الإثنين، 12 أكتوبر 2026

02:23 م

الإثنين، 12 أكتوبر 2026

02:23 م

بلطجة الشوارع.. لا مكان لمن يروّع الناس، والردع الحاسم ضرورة

ليس من حق أحد أن يستقوي على مواطن في الشارع، أو يهينه أمام المارة، أو يشهر سلاحًا في وجهه ليجبره على الخضوع. ما ظهر في المقطع المتداول عن واقعة عزبة أبو مسلم بالجيزة يثير غضبًا مشروعًا، لأنه يضعنا أمام سلوك لا يجوز التعامل معه باعتباره مشاجرة عادية إذا أثبتت التحقيقات أنه ينطوي على اعتداء وترهيب واستعراض للسلاح. 

نحن أمام سؤال يمس حياة الناس مباشرة: كيف يشعر المواطن بالأمان إذا وجد نفسه في مواجهة شخص يتصرف وكأن القوة تمنحه حق الاعتداء؟
هذه هي البلطجة في أبشع صورها؛ أن يتحول خلاف بين أشخاص إلى محاولة لإذلال إنسان، وأن يصبح السلاح وسيلة لإرهاب الآخرين، وأن يظن المعتدي أن خوف الناس منه دليل قوة. 

والحقيقة أن من يحتاج إلى تخويف الناس كي يفرض نفسه عليهم لا يملك قوة يحترمها أحد، بل يمارس سلوكًا ينبغي أن يواجهه القانون بلا تردد.
لا أرى مبررًا واحدًا للتهاون مع البلطجة، ولا أقبل أن يصبح المواطن مطالبًا بتدبير أمره بنفسه كلما تعرض لاعتداء. ليس مطلوبًا منه أن يدخل في مواجهة مع شخص مسلح، ولا أن يغامر بحياته دفاعًا عن كرامته، ولا أن ينتظر حتى تتكرر الواقعة مع شخص آخر. المطلوب أن يجد أمامه قانونًا نافذًا، وأجهزة قادرة على التحرك، ومحاسبة تمنع المعتدي من الاعتقاد أن بإمكانه الإفلات من العواقب.
وهنا أتحدث بثقة وتقدير عن وزارة الداخلية ورجالها، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية التصدي لمثل هذه الممارسات وحماية المواطنين من أخطارها. ثقتي في الوزارة تنطلق من أهمية الدور الذي تؤديه في حفظ الأمن وإنفاذ القانون، ومن انتظاري أن تُفحص الواقعة المتداولة بدقة، وأن تُحدد هوية أطرافها، وأن تُسمع أقوال المجني عليه والشهود، وأن تُتخذ الإجراءات اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته.
وأثق أن التعامل الجاد مع هذه الواقعة، إذا أكدت التحقيقات ما يتداوله المقطع، سيبعث برسالة مهمة إلى كل من يعتقد أن الشارع يمكن أن يصبح ساحة للبلطجة: أجهزة الدولة لن تترك الترويع يفرض نفسه على حياة الناس، ولن يكون انتشار مقطع على مواقع التواصل هو نهاية الأمر، بل يجب أن تكون البداية لتحقيق يكشف الحقيقة ويضع المسؤولية في موضعها الصحيح.
إن الإشادة بوزارة الداخلية لا تعني الاكتفاء بانتظار واقعة جديدة حتى يتحرك الجميع. المطلوب مواجهة مستمرة، ورصد جاد للبلاغات، وسرعة في التعامل مع التهديدات، وملاحقة مصادر الأسلحة غير المرخصة، وعدم السماح للمعتدين بالضغط على الضحايا أو تخويف الشهود. فالمواطن يحتاج إلى حماية فعلية يشعر بها في شارعه ومنطقته، لا إلى موجة غضب تنتهي بانشغال الناس بقصة أخرى.
والردع الذي نطالب به ليس دعوة إلى تجاوز القانون، بل إلى تطبيقه بقوة وعدالة. من يثبت اعتداؤه على الآخرين يجب أن يواجه العقوبة التي يقررها القانون، ومن يحمل سلاحًا بصورة غير مشروعة يجب أن يُحاسب وفقًا للأحكام المنظمة لذلك، ومن يهدد حياة الناس لا ينبغي أن يُترك حتى تتفاقم خطورته. أما التشديد في العقوبات، إذا اقتضت الحاجة، فيجب أن يستند إلى مراجعة جادة للتشريعات، لا إلى انفعال لحظي سرعان ما يخفت.
ولا بد من قول كلمة في حق من يشاهدون هذه الوقائع: لا تجعلوا الهاتف بديلًا عن النجدة، ولا تجعلوا تصوير الاعتداء غاية في حد ذاته. التصوير قد يساعد في كشف الحقيقة، لكن إبلاغ الجهات المختصة وتقديم ما يتوافر من أدلة هو الطريق الذي يمكن أن يحول المشهد المتداول إلى قضية تُفحص وتُحاسب المسؤول عنها. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يتحول تداول المقاطع إلى محاكمة شعبية تتجاهل التحقيق أو تستبق أحكام القضاء.
إن أخطر ما يمكن أن تتركه البلطجة خلفها ليس أثر الاعتداء وحده، بل أن يعتاد الناس رؤية الإهانة فلا يتدخل أحد، وأن يتصور الضعيف أنه مضطر إلى الصمت، وأن يعتقد صاحب السلاح أن الخوف الذي يزرعه يمنحه حقًا ليس له. لهذا يجب أن تكون المواجهة واضحة: لا حماية للبلطجة، ولا تساهل مع من يثبت ترويعه للمواطنين، ولا استثناء لأحد من المحاسبة.
وأقولها بوضوح: نحن نثق في قدرة وزارة الداخلية على أداء دورها، وننتظر تحركًا حاسمًا يكشف حقيقة واقعة عزبة أبو مسلم، ويطبق القانون على من تثبت مسؤوليته. فالمواطن الذي يخرج من بيته لا ينبغي أن يحمل معه خوفًا من بلطجي، ولا أن يحسب خطواته خشية أن يصادف شخصًا يعتقد أن السلاح يمنحه سلطة على الآخرين.
الشارع ليس ملكًا لمن يرهب الناس، والكرامة ليست منحة يمنحها المعتدي أو يسلبها، والقانون ليس خيارًا يلتزم به الضعيف ويتجاوزه القوي. مواجهة البلطجة تحتاج إلى ردع حقيقي لا يتوقف عند الغضب من واقعة، بل يمنع تكرارها، ويعيد للمواطن ثقته في أن من يعتدي عليه سيواجه القانون، وأن الدولة لن تترك أمن الناس رهينة لأصحاب السلاح والترهيب.

search