السبت، 26 سبتمبر 2026
05:26 م
صورة تعبيرية عن الطفلة "سيلا"
في صباح كل يوم جديد يكسوه غبار الركام، تستيقظ الطفلة "سيلا" بالصف الأول في قطاع غزة لتستعد للتوجه نحو مقعدها الدراسي المفترض، حاملة في حقيبتها البسيطة حلمًا كبيرًا يصارع عتمة الحرب: "نفسي أطلع دكتورة عشان أعالج المرضى والجرحى"، فهذا الحلم البريء ليس مجرد أمنية طفولية عابرة، بل نافذة أمل تفتحها لتتحدى بها واقعًا استثنائيًا فرضته حرب الإبادة والعدوان الإسرائيلي الذي أراد أن يسرق منها طفولتها ومستقبلها.
وهذه الطفلة ليست وحدها في هذا الدرب، فهناك مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة ممن يحملون أحلاماً مختلفة ومتنوعة، يطمحون لتحقيقها رغم أنياب الحرب الإسرائيلية التي دمرت كل شيء، هؤلاء الصغار لا يستسلمون لليأس، بل يحاربون بطريقتهم الخاصة عبر إصرارهم العجيب والفريد على التمسك بحقهم في التعلم، متسلحين بأمل لا يلين مهما كانت التضحيات والآلام جسيمة بفعل آلة الحرب والدمار.
لكن الطريق نحو هذه الأحلام الكبرى يواجه جدارًا قاسيًا من واقع البنية التحتية المدمرة التي تسببت بها الحرب الإسرائيلية المستمرة، وإذا ألقينا نظرة عميقة على مسار التعليم في قطاع غزة عبر لغة الأرقام، سنجد أن المنحنى الإحصائي للسنوات الطويلة الماضية كان يعكس نموًا مستمرًا واستثمارًا متزايدًا في أجيال المستقبل، فقد أظهرت البيانات تصاعدًا ملحوظاً في أعداد الطلبة ليقترب من 600 ألف طالب وطالبة، وتصاعدًا متوازيًا في أعداد المدارس ورياض الأطفال.
ولكن هذا العداد الإحصائي المنتظم توقف فجأة مع اندلاع حرب الإبادة والتدمير الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2026، غابت البيانات الرسمية التفصيلية المعتادة نظرًا للشلل التام والمؤسسات المدمرة بقصف الاحتلال، ليتحول المشهد التعليمي برمته إلى فراغ مظلم انقطعت فيه أجيال كاملة عن التعليم النظامي لمدة ثلاث سنوات عجاف.
وعندما عادت عجلة الإحصاء والدوران مع بداية العام الدراسي الجديد، كشفت الأرقام واقعًا صادمًا، إذ انخفض العدد الإجمالي للطلاب بشكل ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، نتيجة استشهاد وإصابة آلاف الأطفال بنيران العدوان الإسرائيلي، وحرمان عشرات الآلاف الآخرين من مواصلة مسيرتهم التعليمية في ظل نزيف بشري ومادي غير مسبوق أحدثته الهجمات العسكرية المباشرة، وذلك حسب بيانات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.

هذا الانخفاض في الأعداد وتدمير المدارس ترافق مع واقع مرير تعيشه "سيلا" وأمثالها داخل الفصول البديلة، حيث روت والدة الطفلة لـ "تليجراف مصر" تفاصيل هذا الوجع اليومي قائلة: "المدارس غير مهيأة بالمرة، مفيش صفوف يقعدوا فيها ومفيش كراسي ولا طاولات، يعني فارشين على الأرض وقاعدين فوق بعض، وفي أكتر من 70 طفل في الخيمة والوضع صعب جدًا، بنتي بترجع من المدرسة تقول لي: رجلي وجعاني، مش حلوة المدرسة هادي".

تجسد هذه الكلمات حجم المعاناة الإنسانية التي يتكبدها الأطفال، فأجسادهم الصغيرة التي لم تتحمل قسوة النزوح والتهجير القسري بفعل القصف الإسرائيلي، باتت اليوم تجلس على الأرض الترابية الباردة أو الحارقة داخل خيام قماشية مهترئة تضم أكثر من سبعين طفلًا في مساحة ضيقة، ليتحول يومهم الدراسي إلى رحلة تعب جسدي ونفسي تتعب فيها أقدامهم الصغيرة وتتآكل أحلامهم ببطء.
وفي ظل استهداف الاحتلال الإسرائيلي المتعمد، حيث تضرر 100% من مدارس قطاع غزة ماديًا بسبب القصف، وتعرض نحو 80% من المباني المدرسية لقصف إسرائيلي مباشر ومقصود، أصبحت العملية التعليمية تعتمد على حلول اضطرارية لا ترقى لأبسط معايير التعليم الآمن.

وتدار اليوم جهود استئناف الدراسة لـ 541 ألف طالب وطالبة عبر وسائل محدودة تشمل نحو 700 نقطة تعليمية موزعة في مختلف المناطق، و25 مدرسة مؤقتة قيد التجهيز والتسليم.
كما امتد العدوان ليشمل المنظومة الأكاديمية والعلمية بأسرها، حيث دمر الاحتلال الإسرائيلي 17 مؤسسة للتعليم العالي كليًا أو جزئيًا، وقضى على 20,228 طالبًا وطالبة و830 معلمًا وكادرًا مدرسيًا و194 عالمًا وأكاديميًا وباحثًا خلال الحرب، وحرم نحو 90,000 طالب جامعي من مواصلة دراستهم.
اقرأ أيضًا:
عراقجي يبحث مع نظيره العماني الجهود المبذولة "لسلامة الملاحة في مضيق هرمز"
26 سبتمبر 2026 05:14 م
25 سبتمبر 2026 01:38 م
25 سبتمبر 2026 05:14 م
25 سبتمبر 2026 02:46 م
24 سبتمبر 2026 05:39 م
24 سبتمبر 2026 02:00 م
23 سبتمبر 2026 02:01 م
23 سبتمبر 2026 04:28 م
أكثر الكلمات انتشاراً