الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

11:34 م

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

11:34 م

925 حاجزا في الضفة.. كيف حولت إسرائيل الأراضي المحتلة إلى جزر معزولة؟

حواجز في الضفة الغربية

حواجز في الضفة الغربية

لم تعد السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية تقتصر على الوجود العسكري أو التوسع الاستيطاني، بل باتت تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من الطريق إلى العمل والمدرسة والمستشفى، وصولًا إلى القدرة على الانتقال بين مدينة وأخرى.

وتتجسد هذه المنظومة بصورة واضحة في الإغلاق الشامل الذي فرضته إسرائيل على الضفة الغربية خلال فترة عيد العرش اليهودي "سوكوت"، والذي بدأ في 27 سبتمبر الحالي ويستمر حتى 3 أكتوبر القادم، مع إغلاق المعابر وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين. 

وجاء القرار بتوجيه من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بناءً على توصية الجيش، مع استثناءات محدودة للحالات الإنسانية والطبية وبعض العمال المصنفين “أساسيين”، وفقًا لوسائل إعلام عبرية.

لكن الإغلاق الحالي ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة إضافية في منظومة أوسع من القيود التي تراكمت على مدار سنوات، حتى أصبح التنقل داخل الضفة نفسها عملية محفوفة بالحواجز والانتظار والتفتيش واحتمالات الإغلاق المفاجئ.

حين تتحول الضفة إلى جزر معزولة

وفق أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وثّقت الأمم المتحدة حتى ديسمبر 2025 وجود 925 عائقًا لحركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وهي قيود تؤثر على حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني.

ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 43% مقارنة بالمتوسط السنوي البالغ 647 عائقًا خلال العقدين السابقين، بينما وثقت الأمم المتحدة إنشاء أكثر من 120 بوابة طرق جديدة خلال عام 2025 وحده.

والأخطر أن طبيعة هذه المنظومة تغيرت، فلم تعد تعتمد فقط على حواجز عسكرية مأهولة بالجنود، وإنما توسعت لتشمل بوابات حديدية، وسواتر ترابية، وحواجز إسمنتية، وإغلاقات خطية وقطعًا للطرق، وفقًا لوسائل إعلام فلسطينية.

وتشكل الحواجز والبوابات قرابة 60% من إجمالي عوائق الحركة الحالية، بعدما كانت هذه البنية لا تمثل سوى 15% تقريبًا قبل عقدين، وهو ما يشير إلى تحول القيود من إجراءات مؤقتة إلى بنية أكثر ترسخًا واستدامة.

الحصار لا يمنع الحركة فقط

لا تعمل الحواجز باعتبارها نقاط تفتيش منفصلة، وإنما كشبكة تعيد توجيه حركة الفلسطينيين داخل الضفة، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 459 عائقًا، أي نحو نصف العدد الإجمالي، يقطع أو يعيق الطرق التي تربط البلدات والقرى الفلسطينية بالطرق الرئيسية، فيما يمنع 121 عائقًا الوصول إلى الطريق رقم 60، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا يمتد من شمال الضفة إلى جنوبها.

والنتيجة هي دفع الفلسطينيين إلى استخدام طرق فرعية أطول، بما يزيد زمن الوصول إلى أماكن العمل والخدمات والمدارس والمستشفيات، ويجعل كل رحلة يومية خاضعة لاحتمالات التأخير أو الإغلاق.

بهذه الطريقة، لا يصبح الحاجز مجرد نقطة تفتيش، بل أداة لإعادة تنظيم المجال الجغرافي نفسه، فالبلدة التي كانت على بعد دقائق من مدينة مجاورة قد تتحول إلى منطقة معزولة عمليًا بسبب إغلاق طريق أو إقامة بوابة جديدة.

الجدار خط آخر لتقطيع أوصال الضفة

ولا تتوقف منظومة السيطرة عند الحواجز، فجدار الفصل يبلغ طوله نحو 712 كيلومترًا، ويمر 85% من مساره داخل أراضي الضفة الغربية، وفق بيانات الأمم المتحدة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن ثلاثة فقط من أصل 13 حاجزًا على مسار الجدار يمكن للفلسطينيين الذين يحملون هوية الضفة استخدامَها للوصول إلى القدس الشرقية وإسرائيل، وذلك بشرط الحصول على تصاريح إسرائيلية يصعب الحصول عليها.

وبذلك تتداخل الجدران والحواجز والبوابات مع المستوطنات والطرق العسكرية، لتنشأ شبكة من المساحات المغلقة والممرات المحدودة التي تقيد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أجزاء مختلفة من أرضهم.

العمل ورقة ضغط أخرى

لا يقتصر تأثير هذه القيود على الحركة، بل يمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني، فعلى مدار عقود، اعتمد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة على العمل داخل إسرائيل أو في المستوطنات، في ظل البطالة وتراجع فرص العمل والأجور داخل الأراضي الفلسطينية.

لكن بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، شددت إسرائيل القيود على دخول العمال الفلسطينيين، وانخفض عدد العاملين من الضفة داخل إسرائيل والمستوطنات بصورة حادة.

ومع الإغلاق الحالي، يُمنع معظم العمال الفلسطينيين من دخول المستوطنات في الضفة خلال فترة «سوكوت»، بينما تُستثنى فئات محدودة من العمال المصنفين “أساسيين” وفق تعليمات الجيش الإسرائيلي.

وبذلك يصبح تصريح العمل نفسه جزءًا من منظومة السيطرة؛ فالدخول إلى سوق العمل لا يعتمد فقط على حاجة العامل إلى الوظيفة أو حاجة صاحب العمل إليه، وإنما على قرار أمني وإداري يمكن تعليقه أو إلغاؤه.

الحصار كوسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا

المشهد في الضفة الغربية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مجموعة حواجز منفصلة، فالطرق التي تُغلق، والبوابات التي تُنصب، والجدار الذي يقسم الأراضي، والتصاريح التي تتحكم في الوصول إلى أماكن العمل والعلاج، جميعها تعمل داخل منظومة واحدة تجعل الحركة الفلسطينية أكثر صعوبة، وتفصل التجمعات عن بعضها، وتزيد ارتباط الحياة اليومية بقرارات سلطات الاحتلال.

وبذلك، فإن “ابتلاع الضفة” لا يحدث فقط عبر تغيير حدود المستوطنات أو الاستيلاء المباشر على الأرض، وإنما أيضًا عبر خنق المساحة الفلسطينية من الداخل، تقسيم المدن والقرى، إبطاء الحركة، التحكم في الوصول إلى العمل والعلاج، وربط أجزاء واسعة من الحياة اليومية بشبكة من الحواجز والتصاريح والإغلاقات.

وفي هذا المشهد، تتحول الضفة تدريجيًا من مساحة جغرافية متصلة إلى تجمعات فلسطينية تفصل بينها عوائق متزايدة، بينما تصبح القدرة على الوصول إلى الأرض والخدمات والعمل نفسها جزءًا من معركة السيطرة على المكان.

اقرأ أيضًا:

الحوثيون: أمريكا أنشأت مواقع عسكرية واستخباراتية باليمن لصالح إسرائيل

search