الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
01:08 ص
في مساء 28 سبتمبر 1970، لم تكن مصر والعالم العربي أمام بيان عادي يعلن وفاة رئيس الجمهورية، بل أمام لحظة تاريخية خرج فيها نائب رئيس الجمهورية آنذاك، محمد أنور السادات، ليعلن بصوت مثقل بالحزن رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، بعد سنوات قضاها في قلب المشهد السياسي المصري والعربي والعالمي.
وجاء التسجيل النادر للخطاب، بصوت السادات، ليعيد تفاصيل اللحظة التي توقفت فيها القاهرة أمام خبر وفاة عبدالناصر، بعد أن عاد الرئيس الراحل إلى منزله عقب انتهاء اجتماعات القمة العربية التي استضافتها القاهرة، والتي انشغل خلالها بمحاولة احتواء أزمة “أيلول الأسود” في الأردن ومنع تحولها إلى مواجهة عربية أوسع.
بدأ السادات خطابه بكلمات حملت حجم الصدمة التي أصابت البلاد، قائلًا: “فقدت الجمهورية العربية المتحدة، وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلها، رجلاً من أغلى الرجال، وأشجع الرجال، وأخلص الرجال”.
ثم أعلن رحيل الرئيس جمال عبدالناصر، محددًا توقيت وفاته في السادسة والربع من مساء 28 سبتمبر 1970، بعد أن أمضى ساعاته الأخيرة في متابعة الأزمة العربية التي كانت قد شغلت القاهرة خلال الأيام السابقة.
وقال السادات إن عبدالناصر “جاد بأنفاسه الأخيرة” بينما كان “واقفًا في ساحة النضال”، في إشارة إلى انشغاله بالأزمة العربية والجهود التي بذلها لإنهاء القتال والوصول إلى تسوية بين الأطراف المتنازعة.
لم يكتفِ الخطاب بإعلان الوفاة، وإنما تناول الساعات التي سبقتها، موضحًا أن أعراض الأزمة القلبية الحادة بدأت في الظهور على عبدالناصر في الثالثة والربع بعد الظهر.
وأشار السادات إلى أن الرئيس الراحل كان قد عاد إلى منزله بعد انتهاء “آخر مراسم اجتماع قمم الملوك والرؤساء العرب” في القاهرة، في إشارة إلى الاجتماعات العربية التي انتهت قبل رحيله بيوم، والتي وصفها بأنها كانت محاولة للحيلولة دون “مأساة مروعة” ألمت بالأمة العربية.
-artgur_2868_210842.png)
وهكذا جاءت وفاة عبدالناصر في أعقاب أيام شديدة الكثافة، شهدت اجتماعات واتصالات عربية مكثفة بشأن أزمة الأردن، في الوقت الذي كان الرئيس الراحل يحاول التوصل إلى صيغة توقف القتال وتمنع اتساع نطاق المواجهة.
ومع انتقال الخطاب إلى الحديث عن وقع الوفاة، بدا السادات عاجزًا عن تقديم الكلمات التي يمكن أن تصف حجم الحزن، قائلًا إن اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الوزراء عقدا جلسة مشتركة طارئة عقب الوفاة، لكنهما “لا يجدان الكلمات التي يمكن بها تصوير الحزن العميق” الذي أصاب الجمهورية العربية المتحدة والوطن العربي والإنسانية.
ثم جاءت واحدة من أكثر عبارات الخطاب حضورًا في ذاكرة المصريين: “إن جمال عبدالناصر كان أكبر من الكلمات، وهو أبقى من كل الكلمات”.
ولم يحاول السادات في تلك اللحظة تقديم سرد طويل عن حياة عبدالناصر، وإنما أحالنا إلى سجله في خدمة الشعب والأمة والإنسانية، قائلًا إن هذا السجل وحده هو القادر على التعبير عن مسيرته.
واصل السادات وصف عبدالناصر من خلال مجموعة من العبارات التي ربطت حياته بالقضايا التي ظل يدافع عنها طوال سنواته الأخيرة، فقال إنه كان “مجاهداً عن الحرية، مناضلاً من أجل الحق والعدل، مقاتلاً من أجل الشرف إلى آخر لحظة من العمر”.
وفي تلك الكلمات، لم يكن السادات يعلن فقط نهاية حياة عبدالناصر، وإنما كان يرسم أيضًا الصورة الرسمية التي أرادت الدولة أن تقدم بها الرئيس الراحل إلى المصريين بعد وفاته.
وبعد إعلان الوفاة ورثاء عبدالناصر، انتقل الخطاب إلى ما اعتبره السادات الطريق الذي يمكن أن تستمر من خلاله الأمة بعد رحيل قائدها.
وقال إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفي عبدالناصر حقه وقدره هو أن تقف الأمة العربية “وقفة صابرة، صامدة، شجاعة، قادرة”، حتى تحقق النصر الذي قال إنه عاش واستشهد من أجله.
ثم اختتم السادات الخطاب بتلاوة الآيات القرآنية: “يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”.
لم يكن خطاب السادات مجرد إعلان رسمي لوفاة رئيس الجمهورية، فقد جاء في لحظة استثنائية، بعد ساعات من انتهاء اجتماعات عربية شاقة، وفي نهاية أسبوع شهد تحركات واتصالات ووساطات كان عبدالناصر طرفًا رئيسيًا فيها.
وبينما كان المصريون يتلقون الخبر عبر الإذاعة، كانت البلاد تدخل واحدة من أكثر لحظات الحداد الجماعي حضورًا في تاريخها الحديث، فيما بقي صوت السادات وهو يقول «فقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلها» جزءًا من الذاكرة المرتبطة باللحظة التي أُعلن فيها رحيل جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970.
اقرأ أيضًا
آخر أسبوع في حياة الزعيم.. تفاصيل الأيام الأخيرة قبل وفاة جمال عبدالناصر
28 سبتمبر 2026 07:17 م
29 سبتمبر 2026 12:59 ص
28 سبتمبر 2026 10:01 م
28 سبتمبر 2026 09:54 م
أكثر الكلمات انتشاراً