الإثنين، 05 أكتوبر 2026

07:11 م

الإثنين، 05 أكتوبر 2026

07:11 م

محترف لكنه مختلف.. تعالَ معنا إلى "شقة المنيب"

في رواية «شقة المنيب»، الصادرة حديثًا عن دار ريشة للنشر والتوزيع، لا يبدأ أشرف عبدالشافي من حدث استثنائي، وإنما من رجل يجلس ليستعيد حياته. أمين يريد أن يكتب مذكراته، لكنه سرعان ما يكتشف أن استعادة الحياة على الورق ليست بالبساطة التي تبدو عليها. فحين يستدعي الإنسان سنواته القديمة، لا تستجيب له الوقائع وحدها، وإنما تستيقظ معها الوجوه والأماكن والأصوات، وتعود أشياء ظن أنه نسيها، بينما تختفي أشياء أخرى كان يظن أنها لا يمكن أن تغيب.

من هذه النقطة تتشكل الرواية. أمين يعود إلى سنوات جامعة القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، إلى «شلة المكتبة»، إلى الأصدقاء الذين كانوا جزءًا من يومياته، وإلى الشقة التي اتسعت لهم جميعًا، فصارت مع مرور الوقت أكثر من مكان للإقامة. هناك تكونت صداقات، وبدأت أفكار، ونشأت علاقات، وعاش أشخاص مرحلة من أعمارهم لم يعرفوا، وهم داخلها، أنها ستصبح يومًا مادة لاستعادتها والبحث عن معناها.

هذه واحدة من الأفكار التي يمنحها عبدالشافي مساحة واضحة: الإنسان لا يعرف قيمة بعض سنواته إلا بعد أن يبتعد عنها. ما يبدو عاديًا في وقته قد يصبح بعد عشرين عامًا جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. الجامعة ليست مباني ومحاضرات، والمكتبة ليست رفوفًا وكتبًا، والشقة ليست جدرانًا وأثاثًا. الأشياء تكتسب معناها من البشر الذين مروا بها، ومن الوقائع التي حدثت حولها.
لكن الكاتب لا يضع أمين في مواجهة الماضي بوصفه شاهدًا محايدًا. وهذه نقطة مهمة في بناء الرواية. أمين يكتب من موقعه الحالي، بعد أن تغيرت نظرته إلى الأشخاص والأحداث. ولذلك فإن ما نقرأه ليس سجلًا كاملًا للماضي، وإنما الماضي كما بقي في وعي رجل يحاول أن يفهمه.
وهنا يصبح فعل التذكر نفسه جزءًا من الحكاية. أمين لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ وإنما، بصورة أعمق، يسأل: لماذا حدث؟ ولماذا أخذت حياته هذا الطريق دون غيره؟ وما الذي جعل أشخاصًا كانوا قريبين منه يبتعدون، ثم يظهر بعضهم مرة أخرى بعد سنوات طويلة؟
تأتي إجابة الرواية من خلال ما يسميه أمين «لعبة القدر». ظهور عدد من الأصدقاء القدامى في ميدان التحرير يبدو بالنسبة إليه أكثر من مصادفة. غير أن أهمية الفكرة ليست في أن الرواية تريد إثبات تفسير غيبي للأحداث، وإنما في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى حياته عندما تتراكم السنوات. نحن نميل، بعد وقوع الأشياء، إلى البحث عن روابط بينها، وربما نمنح المصادفات معنى لم نكن نراه لحظة حدوثها.
ومن هنا تصبح «لعبة القدر» جزءًا من شخصية أمين، ومن طريقته في قراءة حياته، وليست مجرد وسيلة روائية لإعادة جمع الشخصيات.
وعندما تصل الحكاية إلى ميدان التحرير، يتغير حجم الرواية. ما كان حتى ذلك الوقت حكاية أصدقاء وذكريات وعلاقات، يصبح متصلًا بلحظة عامة شديدة الحضور. أصدقاء الجامعة الذين افترقوا في طرق مختلفة يلتقون في مكان صار له معنى خاص في التاريخ المصري الحديث.
هذه النقلة تحمل قوة الرواية وأحد تحدياتها في الوقت نفسه. فالحدث العام الكبير يستطيع أن يسحب الضوء من الشخصيات، خصوصًا عندما تكون الرواية قد بنت عالمها الأساسي على تفاصيل الحياة الخاصة. لذلك فإن نجاح هذه المنطقة من العمل يتوقف على أن يظل الحدث التاريخي مرتبطًا بمصائر الأشخاص، لا أن يتحول الأبطال إلى مجرد خلفية له.
وفي هذا السياق، تبدو «شقة المنيب» أقل اهتمامًا بتسجيل التاريخ بمعناه المباشر، وأكثر اهتمامًا بما يفعله التاريخ في البشر. كيف يعود الصديق القديم؟ ماذا بقي من الشاب الذي عرفناه في الجامعة؟ هل ما زالت العلاقة التي جمعت شخصين في الماضي قادرة على الصمود أمام ما حدث لكل منهما؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح الرواية حيويتها، لأنها تنقلها من مجرد استعادة فترة زمنية إلى فحص أثر السنوات في الإنسان.
ويحسب لعبدالشافي أنه لا يقدم التسعينيات باعتبارها فردوسًا مفقودًا. هناك مساحة للحنين، بالتأكيد، لكن الحنين وحده لا يصنع رواية. الماضي الذي يستحق الكتابة عنه هو الماضي الذي نستطيع أن نراه بمحاسنه ونقائصه، وأن ندرك أن الذين عاشوه لم يكونوا يعرفون أنهم يعيشون «مرحلة»؛ كانوا يعيشون أيامهم العادية، ويذهبون إلى الجامعة، ويجلسون مع أصدقائهم، ويتخذون قرارات صغيرة لم يعرفوا وقتها أنها ستؤثر في بقية حياتهم.
وهنا تظهر خبرة أشرف عبدالشافي الصحفية. هناك عين تلاحظ التفاصيل، وتنتبه إلى الأشخاص وتغيراتهم، وتعرف أن الشخصية لا تُبنى بالوصف وحده، وإنما بما تقوله وتفعله، وبما تخفيه كذلك. غير أن هذه الخبرة تضع الرواية أمام ضرورة أخرى: ألا تتحول كثافة التفاصيل إلى توثيق، وألا تصبح الرغبة في الإمساك بملامح مرحلة كاملة سببًا في إبطاء الحكاية.
كذلك فإن امتداد الرواية زمنيًا يفرض على الكاتب مسؤولية ضبط المسافة بين المراحل. فالقفز من التسعينيات إلى يناير 2011 ليس انتقالًا في التقويم فقط، وإنما انتقال في البشر. السنوات التي تفصل بين المرحلتين ينبغي أن تظهر في الشخصيات، في اختياراتها، وفي علاقاتها، وفي الطريقة التي ترى بها نفسها والعالم من حولها.
ولعل أكثر ما يلفت في الرواية أن أمين لا يستطيع أن يكتب نفسه منفصلًا عن الآخرين. ذاكرته شخصية، لكنها مزدحمة بوجوه متعددة. وكلما حاول أن يرتب حياته، اكتشف أن حياته لم تكن ملكًا له وحده؛ فقد ترك الآخرون آثارهم فيها، كما ترك هو أثرًا في حيواتهم.
لهذا تصبح «شقة المنيب» رواية عن الرفقة بقدر ما هي رواية عن الذاكرة. عن أولئك الذين نلتقي بهم في مرحلة ما، ثم تفصلنا عنهم الحياة، فنظن أن الحكاية انتهت، قبل أن تعيدنا مصادفة واحدة إلى نقطة بعيدة كنا نظن أننا تجاوزناها.
والمكان هنا يؤدي دوره بهدوء. لا يصرخ بأنه بطل الرواية، ولا يحتاج إلى ذلك. يكفي أنه حاضر كلما عاد أمين إلى سنواته الأولى، حاضر في تفاصيل الأشخاص الذين عاشوا فيه، وفي الطريقة التي يستعيد بها الرجل تلك الأيام. وحين يستدعيه، لا يستدعي عنوانًا على خريطة القاهرة، وإنما يستدعي جزءًا من حياته.
لهذا تبدو الرواية في جوهرها محاولة للإمساك بما يفلت عادة من أيدينا: التفاصيل الصغيرة التي تصنع العمر. صديق يجلس إلى جوارنا ثم يختفي. مكان ندخله كل يوم دون أن نعرف أنه سيصبح عزيزًا علينا. قرار نتخذه بلا تفكير ثم نكتشف بعد سنوات أنه غيّر مسارًا كاملًا.
«شقة المنيب» لا تقدم الماضي بوصفه شيئًا مكتملًا يمكن العودة إليه كما هو. الماضي هنا مادة يعاد النظر فيها، وكل عودة إليه تكشف شيئًا جديدًا عن صاحبه. ولذلك فإن أمين، وهو يكتب مذكراته، لا يعيد ترتيب حياته فقط، وإنما يعيد ترتيب صورته عن نفسه.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تأتي قيمة الرواية. إنها لا تسأل فقط ماذا حدث لهؤلاء الأصدقاء، وإنما ماذا فعلت بهم السنوات. وما الذي يبقى من الإنسان حين تتغير الأماكن، وتتباعد الوجوه، وتتبدل الأحلام، ثم يجد نفسه فجأة أمام شخص من ماضيه، فيكتشف أنه لم يغادر ذلك الماضي كاملًا كما كان يعتقد.
هكذا تخرج «شقة المنيب» من حدود المكان إلى مساحة أوسع، دون أن تفقد خيطها الأساسي. رجل يكتب، وأصدقاء يعودون، وشقة تحفظ ما مر بها، ومدينة تتغير، ومرحلة كاملة تمر أمام العين من خلال حياة أشخاص لم يكونوا يعرفون، وهم يعيشونها، أن أحدًا سيجلس يومًا ليكتب حكايتهم.

search