الخميس، 01 أكتوبر 2026

02:04 ص

الخميس، 01 أكتوبر 2026

02:04 ص

خبي 15 درب بني سعادة

لا تتوقف كثيرًا عند الكلمة الأولى؛ فهي ليست فعلًا، بل مقاطعة صينية كبيرة مجاورة للعاصمة بكين، أما الأهم فهو الرقم 15، وهو المدة الزمنية بالدقائق التي تفصل أي شخص سيرًا عن أي خدمة حكومية أو مجتمعية، أما العلاقة بين الرقم والسعادة، فتحتاج إلى كثيرٍ من التفصيل، وهي لُب الحديث.

في زيارتي الأخيرة للمقاطعة، لمست هذا المفهوم عمليًا عن قرب، وبشكل متكرر في أكثر من مكان، وجدته في أدبيات مدن وقرى على السواء، كأنه عرف عملي جديد لتسهيل حياة الناس، بالتوازي مع تقريب الطبيعة أيضًا من الإنسان، ويقوم المفهوم بالأساس على تقريب كل الخدمات التي يمكن أن يحتاجها الشخص من مكان إقامته، بحيث لا يحتاج في أبعد نقطة إلى أكثر من 15 دقيقة سيرًا على الأقدام للوصول إليها، سواء كان ذلك مدرسة أو ملعبًا أو حديقة أو عيادة أو حضانة أو مطعمًا أو سوقًا أو متجرًا أو دور رعاية كبار السن أو مكتبة أو حتى مكتبًا حكوميًا.

الأمر لا يتعلق بتخطيط عمراني بقدر ما يتعلق بهندسة وقت وكلفة وجهد؛ فحين تكون المدرسة ليست بعيدةً، يقل وقت الذهاب إليها، وحين يكون الطبيب أو مركز الرعاية في الحي بالجوار، لا يتحول الحصول على الخدمة الصحية إلى رحلة، وحين لا تتطلب الحديقة والمكتبة والمتجر استقلال وسيلة مواصلات، تصبح ممارسة الرياضة والقراءة والتسوق جزءًا من الحياة اليومية، لا نشاطًا يحتاج إلى ترتيب خاص.

في شيجياتشوانغ، حاضرة المقاطعة، تُطبق الفكرة على نطاق واسع؛ إذ تشير مواد المقاطعة إلى تحقيق “دائرة الحياة المريحة في 15 دقيقة” في أكثر من 188 مجمعًا سكنيًا، وفي المدينة نفسها توجد 973 نقطة للرعاية النهارية لكبار السن، مع إدخال مستشفيات تابعة لجامعات كبرى في بكين وتيانجين، بما يتيح للسكان الحصول على خدمات طبية متخصصة منها من دون مغادرة أماكنهم.

وإذا تعذّر توفير خدمة معينة في مكان ما، هنا يمكن للتكنولوجيا أن تكمل ما لا يستطيع التخطيط المكاني توفيره؛ مريض في قرية بعيدة، مثلًا، قد يحتاج إلى طبيب متخصص أو إجراء طبي معقّد، فيمكن أن تبدأ الخدمة من أقرب نقطة طبية، بينما تنتقل نتائج الفحوص والصور والتقارير عبر النظام رقميًا إلى مؤسسة طبية أكبر، وأحيانًا يتم الإجراء الطبي مثل العملية الجراحية عن بُعد.

ويصبح هنا الرقم 15 أكثر من مسافة، قد يكون له علاقة بتخفيف الفقر من خلال تقليل الإنفاق، وتحسين جودة الهواء من خلال تقليل الاعتماد على السيارة في كل حركة، وتحسين الصحة من خلال خفض مستوى القلق أو التوتر وتوفير الطاقة المهدرة في الحصول على الخدمة، وبالتالي تقل حاجة الناس إلى الدواء المكلف، وهو بالأساس اقتصاد.

الفكرة نفسها أخذت منحى آخر في منطقة شيونغآن الجديدة؛ فالمدينة التي تبعد عن بكين مسافة 100 كيلومتر، وبدأ إنشاؤها في 2017 لتخفيف الازدحام عن العاصمة بنقل الوظائف غير الأساسية إليها، بُنيت من الصفر وفق تصور مختلف للحياة الحضرية؛ إذ لا تضع التكنولوجيا في خدمة المباني وحدها، وإنما تستخدمها لتقريب الخدمات من السكان.

وبينما تستخدم المدينة التي تعرف بالصين بمدينة المستقبل، الذكاء الاصطناعي في ضبط حركة الشوارع وعلاج المشكلات بما فيها الأعطال والقمامة في الحال، ببيانات تنقلها كاميرات ذكية ومستشعرات وإشارات مثبتة في الشوارع إلى ما يعرف بدماغ المدينة، لتقريب وتيسير الخدمات، لا تقف خدمات مكتبتها العامة، التي تعد من أذكى أربع مكتبات عامة في العالم، عند جدران مبناها الهائل، وتوفر المكتبة خدمات قراءة مجتمعية من خلال عربات روبوتية متنقلة بلا سائق تصل بالكتاب إلى أقرب نقطة سيرًا من السكان أينما كانوا في المدينة التي يسكنها مليون و400 ألف شخص الآن.

ولا تكتفي شيونغآن بتقريب الخدمات فقط، بل تقرب الطبيعة أيضًا.

نعم، في هذه المدينة، لا تُقاس المسافة إلى الطبيعة بالمفهوم التقليدي للمدن الأخرى التي تضع الحدائق عادة في الأطراف، بل تقوم الرؤية على أن يجد الشخص أقرب حديقة في حدود 300 متر من منزله، وأقرب حزام أخضر في حدود كيلومتر واحد، وأقرب غابة حضرية كبرى في حدود ثلاثة كيلومترات، لتتدرج الطبيعة حول مكان السكن من مساحة خضراء صغيرة للاستخدام اليومي، إلى حزام أخضر للمشي، ثم إلى غابة حضرية أوسع للاستجمام.

والمهم أن هذه المسافات لا تأتي منفصلة عن طريقة بناء المدينة، فشيونغآن لا تقوم على تمدد عمراني كثيف يستهلك الأرض ثم يبحث لاحقًا عن مساحات خضراء، وإنما على محاولة إبقاء البناء جزءًا من منظومة أوسع تتداخل فيها المناطق المبنية مع الغابات والمياه والحدائق والمساحات المفتوحة، بنسبة مبان خرسانية لا تتجاوز 30 بالمئة، أما النسبة المتبقية فللطبيعة.

ويقود هذا إلى الوجه الآخر لفكرة الـ15 دقيقة، أي ليس فقط أن تصل إلى ما تحتاجه بالقرب منك، وإنما أن تجد أيضًا شيئًا من الطبيعة قريبًا.

في ضوء ما سبق، ربما تبدو العلاقة بين خبي والـ15 دقيقة ودرب سعادتها أكثر وضوحًا وواقعية من الالتباس الذي اكتنف العنوان.

وقد يبدو الرقم 15 صغيرًا على الورق، لكنه حين يتحول إلى طريقة لبناء المدينة وتنظيم الحياة، يصبح أكبر بكثير من مجرد خمس عشرة دقيقة؛ فهو في النهاية ليس رقمًا يقيس المسافة فقط، وإنما محاولة لاختصار المسافة بين الإنسان وما يحتاج إليه، وبين الإنسان ووقته، وبين المدينة والحياة التي يريد أهلها أن يعيشوها.

رابط مختصر

تابعونا على

search