الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
02:52 م
لم تعد الشهرة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى موهبة استثنائية، أو إنجاز حقيقي، أو كتاب يضيف إلى المعرفة، أو عمل فني يترك أثرًا، أو مشروع اجتماعي يخدم الناس. يكفي أحيانًا أن تقول شيئًا صادمًا، أو تدّعي واقعة لم تحدث، أو تثير جدلًا مفتعلًا، أو تدخل في معركة لا علاقة لك بها، ثم تنتظر أن تتكفل خوارزميات المنصات بالباقي.
فحُب الشهرة والانتشار أصبح الهوس الأكبر لدى الكثيرين في عصرنا خاصة بعد التقدم التكنولوجي الهائل والذي يتيح لأي إنسان أن يُحدث جدلاً واسعاً بمجرد ضغطة زر وذلك فيما يُعرف بـ (الترند) فلو كنت من المحظوظين وركبت التريند لأى سبب من الأسباب فسوف تكون محط أنظار الجميع وتنهال عليك العروض للظهور في القنوات الفضائية وتسارع المواقع في نقل أخبارك ليس لأنك قمت بعمل بطولى أو ما تستحق عليه الإشادة لكن لمجرد تحقيق الفيديو أو البوست لانتشار سريع ونسبة مشاهدات عالية. والأسباب واضحة ومعروفة إما لكسب المال وهو السبب الأهم والأبرز أو لتحقيق شهرة سريعة.
وهنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها بـ«هوس الشهرة»؛ وهي ليست ظاهرة جديدة تمامًا، وإنما الجديد هو أن التكنولوجيا منحتها أدوات لم تكن متاحة من قبل، وجعلت انتشار السلوك أو الادعاء أسرع وأوسع وأكثر تأثيرًا.
فقد ذُكِر في السير قصة الأعرابي الذي بال في بئر زمزم فلما أنكر عليه الناس فعلته أجابهم إجابته الشهيرة: أردت أن يذكرنى الناس ولو باللعن. الحكاية تبدو شديدة التعبير عن فكرة «الشهرة بأي ثمن»، وأصبحت تُستعمل مثالًا على الإنسان الذي يفضل أن يُذكر بالسوء على أن يظل مجهولًا.
المفارقة اللافتة أن السينما المصرية التقطت هذه الفكرة قبل ظهور فيسبوك ويوتيوب وتيك توك بعقود.
ففي فيلم «المغامرة الكبرى»، الذي عُرض عام 1964، يؤدي الفنان الراحل حسن يوسف شخصية ياسين نجيب، وهو شاب يبحث عن الشهرة بأي وسيلة. وفي سياق الأحداث يتفق مع المحامي سمير فوزي، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، على أن يدّعي ياسين ارتكاب جريمة قتل شهيرة، بحيث تجذب القضية اهتمام الصحافة والرأي العام، ثم تتم تبرئته في النهاية، فيستفيد الطرفان من الشهرة. لكن الخطة تخرج عن السيطرة، ويتورط ياسين في القضية بصورة حقيقية، ويضطر المحامي إلى البحث عن القاتل الحقيقي.
إن شخصية ياسين نجيب تبدو اليوم وكأنها خرجت من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن الفيلم سبق عصر السوشيال ميديا بنحو ستة عقود.
الفرق الوحيد أن ياسين كان يحتاج إلى جريمة ومحكمة وصحافة لكي يصبح مشهورًا، بينما يستطيع الباحث عن الشهرة اليوم أن يصنع «قضيته» من هاتف محمول، وأن يطلق ادعاءً في دقائق، ثم يراقب أعداد المشاهدات والتعليقات والمشاركات. لقد تغيرت الأدوات، لكن النزعة الإنسانية إلى البحث عن الأضواء لم تتغير.
المشكلة لا تكمن في الشخص الذي يريد أن يكون مشهورًا فحسب، وإنما في الوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى الشهرة.
هناك فرق هائل بين أن يصبح الإنسان مشهورًا لأنه صاحب علم أو موهبة أو إنجاز، وبين أن يصبح مشهورًا لأنه اختلق قصة أو ادعى واقعة أو نسب إلى نفسه ما لم يفعله. في الحالة الأولى تكون الشهرة نتيجة للقيمة. أما في الحالة الثانية فتصبح الشهرة بديلًا عن القيمة.
وهنا تبدأ المشكلة.
فبعض صانعي المحتوى قد يكتشف أن الخبر الهادئ لا يحقق مشاهدات، بينما العنوان الصادم يحقق آلاف المشاهدات. وقد يجد أن الرأي المتزن لا يجذب التفاعل مثل الاتهام، وأن المعلومة الدقيقة لا تنتشر مثل الشائعة، وأن الاعتراف بالخطأ أقل جاذبية من الاستمرار في الدفاع عن رواية صنعتها المنصة.
وتشير دراسة لليونسكو نُشرت في 2024 إلى أن 62% من صانعي المحتوى الرقمي الذين شملهم مسح عالمي قالوا إنهم لا يجرون تحققًا صارمًا ومنهجيًا من المعلومات قبل مشاركتها، رغم أن 73% منهم أبدوا رغبة في الحصول على تدريب على التحقق من المعلومات.
وهذا يوضح حجم المشكلة: الشخص الذي يمتلك جمهورًا قد يتحول، بقصد أو من دون قصد، إلى مصدر معلومات لملايين الأشخاص، بينما لا يمتلك بالضرورة أدوات الصحفي أو الباحث للتحقق من صحة ما ينشر.
الفنانون يدخلون الملعب:
ولم يعد عالم «الترند» حكرًا على أشخاص مجهولي الشهرة.
لقد دخل الفنانون والفنانات أيضًا بقوة إلى عالم السوشيال ميديا، وأصبح بعضهم يستخدم المنصات باعتبارها امتدادًا لشهرته الفنية، بينما يتعامل آخرون معها باعتبارها مساحة لصناعة حضور يومي مستقل عن أعمالهم الفنية.
وهذا في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا؛ فالفنان من حقه أن يتواصل مع جمهوره وأن يعبر عن آرائه وأن يشارك تفاصيل عمله وحياته المهنية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح قواعد الترند أقوى من قواعد الفن.
فالفنان الذي كان يحتاج قديمًا إلى فيلم ناجح أو مسرحية أو أغنية لكي يحتل مساحة في وجدان الجمهور، يستطيع اليوم أن يحافظ على حضوره من خلال منشور مثير للجدل أو مقطع قصير أو تصريح صادم.
وبذلك قد تتحول الشهرة من كونها نتيجة للعمل الفني إلى عمل يومي مستقل بذاته: ماذا قال الفنان اليوم؟ ماذا ارتدى؟ مع من اختلف؟ ماذا نشر؟ من رد عليه؟ ومن دخل معه في معركة إلكترونية؟
وهنا تتغير وظيفة المشاهير داخل المجتمع حيث تصبح الضجة معيارًا للنجاح بل وقد تعيد تعريف النجاح في أذهان الأجيال الجديدة.
الطفل أو المراهق الذي يرى شخصًا يحصل على ملايين المشاهدات بسبب مقطع تافه أو مشاجرة أو ادعاء صادم، قد يتساءل بصورة طبيعية: لماذا أدرس وأقرأ وأتعلم وأعمل سنوات حتى أحقق شيئًا، بينما يمكنني أن أصبح مشهورًا في يوم واحد؟
وهنا لا تصبح المشكلة مشكلة فرد واحد، وإنما مشكلة نموذج اجتماعي. فالإنسان يتعلم من النماذج التي يراها محل اهتمام البيئة المحيطة به. إذا كان المجتمع يكافئ العلم بالاهتمام، والعمل بالاحترام، والإبداع بالتقدير، فسوف يبحث الناس عن هذه الطرق.
أما إذا كان الصراخ والإثارة والفضائح والادعاءات هم محل الاهتمام، فمن الطبيعي أن يظهر من يحاول تقليد هذه النماذج.
وهنا تظهر إحدى أخطر المفارقات: المحتوى الذي يحتاج أقل قدر من التفكير قد يصبح أحيانًا أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى الذي يحتاج إلى قدر كبير من التفكير.
ولا يعني ذلك أن كل ما هو منتشر سيئ، أو أن كل محتوى طويل جيد؛ فوسائل التواصل قدمت أيضًا فرصًا هائلة لنشر المعرفة وإيصال أصوات لم تكن تجد طريقها إلى الجمهور.
لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة جودتها. وقد حذرت اليونسكو من أن البيئة الرقمية تجمع بين فرص كبيرة للوصول إلى المعلومات وبين تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة وخطاب الكراهية وصعوبة التمييز بين الحقيقة والرأي.
المشكلة إذن ليست في «السوشيال ميديا» باعتبارها شرًا مطلقًا، وإنما في طريقة استخدامها، وفي المعايير التي تحدد ما الذي يستحق الانتشار.
24 سبتمبر 2026 11:17 ص
23 سبتمبر 2026 10:24 ص
أكثر الكلمات انتشاراً