الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
05:56 م
في قضية دينا عزت، هناك شيء يستحق التوقف أمامه ربما أكثر من تفاصيل الواقعة نفسها وهو سرعة إصدار الأحكام على وزارة الداخلية قبل أن تنتهي التحقيقات.
فبمجرد انتشار مقاطع الفيديو التي تحدثت فيها دينا عزت عن واقعة القبض على زوجها، وعن اتهاماتها لقوة أمنية بتلفيق قضية مخدرات له والاستيلاء على أموال ومشغولات ذهبية، بدا وكأن الحكم قد صدر بالفعل في جزء كبير من مواقع التواصل الاجتماعي.
الرواية كانت مؤثرة، والمشهد الإنساني كان حاضراً بقوة، ولذلك كان من الطبيعي أن يتفاعل الناس معها، لكن من الواجب أيضاً أيضاً أن نتوقف لحظة، فالفيديو ليس حكماً، والاستغاثة ليست دليلاً نهائياً، كما أن البيان الأمني ليس وحده حكماً نهائياً في المقابل.
وهنا تحديداً أعتقد أن بعض ردود الفعل على الواقعة ذهبت بعيداً في اتجاه واحد، ولا أجد سبباً لذلك في ظل إعلان محاسبة ومعاقبة ضباط وأفراد شرطة أخطأوا في وقائع سابقة.
أنا لا أجد مشكلة في أن ينتقد المواطن الشرطة إذا شعر أنه تعرّض للظلم، ولا أجد مشكلة في أن يسأل الإعلام عن أي تجاوز محتمل من رجل أمن، بل على العكس، هذه الأسئلة ضرورية، لكن هناك فرقاً بين السؤال عن الواقعة وبين إصدار حكم على مؤسسة كاملة.
وزارة الداخلية، بحسب روايتها الرسمية، قالت إن ما ورد في مقاطع دينا عزت غير صحيح، وإن أصل الواقعة يعود إلى 26 يوليو الماضي، عندما ضُبط زوجها في حالة تلبس بتعاطي المخدرات، وعُثر بحوزته على كمية من الحشيش، ثم أُرشد – وفق بيان الوزارة– عن كميات أخرى من الآيس والحشيش ومبالغ مالية وسلاح أبيض داخل مسكنه، وأن النيابة قررت حبسه على ذمة التحقيقات ولا يزال قيد الحبس.
هذه رواية رسمية، وقد يصدقها البعض، وقد يشكّك فيها البعض الآخر، لكن الإنصاف يقتضي على الأقل أن نسمعها، والأهم أن القضية لم تعد مجرد سجال بين فيديو وبيان.
النيابة تحقق الآن في الاتهامات المنسوبة إلى دينا عزت، ومن بينها نشر أخبار وبيانات كاذبة وتكدير السلم العام، كما أمرت بعرضها على جهة طبية لإعداد تقرير بشأن حالتها الصحية بعد ادعائها تعرضها لإصابات أثناء القبض عليها، وهذا يعني ببساطة أننا أمام تحقيق لم ينته بعد.
فلماذا إذن نتعامل مع طرف على أنه أدين، والطرف الآخر على أنه متهم، قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها؟
أنا أثق في الداخلية.. وهذا لا يعني أنها لا تخطئ، وأقولها بوضوح: وزارة الداخلية المصرية تقوم بدور لا يمكن إنكاره في حماية المجتمع ومواجهة الجريمة.
رجال الشرطة يعملون في ظروف صعبة، ويتعاملون يومياً مع جرائم ومواقف لا يراها معظم الناس، وفي النهاية فإن الأمن ليس خدمة يمكن تأجيلها إلى اليوم التالي.
لكن هذه الثقة لا تعني أن كل فرد داخل المؤسسة معصوم من الخطأ، فإذا أخطأ ضابط أو فرد شرطة، فيجب أن يحاسب، وهذا ليس انتقاصاً من وزارة الداخلية، وإنما هو تحديداً ما يجعل المؤسسة أقوى.
لكن الوجه الآخر للحكاية مهم أيضاً، فليس كل اتهام لرجل شرطة دليلاً على أنه ارتكب جريمة، وإذا أصبح كل فيديو منشور على مواقع التواصل كافياً لإدانة ضابط أو قسم شرطة أو وزارة كاملة، فنحن لا نبني دولة قانون، وإنما نبني محكمة جديدة لا تحتاج إلى أدلة ولا شهود ولا تحقيق.
السوشيال ميديا لا تحب التفاصيل، لكنها تفضل القصة القصيرة، والصورة الواضحة، والضحية الواضحة، والجاني الواضح، لكنني كمحامٍ في المقام الأول أقول لكم إن الحقيقة في القضايا القانونية غالباً ليست بهذه البساطة.
قد يكون هناك خطأ في إجراء، وقد تكون هناك رواية غير دقيقة، وقد تكون هناك وقائع لم تظهر بعد، وقد تثبت صحة جزء من رواية كل طرف، أو خطأ جزء منها، ولهذا ابتكر الإنسان شيئاً اسمه التحقيق.
والتحقيق ليس إجراءً شكلياً حتى نصل إلى النتيجة التي نريدها، وإنما هو الوسيلة التي يفترض أن تكشف ما حدث فعلاً.
خلاصة القول إننا لا نريد شرطة فوق القانون.. ولا مجتمعاً فوق القانون، وهذه هي المعادلة التي يجب ألا نضيعها وسط الضجيج.
نريد رجل شرطة يحترم القانون، ونريد مواطناً يحترم القانون، ونريد إعلاماً يسأل ويحقق ولا يتهم، ونريد مواقع تواصل اجتماعي تسمح للناس بالتعبير، لكن من دون أن تتحول إلى محاكم تصدر الأحكام قبل النيابة والقضاء.
إذا أثبت التحقيق أن هناك تجاوزاً من أي عنصر أمني، فأنا أول من يطالب بالمحاسبة، وإذا أثبت التحقيق أن الاتهامات التي أطلقت ضد الشرطة لا أساس لها، فيجب أيضاً أن نقبل النتيجة، وألا نبحث بعدها عن رواية جديدة لإدانة المؤسسة.
وهذه في رأيي هي النقطة الأهم في قضية دينا عزت، فمن حقها أن تُسمع، ومن حق زوجها أن يحصل على كامل ضمانات الدفاع، ومن حق الداخلية أن ترد على الاتهامات الموجهة إلى رجالها، ومن حق المجتمع أن يعرف الحقيقة، لكن لا ينبغي أن نطلب الحقيقة ثم نغضب عندما لا تأتي النتيجة التي توقعناها.
في النهاية، لا دينا عزت هي المحكمة، ولا وزارة الداخلية هي المحكمة، ولا السوشيال ميديا هي المحكمة، بل أن هناك جهات تحقيق وقضاء، فلنتركها تقوم بدورها، أما نحن، فوظيفتنا أن نسأل، وأن نراقب، وأن نطلب الشفافية، لا أن نوزّع الأحكام قبل أن تكتمل الصورة.
احترام الشرطة لا يعني أن نغمض أعيننا عن أخطائها، واحترام المواطن لا يعني أن نصدق كل ما يقوله، وفي دولة القانون، لا ينبغي أن تكون لنا حقيقة نريدها، وإنما حقيقة نبحث عنها.
19 سبتمبر 2026 06:00 م
13 سبتمبر 2026 02:00 م
06 سبتمبر 2026 07:21 م
04 سبتمبر 2026 05:18 م
أكثر الكلمات انتشاراً