الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

01:59 ص

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

01:59 ص

قبل وفاته بأسبوع.. وثيقة نادرة تكشف كيف أنهى عبدالناصر أزمة أيلول الأسود

الرئيس جمال عبدالناصر ومعمر القذافي

الرئيس جمال عبدالناصر ومعمر القذافي

لم يكن سبتمبر 1970 شهرًا عاديًا في حياة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ولا في تاريخ المنطقة العربية، ففي الوقت الذي كانت فيه مواجهات “أيلول الأسود” تتصاعد بين القوات الأردنية والفصائل الفلسطينية، تحولت القاهرة إلى مركز للاتصالات العربية المكثفة بحثًا عن مخرج من أزمة بدا أنها تتجاوز حدود الأردن، وتهدد بفتح أبواب جديدة للصراع في المنطقة.

عبد الناصر يطالب بوقف إطلاق النار

وكانت المعارك قد اندلعت على نطاق واسع في الأردن، فيما تصاعدت المخاوف من اتساع دائرة التدخل العسكري، خصوصًا مع التطورات المرتبطة بسوريا والعراق، واحتمالات دخول إسرائيل أو الولايات المتحدة على خط الأزمة، حيث كان عبدالناصر يدفع في اتجاه وقف إطلاق النار والحل السياسي.

وفي قلب هذه اللحظة، يأتي محضر مباحثات الرئيس جمال عبدالناصر مع قائد الثورة الليبية الراحل، العقيد معمر القذافي، في القاهرة يوم 21 سبتمبر 1970، الذي ينفرد “تليجراف مصر” بتسجيلات صوتية لمباحثات القائدين، ضمن محاضر مباحثات عبدالناصر مع عدد من القادة العرب خلال الفترة من 21 إلى 27 سبتمبر.

بعد أقل من أسبوع، كانت القاهرة تشهد اتفاقًا لوقف القتال بين ملك الأردن، الحسين بن طلال، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، ثم في اليوم التالي 28 سبتمبر 1970، رحل جمال عبدالناصر عن عمر 52 عامًا إثر أزمة قلبية، وبين تاريخي 21 و28 سبتمبر، تبدو قصة محضر المباحثات وكأنها فصل أخير من محاولة عبدالناصر احتواء أزمة عربية قبل أن تخرج تمامًا من أيدي أصحابها.

000_PAR2004033146021 (1)
مقاتلون فلسطينيون قرب العاصمة الأردنية عمّان في 1970

القذافي يضع الأزمة أمام عبدالناصر

في بداية اللقاء، تحدث القذافي عن رؤيته للأزمة باعتبارها جزءًا من مشهد عربي أوسع، مؤكدًا أن ما يجري لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع في المنطقة، وقال: “المنطقة واحدة وعدوها واحد وظروفها واحدة ومصيرها واحد، رغم مواقفنا الأخيرة اللي بنقفها هذا مصيرنا.. المنطقة واحدة وعدوها واحد، هذه مسلمات نحن نسلم بها وأي عامل خارج هذا التصور يسير في طريق مسدود”.

لكن حديث عبدالناصر اتجه سريعًا من توصيف المشهد العام إلى البحث عن كيفية منع الأزمة من التحول إلى حرب أوسع، فكان اهتمامه الأساسي منصبًا على عقد الاجتماع العربي والاستعداد له، قبل أن ينتقل إلى جوهر الأزمة الأردنية والحسابات التي تحيط بها.

وأوضح عبدالناصر أن الهدف الأهم بالنسبة له هو الوصول إلى تسوية بين طرفي الصراع داخل الأردن، قائلًا إن “الأحسن إن احنا نحل المشكلة بين الملك حسين والمقاومة” لأن استمرار الحرب قد يؤدي إلى نتيجة لا يستطيع أحد التحكم فيها.

عبدالناصر يحذر من حرب بلا سقف

وكان عبدالناصر يرى أن اللحظة لا تحتمل فتح جبهة عسكرية جديدة، خصوصًا أن اندلاع حرب واسعة قد يؤدي إلى دخول أطراف أخرى لا يمكن التنبؤ بحجم تدخلها، قائلًا: “الحرب اذا بدأت لا يستطيع إنسان أن يعلم الى أين تصل.. أول الحرب ما تبتدى تخرج من إيدينا كلنا .. أول العمل العسكرى تخرج من إيدينا خالص، ودي الحكمة”، ثم شرح مخاوفه بصورة أكثر تفصيلًا، موضحًا أن بداية الحرب قد تعني دخول الولايات المتحدة وبريطانيا وأطراف أخرى إلى المشهد بما يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا واتساع نطاق المواجهة.

وأضاف: “يعنى إذا ابتدت الحرب محدش عارف هتنتهي إزاي يعنى الأمريكان بييجوا الإنجليز بييجوا الدنيا بتتطريق ناس تانية هتموت”، ومن هنا طرح عبدالناصر طريقًا سياسيًا للخروج من الأزمة، يقوم على التوصل إلى اتفاق بين المقاومة الفلسطينية والملك حسين، بالتوازي مع محاولة إنهاء الخلاف بين سوريا والملك حسين.

وقال: “طب إذا قدرنا نعمل اتفاق بين المقاومة والملك حسين، وإذا قدرنا ننهي الموضوع بين سوريا والملك حسين بتقول إن فيه تناقضات، التناقضات تمشى بأوضاعها الطبيعية لكن دلوقتي فيه حرب هتجرنا إلى إيه؟ واليهود قاعدين”.

عبدالناصر: اليهود متربصون بنا

ولم تكن حسابات عبدالناصر مقتصرة على طرفي الأزمة الأردنية أو حتى على سوريا والعراق، إذ ظل الصراع العربي الإسرائيلي حاضرًا في تقييمه لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، واستشهد بالحرب العالمية الثانية، قائلًا: “أولا تحارب اليهود، يعنى الأمريكان والروس اتفقوا يحاربوا هتلر وبعد ما خلصوا على هتلر ابتدوا الحرب الباردة”، ثم عاد إلى الوضع في المنطقة مؤكدًا أن إسرائيل تراقب التطورات، قائلًا: “يعنى دلوقتى اليهود قاعدين متربصين بينا الحقيقة بالذات إحنا التهديد كله منصب على الجبهة بتاعتنا”.

وكان السؤال بالنسبة لعبدالناصر يتجاوز إمكانية انتصار طرف على آخر داخل الأردن، إلى ما إذا كانت المواجهة نفسها ستفتح جبهة جديدة في وقت كانت فيه الدول العربية تواجه إسرائيل أصلًا.

انتقل النقاش بعد ذلك إلى الحسابات العسكرية المباشرة، حيث سأل عبدالناصر القذافي عن حجم القوات التي يمكن لبلاده الدفع بها، ليرد القذافي: “هبعت 30 دبابة”، لكن عبدالناصر قارن هذا العدد بحجم القوات السورية، مشيرًا إلى امتلاكها نحو 800 دبابة أو أكثر، قبل أن يتدخل أحد الحاضرين ليقول: “عنده ألف دبابة”.

فرد عبدالناصر: “عنده ألف دبابة، والملك حسين عنده 500 دبابة وإسرائيل عندها 1500 دبابة يبقى الملك حسين وإسرائيل يطلعوا 2000 دبابة”، وأثار هذا الحساب ضحك الحاضرين، قبل أن يعود عبدالناصر للتأكيد على ضرورة التعامل مع الأرقام بدقة، قائلًا: “يعني نحسب صح”.

ولم يكن هذا الحساب مجرد استعراض للأرقام، وإنما جاء ضمن محاولة عبدالناصر تقدير شكل المواجهة إذا تحولت الأزمة من صراع سياسي وعسكري داخل الأردن إلى حرب إقليمية تشارك فيها قوات متعددة.

WhatsApp Image 2026-09-19 at 3.36.34 PM (1)
الرئيس جمال عبدالناصر ومعمر القذافي

الوضع معقد ومخاوف من اشتعال الصراع

ومع استمرار الحديث عن احتمال دخول القوات السورية، انتقل عبدالناصر إلى تعقيدات أخرى تتعلق بالوضع داخل سوريا، مشيرًا إلى أن تحريك القوات السورية نحو الأردن قد يترك خلفها احتمالات أخرى لا تقل خطورة، قائلًا إن دخول الدبابات السورية إلى الجبهة قد يفتح المجال لتحركات من جانب أمين الحافظ، وهو رئيس سوري سابق كان مقيمًا في بغداد أثناء أزمة أيلول الأسود وبالقرب من الحدود، بحسب ما ورد في المحضر.

وأضاف: “وبعدين هو إذا دخل الألف دبابة للجبهة يدخلوا له أمين الحافظ، وهو واقف على الحدود مستعد يخش سوريا، ولازم طبعا الأتاسي حاسب هذا الموضوع”، ثم استحضر عبدالناصر واقعة تتعلق بمؤامرة كان قد تم ضبطها داخل الجيش السوري، قائلًا: "مش ده لسه ماسكين مؤامرة فيها 40 ضابط عازين يعملوا انقلاب لحساب العراق".

وبعد هذا الاستعراض للتشابكات السياسية والعسكرية، اختصر عبدالناصر رؤيته للمشهد قائلًا: “قصدي إن الوضع معقد”، وكان تخوفه أن يؤدي تحريك القوات السورية إلى خلق ثغرة على الجبهة السورية نفسها، بما قد يسمح للعراق بالتحرك من الاتجاه الآخر، وهو ما شرحه قائلًا: “يعنى إذا جاب هو دباباته على الحدود يحارب الأردن ويحارب إسرائيل، العراق دخلوا له من ورا وخدوا دمشق وخدوا حلب”.

إربد والرمثا بالاردن

وفي أثناء الحديث، أشار القذافي إلى أن الجيش السوري يسيطر على المنطقة الشمالية من الأردن وصولًا إلى إربد، لكن عبدالناصر صحح توصيف المنطقة مستندًا إلى معرفته السابقة بها، قائلًا: “لا، إربد على الحدود يعني الرمثا - أصل أنا روحت إربد وعارف المنطقة دي كلها - الرمثا على خط الحدود وإربد جنب الرمثا بس الحدود فوق شوية كده زي حدود ليبيا لما تيجى بعد مصر تبتدي تعمل لفة”.

ولم يكن هذا التفصيل الجغرافي عابرًا في حديث عبدالناصر، إذ كان مرتبطًا مباشرة بحساباته بشأن قدرة القوات السورية على التحرك، وإمكانية تعرضها لضربات جوية إذا دخلت المعركة.

احتمالات الضربات الجوية

وتوقف عبدالناصر عند موازين القوة الجوية في حال اتساع المواجهة، مشيرًا إلى أن الملك حسين يمتلك 36 طائرة يمكن استخدامها لضرب الدبابات السورية، من بينها طائرات “هوكر هنتر” و"F-104"، لافتًا إلى أنها كانت موجودة في سوريا قبل أن تعود إلى الجانب الأردني، قبل أن يضيف أن إسرائيل قد تدفع بطائراتها هي الأخرى لضرب الدبابات السورية.

وقال عبدالناصر: “دلوقتي الملك حسين عنده 36 طيارة ممكن يطلعوا يضربوا له الدبابات عنده الهوكر هنتر والـF104 جاهزين، كانوا في سوريا دلوقتي رجعوا عنده، وبعدين ممكن اليهود يطلعوا طياراتهم برضه يضربوا الدبابات السورية”، وعلّق القذافي على هذا الاحتمال بكلمات مقتضبة: “تكون معركة”، فأجاب عبدالناصر: “آه.. لما تبتدي معركة مين هيخسر؟”.

بهذه الجملة القصيرة، عاد عبدالناصر إلى جوهر مخاوفه من اتساع المواجهة، فالمسألة بالنسبة له لم تكن فقط في حجم القوات التي يمكن لكل طرف حشدها، وإنما في النتائج التي قد تترتب على بدء المعركة نفسها، خصوصًا إذا دخل الطيران الإسرائيلي أو الأردني في المواجهة.

عبدالناصر يبحث عن مخرج

بعد استعراض احتمالات التصعيد العسكري، عاد عبدالناصر إلى رؤيته الأساسية بضرورة احتواء الأزمة سياسيًا، قائلًا: “يعنى أنا رأيي إذا قدرنا نلم الموضوع بالعقل ونوفق”.

وجاء هذا الموقف في ظل ضغوط سياسية عربية تعرض لها عبدالناصر بسبب موقفه من الأزمة، وهو ما أشار إليه بوضوح خلال الحديث، وقال: “يعني أنا بقالي 4 أيام والعراق بيتهموني إن أنا خنت القضية”.

لكن عبدالناصر قدم حساباته الخاصة للموقف، مؤكدًا أنه يرى أن استمرار العملية العسكرية سيقود إلى نتيجة واضحة بالنسبة للفدائيين، قائلًا: “أنا عارف إن الملك حسين إذا مشي في العملية بيخلص على الفدائيين.. حسبة بسيطة أصلها بتطلع العملية”، مضيفًا: “أنا عارف الفدائيين إيه وتدريبهم إيه وأسلحتهم إيه والملك حسين إيه ومعاه إيه وأسلحته إيه”.

أسماء أردنية في حسابات عبدالناصر

وفي حديثه عن الأطراف الأردنية، أشار عبدالناصر إلى عدد من الشخصيات التي رأى أنها مستعدة للقتال حتى النهاية، قائلًا: “وبعدين اللى معاه زي زيد والجماعة دول مستعدين يموتوا 200 ألف و300 ألف”، وذكر عبدالناصر أسماء قادة أردنيين حاضرين بقوة مثل زيد بن شاكر، وحابس المجالي، ووصفي التل.

وتكشف هذه الفقرة من المحضر عن طبيعة الاتصالات والشخصيات التي كانت حاضرة في حسابات عبدالناصر خلال تلك الأيام، بينما كان يسعى في الوقت نفسه إلى الوصول إلى صيغة يمكن من خلالها وقف القتال.

نهاية جلسة 21 سبتمبر

وفي نهاية اللقاء، أنهى عبدالناصر الحديث مع القذافي على أن تستكمل اللقاءات في اليوم التالي، لكن ما جاء في هذا الاجتماع لم يكن مجرد نقاش حول أرقام الدبابات والطائرات، وإنما كان جزءًا من تحرك عربي واسع لوقف أزمة كانت تتسع يومًا بعد يوم.

وتشير الوثائق إلى أن عبدالناصر كان يؤدي دورًا مهمًا في جهود الوساطة خلال تلك الفترة، إلى جانب قادة عرب آخرين، في محاولة للتوصل إلى وقف إطلاق النار وحل سياسي بين الأطراف المتصارعة، وبحلول 26 سبتمبر 1970، كانت المواجهات قد شهدت استقرارًا نسبيًا، بينما تصاعدت الضغوط العربية لإنهاء القتال.

WhatsApp Image 2026-09-19 at 3.36.33 PM (2)
الرئيس جمال عبدالناصر وياسر عرفات والملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود

بعد ستة أيام فقط من لقاء عبدالناصر والقذافي، كانت القاهرة تستضيف اجتماعًا عربيًا انتهى إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الملك حسين وياسر عرفات في 27 سبتمبر 1970، في خطوة جاءت بعد أيام من القتال والتحركات والوساطات العربية.

وبذلك، بدت عبارة عبدالناصر في محضر 21 سبتمبر: “أول الحرب ما تبتدي تخرج من إيدينا كلنا” وكأنها تختصر جوهر تحركه خلال تلك الأيام، وهو منع الأزمة من التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة، ففي المحضر كان يحسب عدد الدبابات ويتحدث عن الطائرات، ويرسم احتمالات دخول سوريا والعراق وإسرائيل، لكنه كان يعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: ضرورة وقف الحرب قبل أن تصبح أكبر من قدرة الأطراف العربية على السيطرة عليها.

نهاية أسبوع الأزمة ورحيل عبدالناصر

ولم يمض أكثر من يوم على اتفاق القاهرة حتى تغير المشهد بالكامل، في 28 سبتمبر 1970، توفي جمال عبدالناصر إثر أزمة قلبية عن عمر 52 عامًا، وهكذا، يفصل بين محضر مباحثاته مع القذافي في 21 سبتمبر ورحيله في 28 سبتمبر أسبوع واحد فقط. أسبوع كان الأردن وأزمته حاضرين بقوة في المشهد السياسي العربي، وكانت القاهرة خلاله مركزًا للاتصالات الهادفة إلى وقف القتال.

وتشير وثائق تلك الفترة إلى أن وقف إطلاق النار ظل هشًا حتى بعد اتفاق القاهرة، وأن وفاة عبدالناصر طرحت تساؤلات حول مستقبل الوساطة العربية وقدرة الأطراف على الحفاظ على التهدئة، كما وصفت الوثائق عبدالناصر بأنه لعب دورًا مهمًا في دفع الأطراف نحو احتواء الأزمة.

WhatsApp Image 2026-09-19 at 3.34.55 PM
الرئيس الراحل جمال عبالناصر

اقرأ أيضًا

"بخط يد المشير".. حكاية 3 استقالات قدّمها عبد الحكيم عامر لـ عبد الناصر، و"الأخيرة تقول كل شيء"

search