الإثنين، 28 سبتمبر 2026
06:33 م
ثمة لحظات في حياة الفنان لا تكشف مقدار ما حققه فقط، وإنما تكشف أيضًا من يكون خلف الأضواء. لحظة يصعد فيها إلى المسرح، وتتجه إليه العيون، وتتعالى عبارات التهنئة، وتستقر الجائزة بين يديه، تبدو في ظاهرها لحظة احتفاء بالنجاح، لكنها في جوهرها قد تكون امتحانًا صغيرًا للإنسان الذي حملته السنوات إلى هذه المكانة: ماذا يرى في لحظة كهذه؟ هل يرى نفسه وحدها، أم يتسع قلبه لمن لا يقفون معه تحت الضوء؟.
في سبتمبر 2026، جاءت لحظتان فنيتان تحملان هذا المعنى بوضوح، إحداهما مع الفنانة إلهام شاهين، والأخرى مع الفنان ياسر جلال.
اختلف المكان، واختلفت المناسبة، لكن كليهما منح التكريم معنى يتجاوز حدود الجائزة، ويعيد الفن إلى مساحته الأرحب، حيث لا ينفصل الفنان عن الإنسان، ولا تنفصل الشهرة عن المسؤولية تجاه مشاعر الناس.
إلهام شاهين صاحبة رحلة فنية طويلة، لم تصنعها مصادفة ولا لحظة عابرة، وإنما صنعتها سنوات من العمل والتجربة والاختيار، وأدوار تركت حضورها لدى أجيال متعاقبة من الجمهور.
وفي شهر سبتمبر 2026، جاء تكريمها عن مجمل أعمالها الفنية في مهرجان روائع للإبداع الدولي، تحت شعار «أن تكون إنسانًا»، وحصلت على لقب «أفضل شخصية دولية قدمت أعمالًا تخدم الإنسانية والسلام الدولي».
وليس من السهل أن يمر هذا الشعار دون تأمل، لأن «أن تكون إنسانًا» ربما يكون الاختبار الأصعب لمن يعيش تحت الأضواء. فالشهرة قد تصنع نجومية، والنجاح قد يمنح صاحبه مكانة، لكنهما لا يصنعان وحدهما قيمة الإنسان.
تلك القيمة تتشكل في علاقته بالآخرين، وفي قدرته على أن يرى ما وراء الصورة، وأن يدرك أن الفن، مهما بلغ من بريق، لا يصبح عظيمًا إلا عندما يجد طريقه إلى قلب الإنسان.
ومن هنا تكتسب جائزة إلهام شاهين معناها الخاص، لأنها جاءت عن مجمل أعمالها الفنية، أي عن رحلة كاملة لا عن محطة منفردة. رحلة عاصرت خلالها تغيرات كثيرة في الفن المصري، وتبدلت فيها الأجيال ووسائل العرض وأذواق الجمهور، بينما ظل حضورها قائمًا، بما حملته من تجربة فنية وإنسانية امتدت لسنوات.
الفنان الذي يعيش طويلًا مع جمهوره لا يبقى مجرد اسم على الشاشة، فبعض الشخصيات التي يقدمها تتسلل إلى البيوت، وتصبح جزءًا من أحاديث الناس ومشاعرهم، وقد يجد المشاهد في مشهد واحد شيئًا من حياته، أو في شخصية درامية ملامح من إنسان يعرفه، أو في عمل فني سؤالًا ظل يبحث عن إجابة له. وهنا تحديدًا تتجاوز قيمة الفن حدود الترفيه، ليصبح جزءًا من حياة الناس.
ثم تأتي بيروت، حيث اتخذت لحظة التكريم وجهًا آخر، أكثر قربًا من الوجع الإنساني.
خلال الدورة التاسعة من مهرجان «الأفضل»، حصل ياسر جلال على جائزة «أفضل نجم وفنان عربي لعام 2026». كانت لحظة تستحق الفرح، فالجائزة جاءت تقديرًا لحضور فني ونجاح امتد خلال العام، وكان من الطبيعي أن يحتفظ الفنان بفرحته لنفسه، وأن تكون الجائزة عنوانًا لنجاح شخصي جديد، لكنه اختار طريقًا آخر.
أهدى ياسر جلال جائزته إلى شهداء لبنان وفلسطين وأطفال غزة، وفجأة لم تعد الجائزة تخص الفنان وحده. صارت هناك وجوه غائبة عن القاعة، وأطفال لم يعرفوا فرصة الوقوف تحت الضوء، وأمهات فقدن أبناءهن، وآباء ترك الغياب في حياتهم فراغًا لا تستطيع الكلمات أن تملأه.
في تلك اللحظة، كان المشهد أكبر من جائزة، لأن الفنان الذي يقف وسط التصفيق تذكر أناسًا لا يملكون فرصة التصفيق، وأطفالًا كان من حقهم أن يعيشوا طفولة عادية، أن يذهبوا إلى مدارسهم، أن يركضوا في الشوارع، أن يختلفوا على لعبة، وأن ينتظروا عودة آبائهم إلى البيت. لكنه تذكرهم وهم في غيابهم، ومنحهم جزءًا من لحظة كان يمكن أن تكون خالصة لنجاحه الشخصي.
وهنا تكمن قوة الموقف الإنساني: أن يتذكر الإنسان الآخرين في لحظة يكون فيها هو محور الاهتمام. فليس صعبًا أن نتذكر من يشاركوننا أفراحنا، لكن الأصعب أن يظل الغائب حاضرًا في القلب، حتى عندما تتجه كل الأنظار إلينا.
ومن هذه الزاوية تلتقي لحظة إلهام شاهين مع لحظة ياسر جلال، الأولى تلقت تكريمًا جعل الإنسانية عنوانًا للمناسبة، والثاني جعل من جائزته رسالة وفاء لمن غابوا عن الاحتفال. اختلفت الصورة، لكن الجوهر واحد: الفن لا يكتمل عندما يصل إلى الشهرة، وإنما عندما يظل قريبًا من الإنسان.
وهذا ما يمنح الفنان المصري خصوصية في حضوره العربي، فهو حين يقف على منصة خارج مصر لا يحمل اسمه وحده، وإنما يحمل خلفه تاريخًا طويلًا من السينما والدراما والمسرح والموسيقى، ويحمل إرث أجيال جعلت الفن المصري جزءًا من حياة جمهور عربي واسع، أسماء وشخصيات وأغنيات وأعمال عبرت الحدود، ودخلت البيوت، وعاشت مع الناس حتى أصبحت جزءًا من تفاصيلهم اليومية.
لذلك لا ينبغي أن تُختزل قيمة الفنان في عدد الجوائز التي حصل عليها، فالجائزة لحظة، أما الأثر فهو الذي يبقى. التصفيق ينتهي، والكاميرات تنطفئ، والقاعة تخلو من ضيوفها، لكن العمل الذي لامس قلب إنسان، والموقف الذي كشف معدن صاحبه، يظلان قادرين على العيش طويلًا.
وربما لهذا تكون لحظة التكريم مرآة حقيقية للفنان، الجائزة تقول شيئًا عن النجاح، أما طريقة استقبالها فتقول شيئًا عن صاحبها، قد يرفعها الفنان عاليًا احتفالًا بما حققه، وقد يحمل معها حكاية آخرين لم يستطيعوا أن يكونوا هناك.
إلهام شاهين وياسر جلال قدما في سبتمبر 2026 صورتين مختلفتين لهذه الحقيقة. فتكريم إلهام شاهين عن مجمل أعمالها في مهرجان روائع للإبداع الدولي وضع الإنسان في قلب الاحتفاء، بينما منح ياسر جلال جائزته معنى يتجاوز حدود شخصه عندما أهداها إلى شهداء لبنان وفلسطين وأطفال غزة.
وفي الحالتين، لم تكن الجائزة هي الحكاية كلها، الحكاية الحقيقية كانت في الإنسان الذي ظهر خلف الفنان، في قلب لم تغلبه الأضواء، وفي لحظة لم يختفِ فيها الآخرون خلف فرحة النجاح.
فالجائزة قد تُعلَّق على جدار، وقد تُحفظ في خزانة، وقد تبقى صورتها في أرشيف الصحافة، لكن ما يخرج من القلب يجد طريقه إلى قلوب الناس.
الجائزة في اليد تقول إن الفنان نجح، أما الإنسان في القلب، فهو الذي يمنح هذا النجاح قيمته ومعناه.
21 سبتمبر 2026 10:11 ص
14 سبتمبر 2026 08:25 ص
07 سبتمبر 2026 09:12 ص
31 أغسطس 2026 09:25 ص
أكثر الكلمات انتشاراً