافيد، تم طرح ثلاثة عناصر رئيسية كأجزاء محتملة من الاستراتيجية، وهم: إنشاء تحالف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران مع اعتبار الولايات المتحدة ضامنًا. وبذل جهد متضافر لتقريب التداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 من نهايتها من خلال تأمين المرحلة التالية من خطة ترامب لغزة والتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا وتنفيذ الاتفاق الإسرائيلي اللبناني. وأخيرًا توسيع اتفاقيات أبراهام والتوصل إلى اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.  

مصر.. ماذا يحدث؟

يسوّق البعض لأحداث كبيرة تمسّ مصر في الداخل والخارج خلال شهري أكتوبر ونوفمبر المقبلين.

ليس الأمر متعلقًا بتقرير الحكومة لما أنجزته خلال الفترة من 2014 وحتى الآن، وعرضه على المواطنين والآثار المترتبة على ذلك في ظل أوضاع اقتصادية صعبة. بل إن هناك من يسعون في الخارج إلى عقد مؤتمر يتحدثون فيه عن حتمية إحداث تغييرات في مصر على كل المستويات، ومن بينهم من يرون في التجربة السورية نموذجًا، ما يطرح في الأذهان فكرة العمل المسلح أو محاولات التغيير العنيف وشن الهجمات ضد مصر بكل الوسائل.

على صعيد آخر، لا يبدو الوضع هادئًا على حدود مصر الشرقية، فإسرائيل تحاول جاهدة إحباط أي جهود نحو استقرار الأوضاع في غزة والمضي قدمًا في اتفاقية السلام الموقعة في شرم الشيخ في أكتوبر بالعام الماضي. في الوقت التي تستمر فيه إسرائيل في خططها الاستيطانية بالضفة الغربية لإحداث تغير ديموغرافي وسياسي هناك والقضاء بشكل كامل على كل أمل لإقامة دولة فلسطينية.

ملف تهجير الفلسطينيين من سكان قطاع غزة ما زال أيضًا واحدًا من أخطر الملفات التي تحيط بها أسلاك شائكة حول الإدارة المصرية، ففي الوقت الذي شدّدت فيه كل مؤسسات الدولة المصرية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، وعملت المخابرات العامة بشكل مكثف للتأكيد على أن التهجير خط أحمر لمصر ووأد الانقسامات الداخلية الفلسطينية للوحدة أمام ذلك المخطط، ما زالت إسرائيل تعتبره هدفًا كبيرًا نحو تحقيق مخططاتها، ما يضع سيناريوهات الصدام المصري الإسرائيلي في الحسبان.

ليست تلك الأزمة الوحيدة التي تتصاعد وتيرتها في الأيام الجارية ومتوقع أن تزداد خلال الشهور المقبلة، بل إن هناك أزمة كبرى في السودان أيضًا. إذ أن تحالف "تأسيس" الذي شكلته قوات الدعم السريع وحركات أخرى متحالفة معه، أعلنوا تأسيس جيش مواز للجيش الوطني السودان، وبات هناك حكومتين ودستورين وجيشين.

السودان وأمنها ووحدة أراضيها خط أحمر لمصر. هكذا أكد الرئيس السيسي على موقف مصر من تلك القضية، في تصريح خلال قمة بريكس لم يكن في بادئ الأمر يٌفهم سر قوله، إلا أن ما أُعلن في السودان بعد ذلك أوضح حقيقة ما تواجهه مصر على حدودها الجنوبية، في الوقت الذي تشير فيه تقارير أمنية إلى ثمة أحداث كبرى ستحدث في السودان وخاصة على حدود مصر الجنوبية خلال الأشهر المقبلة.

بحسب وكالة "Tactical Report"، وهي وكالة استخبارات خاصة معنية بالشرق الأوسط، فإن مصر تتحرك في ملف الوساطة بين أمريكا وإيران وأمن البحر الأحمر مع موجة تحديث عسكري كبيرة.

تقول الوكالة إن مصر تستثمر موقعها الجيواستراتيجي، وتلعب دور الوسيط لسد الفجوات المتعلقة بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وترسخ دعائم الأمن في البحر الأحمر، كما تنفّذ أكثر موجات تحديث القوات طموحًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن هذا التقرير يواجهه شيء آخر يمكن ربطه بكل ما سبق، حيث زيارة شي جين بينج، الرئيس الصيني، إلى مصر في مطلع سبتمبر الجاري، والتي كان لها صدى سياسي واسع.

اختار الرئيس الصيني، القاهرة لإعلان مقترح من 4 نقاط لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، وهو الأمر بالغ الأهمية في فهم قيمة مصر بالنسبة للمعسكر الشرقي، وكيف تتعامل مع المعسكر الغربي، وما يمكن أن ينتج عن ذلك خلال الشهور المقبلة.

مقترح الرئيس الصيني في نقاطه باختصار أشار إلى أن تظل شعوب الشرق الأوسط هي من تدير شؤونها ورفض التدخل الخارجي، وبناء هيكل أمني يتولى زمام مستقبل بلدان المنطقة، والسعي لإيجاد حلول شاملة للصراعات في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وحماية السلام والاستقرار في المنطقة.

يمكن تفسير كل ذلك في سياق الصياغات المقترحة لشكل الشرق الأوسط الجديد، وإعادة ترتيب التحالفات الاستراتيجية والأمنية في المنطقة، وهو ما ألمحت إليه اللقاءات التي عقدها الرئيس المصري مع قادة تحالف بريكس في الهند.

في سياق متصل، تواجه مصر أزمة هائلة وكبيرة مع إثيوبيا، التي خرجت تصريحات مسؤوليها استفزازية حول احتكار مياه النيل والتحكم في كل نقطة تصل إلى مصر، والتشديد المصري على أن ذلك الملف من ملفات الأمن القومي بالغة الخطورة التي لن تسمح مصر بالتجاوز فيه. في الوقت الذي تشير فيه بعض التقارير إلى خطوات إثيوبية استفزازية تجري خلال الشهور القليلة المقبلة، ما قد يدفع مصر إلى اتخاذ إجراءات خشنة في مواجهة ذلك.

سد النهضة ليس الأزمة الوحيدة بين مصر وإثيوبيا، بل البحر الأحمر أيضًا، فأديس أبابا بمساعدة إسرائيل تحاول بشتى الطرق الوصول إلى البحر باعتبارها دولة حبيسة، ووجدت في أرض الصومال الانفصالية منفذًا لذلك. ما يضع فرضية المواجهة خارج الحدود مطروحة في الوقت القريب، بعد أن تحالفت تل أبيب وأديس أبابا والأرض الانفصالية في مواجهة الصومال ومصر كحليف استراتيجي وتركيا كقوى تتوافق مع مصر على الرفض القاطع لـ "عسكرة البحر الأحمر".

في النهاية هناك سيناريوهات كثيرة لما قد يحدث في أكتوبر ونوفمبر المقبلين في الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة، لكن الأكيد بينهما أن تطورات عسكرية كبيرة ستشهدها المنطقة، وأوضاع اقتصادية صعبة ستضرب العالم كله وتلقي بظلالها على الشعوب. وعلى صعيد مصر مخاطر كبيرة على كافة الحدود ومحاولات من الخارج مدعومة أجنبيًا لإحداث فوضى بالداخل. والأيام القليلة المقبلة توضح كل شيء.

search