الإثنين، 02 نوفمبر 2026

11:56 ص

الإثنين، 02 نوفمبر 2026

11:56 ص

الإعلام بين حرية التعبير وأخلاقيات المهنة

ثمة فارق جوهري بين إعلام يختلف من أجل الوصول إلى الحقيقة، وإعلام يجعل من الاختلاف غاية في ذاته، وبين خطاب مهني يستند إلى الحجة والمعرفة، وآخر يستمد حضوره من ارتفاع الصوت واستثارة الانفعالات. 

هذا الفارق ليس مسألة تتعلق بالذوق وحده، وإنما يرتبط بطبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام في المجتمع، وبمدى إدراك العاملين فيه لمسؤوليتهم تجاه الهوية الوطنية، والوعي العام، وصورة الوطن في الداخل والخارج.

إن الحديث عن مستوى الخطاب الإعلامي لا ينبغي أن يُختزل في تقييم أداء مذيع أو برنامج، بل يجب أن يمتد إلى مناقشة المعايير المهنية والثقافية والأخلاقية التي تحكم الممارسة الإعلامية، وتحدد طبيعة العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية.

فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو عرض الآراء، بل هو أحد الفضاءات التي تتشكل داخلها تصورات المجتمع عن نفسه، وتتحدد من خلالها طرائق فهم الاختلاف والتعامل مع القضايا العامة. 

وحين يلتزم الإعلام بالدقة والموضوعية واحترام العقل، فإنه يسهم في بناء الوعي، أما حين يطغى الانفعال على التحليل، وتتراجع الحجة أمام التجريح، فإن النقاش يفقد جانبًا من قيمته المعرفية، ويتحول من وسيلة للفهم إلى مشهد تتنافس فيه الأصوات على جذب الانتباه.

ولا يعني ذلك أن الإعلام مطالب بتجنب القضايا الخلافية، أو تخفيف حدة النقد، أو إحلال المجاملة محل المواجهة. على العكس، فإن قوة الإعلام تقاس بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، ومناقشة مواطن القصور، ومساءلة المسؤولين، وإتاحة المجال لوجهات النظر المختلفة. 

غير أن هذه الوظائف لا تكتسب مشروعيتها من مجرد ممارستها، وإنما من الطريقة التي تُمارس بها؛ فحرية التعبير لا تتعارض مع الانضباط المهني، والنقد الجاد لا يحتاج إلى الإهانة كي يكون مؤثرًا، كما أن الحجة القوية لا تفقد قيمتها حين تُعرض بلغة هادئة ورصينة.

ومن هنا، يصبح الحفاظ على الهوية المصرية جزءًا أصيلًا من مسؤولية الإعلام، لا بمعنى تقديم صورة مثالية تخلو من المشكلات، وإنما بمعنى التعبير عن الشخصية المصرية بما تنطوي عليه من تنوع ثقافي وتاريخي، وقدرة على الحوار والتفاعل مع الأفكار المختلفة. فالهوية ليست مجموعة من الشعارات التي تُستدعى في المناسبات، بل منظومة من القيم والممارسات والرموز التي تتجدد عبر اللغة والسلوك والإنتاج الثقافي، ويؤثر الخطاب الإعلامي في طريقة حضورها داخل المجتمع.

إن احترام الهوية المصرية يقتضي أن ندرك أن الرقي في الحوار ليس مظهرًا شكليًا، بل تعبير عن مستوى الثقافة العامة، وأن احترام الآخر لا يعني التسليم برأيه، بل الاعتراف بحقه في عرض موقفه ومناقشته وفقًا لقواعد واضحة.

كما يقتضي التمييز بين السخرية التي تكشف تناقضًا وتضيء خللًا، والسخرية التي تتحول إلى انتقاص من الأشخاص، وبين النقد الذي يستهدف تصحيح المسار، والخطاب الذي ينصرف عن القضية إلى التشهير بأطرافها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية أخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف الصحفي والإعلامي باعتبارها إطارًا ينظم العلاقة بين حرية الإعلام وواجباته تجاه الجمهور والمجتمع. 

فالمهنية لا تتوقف عند صحة المعلومة أو سلامة الصياغة، وإنما تشمل الإنصاف في عرض الآراء، واحترام الخصوصية، وإتاحة حق الرد، وتجنب التضليل، والفصل بين الوقائع والتفسيرات، وعدم توظيف المنصة الإعلامية لتصفية الخصومات الشخصية.

وتكتسب هذه المبادئ أهميتها من كون الإعلامي لا يتحدث في فراغ؛ فكلمته تصل إلى جمهور واسع، وقد تسهم في تشكيل موقف أو ترسيخ انطباع أو توجيه نقاش عام. 

ولذلك فإن المسؤولية المهنية تفرض عليه أن يزن عباراته بقدر ما يدرك أثرها، وأن يميز بين ما يحق له قوله في إطار النقد المشروع، وما قد يمثل تجاوزًا يضر بكرامة الأشخاص أو يخل بموضوعية المعالجة. ولا تعني هذه المسؤولية إخضاع الإعلام للرقابة على الآراء، بل تعزيز قدرته على ممارسة حريته بكفاءة ونزاهة.

ومن الضروري كذلك أن يُطبَّق ميثاق الشرف المهني على الجميع بمعيار واحد، بعيدًا عن الانتقائية أو الحسابات الشخصية. فلا يستقيم أن نطالب إعلاميًا بالالتزام حين يختلف معنا، ثم نتسامح مع التجاوز حين يصدر عمن نتفق معه. فالمعايير المهنية تفقد قيمتها إذا تحولت إلى أدوات للمحاسبة الانتقائية، وتستعيد فاعليتها حين تصبح جزءًا من ثقافة العمل الإعلامي، تحكم الممارسة اليومية وتدعم الثقة بين الإعلاميين والجمهور.

وفي ظل التحولات الرقمية، وما فرضته منصات التواصل الاجتماعي من سباق على سرعة النشر واتساع الانتشار، أصبحت هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا. فقد باتت بعض أنماط الأداء الإعلامي تتأثر بمنطق المشاهدة والتفاعل، حتى أصبح الجدل في أحيان كثيرة أكثر حضورًا من مضمون النقاش.

غير أن الانتشار لا يمثل معيارًا كافيًا للحكم على القيمة المهنية، كما أن القدرة على إثارة الانتباه لا تعني بالضرورة القدرة على الإقناع أو الإسهام في بناء المعرفة.

ومن الخطأ أن نضع المشاهدات في مواجهة الجودة، أو أن نفترض أن الخطاب الرصين عاجز عن المنافسة. فالإعلام القادر على الجمع بين عمق المحتوى وحيوية العرض يستطيع أن يجذب الجمهور دون أن يتنازل عن معاييره، وأن يقدم نقاشًا مشوقًا دون أن يحوله إلى خصومة، وأن يمارس النقد الحاد دون أن ينزلق إلى الابتذال. والتحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين المهنية والجاذبية، بل في امتلاك أدوات تحقق الاثنين معًا.

كما أن استعادة مكانة الإعلام المصري لا تتحقق بمجرد استدعاء أمجاد الماضي، ولا بالمطالبة باستعادة الريادة في عبارات عامة، وإنما بإعادة الاعتبار إلى المعرفة والتخصص والتدريب، وتطوير مهارات إدارة الحوار، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، وتوفير بيئة مهنية تسمح بالنقد المسؤول وتكافئ جودة المحتوى. فالريادة ليست امتيازًا تاريخيًا يظل قائمًا دون تجديد، بل مسؤولية تتطلب عملًا مستمرًا وقدرة على مواكبة المجتمع وتحولاته.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن سمعة الوطن لا يعني حجب أوجه القصور أو تجنب مناقشتها، وإنما يعني تناولها بقدر من الدقة والإنصاف يضمن ألا تتحول الممارسة الإعلامية إلى مصدر للتضليل أو الإساءة المجانية.

فالصورة الإيجابية للوطن لا تُبنى بإنكار مشكلاته، بل بقدرته على مواجهتها، ولا يحميها خطاب يتجنب الحقيقة، بل إعلام يتمتع بالاستقلال المهني، ويؤدي دوره الرقابي والمعرفي في إطار من المسؤولية.

إن الدعوة إلى الارتقاء بالحوار ليست مطالبة بإسكات الأصوات أو توحيد المواقف، بل دعوة إلى تطوير أدوات الاختلاف، بحيث تصبح الحجة بديلًا عن التجريح، والتحليل أسبق من الانفعال، واحترام القواعد المهنية أساسًا لا يتغير بتغير الأشخاص والمصالح.

إن الإعلام الذي نطمح إليه هو إعلام يملك شجاعة السؤال، ونزاهة الموقف، وعمق المعرفة، ورقي اللغة؛ إعلام لا يتخلى عن النقد، ولا يخلط بين الحرية والفوضى، ولا يجعل من الإساءة وسيلة لإثبات الحضور. إعلام يدرك أن حماية الهوية المصرية تبدأ من احترام الإنسان المصري، وأن صيانة سمعة الوطن تتطلب الصدق لا التجميل، والمسؤولية لا المزايدة، والوعي لا الضجيج.

فالاختلاف حق، والنقد من أجل الإصلاح ضرورة، أما الارتقاء بلغة الحوار وصون أخلاقيات المهنة فمسؤولية مشتركة، لا تكتمل ريادة الإعلام إلا بالوفاء لها.

رابط مختصر

تابعونا على

search