الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
06:12 ص
يا رئيس الوزراء.. انتبه للإعلامي أحمد موسى، فالقصة هذه المرة ليست مجرد حلقة تليفزيونية، وليست قضية يمكن أن تمر على شاشة ثم تنتهي بانتهاء البرنامج، نحن أمام ملف كبير، حساس، متشابك، له علاقة بالاقتصاد والخدمات وسوق العمل والقانون والمجتمع، والأهم أن له علاقة مباشرة بصورة الدولة المصرية وقدرتها على إدارة الملفات الثقيلة بعقل الدولة، بعيدًا عن الانفعال وبعيدًا عن المزايدة.
ولذلك فإن حديث أحمد موسى عن ملف اللاجئين والمهاجرين يستحق أن نتوقف أمامه جيدًا، لا لأن الرجل يريد أن يصنع معركة مع أحد، ولا لأنه يضع نفسه في مواجهة مع مؤسسات الدولة، ولكن لأنه يعرف متى يفتح الملف الذي يستحق أن يُفتح، ومتى يضع السؤال أمام ملايين المشاهدين بدلًا من أن يظل السؤال يدور في الغرف المغلقة.
أحمد موسى ليس وافدًا جديدًا على الإعلام، ولا هو إعلامي يبحث عن قضية يملأ بها وقت البرنامج، وإنما صاحب تجربة طويلة في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية والمجتمعية، وكان حاضرًا في المشهد منذ سنوات بعيدة، وفي عام 2013 كان يقدم برنامج «الشعب يريد» على قناة التحرير، وكانت حلقات البرنامج تتناول ملفات سياسية وأمنية وإقليمية ساخنة في تلك المرحلة.
وهنا تحديدًا تستحق تجربة أحمد موسى الإشادة، لأنه من نوعية الإعلاميين الذين لا ينتظرون دائمًا أن تصبح القضية حديث كل الناس حتى يقتربوا منها، وإنما يضعون الموضوع أمام المشاهد، ويقولون ببساطة: انتبهوا، هناك ملف يحتاج إلى كلام، وهناك سؤال يحتاج إلى إجابة.
وملف اللاجئين والمهاجرين واحد من هذه الملفات، لكن علينا أن نكون واضحين جدًا: الحديث عن اللاجئين لا يعني أبدًا الحديث ضد اللاجئين، ولا يعني أن مصر مطالبة بالتخلي عن دورها الإنساني، ولا يعني أن الإنسان الذي اضطر إلى مغادرة بلده بسبب حرب أو أزمة أو خطر أصبح فجأة مسؤولًا عن أزمات غيره.
هذه ليست القضية.
القضية هي كيف تدير الدولة ملفًا بهذا الحجم؟ كيف تعرف أعداد الموجودين؟ كيف تدرس أوضاعهم؟ كيف تحسب تكلفة الخدمات التي يحصلون عليها؟ كيف تتابع أوضاع الإقامة والعمل؟ كيف تميز بين الفئات المختلفة؟ وكيف تستطيع في الوقت نفسه أن تحافظ على الوجه الإنساني لمصر، وعلى مصالح الدولة وحقوق المواطن؟
هذه أسئلة دولة، وليست أسئلة خصومة.
واللافت أن الحكومة المصرية نفسها تعاملت مع الموضوع باعتباره ملفًا يحتاج إلى دراسة وحصر، ففي 13 يناير 2026 عقد الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا لاستعراض تفاصيل حصر التكلفة الاقتصادية لأعداد اللاجئين والمهاجرين المقيمين في مصر، بحضور وزراء ومسؤولي عدد من الجهات المعنية، بينها التخطيط والتضامن والخارجية والعدل والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة المالية، كما جرى التأكيد على أهمية التعاون مع المنظمات الدولية للحصول على الدعم اللازم في ضوء الخدمات التي تقدمها مصر للمقيمين.
وهنا يصبح السؤال الإعلامي مهمًا، لأن ما يطرحه أحمد موسى يلتقي مع ملف موجود بالفعل على أجندة الدولة، وهذا هو الفارق بين الإعلام الذي يصرخ لمجرد الصراخ، والإعلام الذي يضع يده على قضية حقيقية.
أحمد موسى يلفت الانتباه، والدولة تملك أدوات البحث والحصر والتحليل، والمواطن ينتظر أن يرى الصورة كاملة.
المواطن يريد أن يعرف الحقيقة، لا أكثر، يريد أن يعرف حجم الملف بالأرقام، لا بالتقديرات المتداولة، ويريد أن يفهم ما الذي تتحمله الدولة، وما الذي يقدمه المقيمون للاقتصاد المصري، وما حجم الخدمات المقدمة، وما طبيعة الدعم الدولي، وكيف يجري تنظيم الملف قانونيًا وإداريًا.
وهذا حق مشروع.
وفي المقابل، فإن اللاجئ له حق مشروع في أن يُعامل بإنسانية، وأن تُحترم ظروفه، وأن يكون القانون هو المرجع في التعامل معه.
هنا بالضبط يجب أن يكون العقل حاضرًا.
لا نريد خطابًا يضع المصري في مواجهة اللاجئ، ولا خطابًا يتجاهل أسئلة المصريين، ولا خطابًا يحول القضية إلى معركة سياسية.
نريد إدارة رشيدة، ومعلومة دقيقة، وإعلامًا مسؤولًا، ومؤسسات تقدم الصورة كاملة.
ولهذا أقول للدكتور مصطفى مدبولي: لا تنظر إلى ما يطرحه أحمد موسى باعتباره مجرد كلام تليفزيون.
استمع إلى السؤال.
انظر إلى الملف.
تابع ما يشغل الناس.
لأن الإعلام عندما يطرح سؤالًا حقيقيًا لا ينتقص من الدولة، بل يمنحها فرصة لأن تقول للناس ماذا تفعل، ولماذا تفعل، وإلى أين تتجه.
وأحمد موسى تحديدًا يعرف جيدًا قيمة السؤال المباشر، ويعرف كيف يصل بالقضية إلى المواطن العادي الذي قد لا يقرأ تقريرًا حكوميًا طويلًا، لكنه يتابع برنامجًا تليفزيونيًا ويبحث عن إجابة بسيطة لسؤال معقد.
وهذه موهبة إعلامية لا يمكن تجاهلها.
قد تختلف مع أحمد موسى في طريقة التناول، وقد تختلف مع بعض آرائه، وهذا طبيعي، لكن من الصعب تجاهل قدرته على الإمساك بالموضوع وتحويله إلى قضية مطروحة أمام الرأي العام.
وهذه نقطة تحسب له.
فالصحفي والإعلامي الحقيقي ليس مطلوبًا منه أن يكون موظفًا لدى السؤال الرسمي، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون في خصومة دائمة مع الدولة.
المطلوب أن يرى القضية، وأن يطرح السؤال، وأن يترك للمؤسسات مسؤولية الإجابة.
وهذا هو ما نحتاج إليه في ملف اللاجئين والمهاجرين.
نحتاج أن نعرف الأرقام، ونفهم التكلفة، ونرصد العائد الاقتصادي، ونحدد المسؤوليات، ونعرف حجم الدعم الدولي، ونضع قواعد واضحة تحفظ حقوق الجميع.
والأهم من ذلك كله أن نحافظ على العقل.
فمصر ليست مطالبة بأن تختار بين إنسانيتها ومصالحها، وليست مطالبة بأن تغلق أبوابها في وجه من فروا من الخطر، وفي الوقت نفسه ليست مطالبة بأن تدير ملفًا بهذا الحجم من دون بيانات واضحة ورؤية طويلة المدى.
الدولة القوية هي التي تعرف ماذا لديها، وماذا تتحمل، وماذا تحتاج، وكيف تدير مواردها.
والإعلام القوي هو الذي يعرف متى يقول: انتبهوا، هذا الملف يستحق أن نراه كاملًا.
وهنا تحديدًا تأتي أهمية أحمد موسى.
لذلك أقولها مرة أخرى: يا رئيس الوزراء.. انتبه لأحمد موسى.
ليس لأنه ضد الدولة، وليس لأن هناك مواجهة بينه وبين الحكومة، ولكن لأن الرجل يضع ملفًا مهمًا على الطاولة، ويمنح قضية شائكة مساحة من النقاش العام.
خذ السؤال بجدية، واترك للمؤسسات أن تقدم الإجابة.
فلا قيمة لملف كبير بلا معلومات، ولا قيمة لمعلومات لا تصل إلى الناس، ولا قيمة لإعلام يخاف من السؤال، ولا قيمة لسؤال يتحول إلى خصومة.
نحن نريد الحقيقة.
نريد الأرقام.
نريد أن نفهم.
ونريد أن تظل مصر كما عرفناها: دولة تعرف كيف تفتح بابها للإنسان، وفي الوقت نفسه تعرف كيف تدير بيتها.
وهذه ليست معادلة مستحيلة، بل هي بالضبط مسؤولية الدولة، ودور الإعلام، وحق المواطن.
14 سبتمبر 2026 08:25 ص
07 سبتمبر 2026 09:12 ص
31 أغسطس 2026 09:25 ص
24 أغسطس 2026 12:29 م
أكثر الكلمات انتشاراً