الخميس، 15 أكتوبر 2026
12:55 ص
العقيد حلمي زكي
في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة الـ53، لا تزال الشهادات العسكرية للأبطال الذين صنعوا معجزة العبور تتنفس عزيمة وإصراراً، وتستعيد أمجاد جيش أبيّ إلا أن يسترد أرضه وكرامته.
يقدم العقيد حلمي زكي، الذي كان يشغل آنذك رتبة نقيب، شهادة ميدانية وثائقية حافلة بالتفاصيل؛ يروي فيها كيف تحول مع رفاقه من سنوات الاستنزاف الشاقة إلى صناعة نصر تاريخي أذهل العالم على أرض سيناء.
يستعيد العقيد حلمي زكي ، بدايات الخدمة العسكرية عقب تخرجه مباشرة من الكلية الحربية عام 1969، والانغماس المباشر في أتون حرب الاستنزاف التي استمرت حتى سبتمبر 1970 عندما تم التوصل إلى قرار وقف إطلاق النار.
وفي تلك اللحظة الفارقة، يتوقف العقيد حلمي زكي ليصحح لغطاً تاريخياً وإعلامياً كبيراً يتردد حول قرار القبول بوقف إطلاق النار، موضحاً الرؤية العسكرية الميدانية التي أدار بها القائد الراحل جمال عبد الناصر الموقف: "كتير جداً من النشطاء والإعلاميين بيقولوا ما كانش المفروض إن إحنا نوافق على وقف إطلاق النار لأن إحنا كنا بنقوم بعمليات عبور وكنا بيحصل خسائر كتير جداً في الجانب الآخر.. لكن عاوز أوضح نقطة مهمة: إحنا أثناء حرب الاستنزاف استحالة إن إحنا نقوم بحرب من غير بناء حائط صواريخ.. مستحيل! لأن هي دي اللي هتغطينا أثناء العبور وأثناء تحقيق المهمة المباشرة".
ويشرح العقيد حلمي زكي الأزمة التي كانت تواجه القوات؛ حيث كانت الأقمار الصناعية الأمريكية تصوّر مواقع الجيش المصري على مدار الساعة وتنقلها فوراً للجانب الإسرائيلي، فكان العدو يدمر كل قاعدة صواريخ يبدأ المصريون في تشييدها على الجبهة، مما جعل الحرب مستحيلة بدون تغطية، من هنا، كان القبول بوقف إطلاق النار في سبتمبر 1970 بمثابة "ضربة معلم" ناصرية أتاحت للجيش المصري بناء حائط الصواريخ بالكامل على طول الجبهة طوال الفترة من سبتمبر 1970، وهو الإنجاز الميداني الذي منح الرئيس الراحل أنور السادات الضوء الأخضر والمبرر الرئيسي لاتخاذ قرار الحرب لاحقاً.
يبين العقيد حلمي زكي عبد العزيز، بطل المشاة باللواء 16، أنه عقب رحيل جمال عبد الناصر وتولي الرئيس أنور السادات مقاليد الأمور في سبتمبر 1970، وضعت هيئة العمليات خطة تحضير وتدريب مستمرة لرفع جاهزية القوات؛ انطلاقاً من المبدأ الخالد "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير قوة"، وإدراكاً للعقيدة الصهيونية التي تعتبر سيناء أرضاً إسرائيلية وحدوداً حيوية لا يمكن التخلي عنها إلا بالحرب، فبُنيت العقيدة العسكرية المصرية على هذا الأساس.
ويرصد العقيد حلمي زكي كواليس الاستعدادات الميدانية التي استُبدلت فيها إجراءات "تفتيش الحرب" التقليدية بمشاريع تدريبية عملياتية مكثفة على مستويات الكتائب والألوية والفرق.
في شهري أغسطس وسبتمبر 1973، جرى تنفيذ مشروع تدريبي مختلف تماماً عن كل ما سبقه، حيث لاحظ العقيد حلمي ورفاقه أموراً غير طبيعية
- استدعي عدد من أفراد الاحتياط أكبر بكثير من كل مرة.
- استُدعيت تخصصات حرجة بأعداد ضخمة، وفي مقدمتها: أطقم صواريخ "الفهد" المضادة للدبابات، وسلاح المهندسين العسكريين، وأطقم صواريخ "الأستريلا - سام 7" المضادة للطائرات.
- وُجهت كميات هائلة من الأسلحة الثقيلة للاندماج في المشروع.
ويستكمل العقيد حلمي زكي موضحاً أنه عقب انتهاء المشروع، كان المفروض تسريح المستدعين كما جرت العادة، لكن الصدمة التكتيكية كانت في تسريح 30% فقط من الأفراد العاديين، مع الإبقاء على كافة التخصصات الحرجة في مواضعها على الجبهة، بل والأكثر من ذلك، بقيت الأسلحة في مواقعها ولم ترجع، وبدأ الجيش في بناء دشم ومربض للدبابات والمدفعية على طول الجبهة.
ومع حلول أواخر سبتمبر، انهمرت إمدادات الذخيرة من دانات مدفعية وصواريخ "سام 7" بأضعاف الكميات المعتادة؛ فتأكد للجميع أن ما يجري ليس مجرد مشروع أو عملية محدودة بل تحضير لعملية كبرى.
وفي تلك الأثناء، كان التنسيق يجري على أعلى مستوى بين الكتيبة 18 مشاة والكتيبة 16 مشاة، التي كان يقودها حينها المقدم أركان حرب محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق (رحمه الله).
وتملك الاستغراب صف الضباط والجنود وهم يرون تدفق الإمدادات بـ 3 و4 و5 أضعاف، وتصلهم تعليمات بالإبلاغ عن أي سلاح به أدنى خلل لتعديله فوراً، مع البدء في تخندق الدبابات ودفع سيارات تحمل "البراطيم" (الكتل الحديدية والمعدات المستخدمة في بناء كباري القناة) وقوارب العبور المطاطية.
يكشف العقيد حلمي زكي تفاصيل خطة الخداع الاستراتيجي التي وضع خطوطها العقيد أركان حرب أحمد نبيه (رحمه الله)، والتي تعد أكبر عملية خداع في تاريخ الحروب، وعلى المستوى التكتيكي للوحدات الصغيرة، أُمر الضباط بتقسيم قواتهم إلى مجموعات تنزل على شاطئ قناة السويس لتنفيذ مشاهد تمويهية دقيقة:
- مجموعة تنزل بصنانير صيد للأسماك على الضفة.
- مجموعة تلعب كرة القدم أمام أنظار العدو.
- مجموعة تغسل أفرولاتها العسكرية وتنشرها على الشاطئ.
ويروي العقيد حلمي زكي أنه في يوم 3 أكتوبر، جمعهم قائد الوحدة وأبلغهم بتلقي تعليمات رسمية من مفتي الجمهورية تصرح للقوات المسلحة بالإفطار في شهر رمضان، وهي الفتوى التي يقينوا معها أن الحرب باتت على بعد يومين أو ثلاثة؛ إذ لا يتخذ مثل هذا القرار إلا في حال العمليات الفعالية. وصدرت الأوامر بالدفع بالمجموعات التمويهية إلى شاطئ القناة اعتباراً من الساعة 9:00 صباح السبت 6 أكتوبر.
وفي تمام الساعة 9:00 صباح السبت، نزل الجنود للقيام بمهام الصيد واللعب والغسيل، وفي الساعة 11:00 صباحاً، وصل ظرف "سري للغاية" إلى قائد الكتيبة، فجمع الضباط وأعلن لهم القرار التاريخي: العبور سيبدأ في الساعة 2:20 ظهراً عقب الضربة الجوية والمدفعية.
وتجلت السرية المطلقة في عدم إبلاغ أي فرد بالميعاد إلا قبل 3 ساعات فقط، ليعود الجنود من الشاطئ فوراً لمواقعهم؛ حيث كانوا قد جهزوا أسلحتهم وعتادهم وذخائرهم مسبقاً استعداداً لساعة الانطلاق، وكانت الكتائب 16 و18 على خط القناة مباشرة بينما الكتيبة 17 في النسق الثاني.
يؤكد العقيد حلمي زكي عبد العزيز أن الموانع المائية في تاريخ الحروب هي أصعب الموانع إطلاقاً؛ فالألغام أو الأسلاك الشائكة (حتى المكهربة منها) يسهل تفجيرها واختراقها، أما المانع المائي فبطء الحركة فيه يسهل على العدو إبادة القوات المهاجمة، غير أن القيادة المصرية عوضت هذا الفارق التسليحي بالخداع الاستراتيجي والمفاجأة التي حققت 60% من النصر؛ حيث غفلت الاستخبارات الإسرائيلية عن التوقيت الدقيق رغم شعورهم بشرارات تحركات قبلها بـ 48 ساعة كما وثق موشيه ديان في مذكراته.
وعند الساعة 2:00 ظهراً بالضبط، عبرت 220 طائرة حربية سماء القناة لضرب مراكز القيادة والاحتياطيات الإسرائيلية لمنع وصول إمداداتهم للخطوط الأمامية. وحققت الضربة الجوية طفرة غير عادية؛ إذ لم تفقد مصر سوى 5 طائرات فقط (اثنتان منها بنفاذ الوقود)، في حين أن النسب العلمية للحروب تتوقع خسارة 10 إلى 15% من الطيران.
وينقل العقيد حلمي زكي المشاعر الجارفة التي خالجت الصدور لحظة عبور الطيران وسماع الانفجارات: "وجود الطيران وسماعنا للانفجارات وريحة البارود.. ريحة البارود المفروض إنها بتكتم النفس، لا.. ده ريحة البارود دي كانت بالنسبة لنا أحلى من أي برفان في العالم! ريحة البارود دي رفعت روحنا المعنوية خلتنا خلاص.. ما حدش فكر إنه هيموت، والله والله والله لم نفكر إلا في مصر وده كلام أنا بقوله من القلب وربنا شاهد عليا.. ولا الواحد فكر في أبوه ولا أمه ولا أخوه ولا أخته ولا البنوتة اللي هيخطبها ولا أي حاجة.. ولا إن حد هيموت وأهلي هيعملوا إيه بعدي.. روحنا المعنوية كانت معدية السبع سماوات".
وعقب الضربة الجوية بثوانٍ، انطلقت 2000 ماسورة مدفعية تضرب على طول الجبهة، واستغل الأبطال حماية نيران مدفعيتهم للتجديف بالقوارب المطاطية ونزول المانع المائي؛ حيث عبر ما بين 70 إلى 80 ألف جندي مصري القناة في توقيت واحد دون أن تتعرض القوارب لنيران مؤثرة من الجانب الآخر.
يفصّل العقيد حلمي زكي ، بطل المشاة، الصعاب والأهوال الأربعة التي تم تحطيمها على الضفة الشرقية:
1. المانع المائي: تم التغلب على صعوبته بعنصر الخداع والمفاجأة وإرباك العدو.
_2894_090226.jpeg)
2. النقط الحصينة (القوية): كانت تضم تجهيزات وأسلحة عاتية تجعل عبور القناة مستحيلاً في نظر أي خبير. وتم التغلب عليها بناءً على خطة الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي عبر تشييد "مساطب" على الضفة الغربية بذات ارتفاع النقط القوية وعلى مسافة بسيطة (200 إلى 250 متراً)، وتزويدها برشاشات متوسطة وثقيلة ومدافع مضادة للدبابات؛ لتكثيف الضرب المباشر على فتحات النقط الحصينة وإسكاتها تماماً أثناء عبور القوات.

3. أنابيب النابالم: وهي مادة كيماوية بقوام أتقل من الطحينة، يحترق سائلها فور ملامسة أكسجين الهواء مشكلاً ألسنة لهب كاوية. وكانت إسرائيل قد تمددت بمواسير نابالم تحت مياه القناة تغذيها خزانات داخل النقط الحصينة تختبرها يومياً، حيث كانت المادة تطفو على الماء (لأن كثافتها أقل من 1) لتشعل القناة بالكامل وتحرق الـ 80 ألف جندي. وتم التغلب على هذا الخطر بفضل اللواء إبراهيم شكيب ومجموعته؛ حيث نزل اثنان من أبطال الضفادع البشرية ليلة 5 أكتوبر وغطسوا في القناة وسدوا الفتحات بـ "أسمنت حديدي" معالج، فلم يخرج سنتيمتر واحد من النابالم أثناء العبور.
_2894_090354.jpeg)
4. الساتر الترابي (ارتفاع 22 متراً): كان يتكون من رمال ناعمة جداً جلبها العدو من الشرق عقب 67، وكانت القوات قد تدربت على صعود سواتر تجريبية بارتفاع 8 إلى 9 أمتار بصعوبة، وتم الاستعانة لأبطال من رياضيي كمال الأجسام؛ حيث صعد البطل أولاً بقوته الجسدية وهو يحمل سلالم حبلية وخشبية وثبتها في أعلى الساتر ثم دلاها لأسفل، وبدلاً من استغراق نصف ساعة لصعود الجندي بكل عتاده (الأسلحة والجاكيت ومواسير المدافع المضادة للدبابات ورشاشات الجرينوف)، تقلص زمن صعود الساتر الترابي بالسلالم إلى 7 أو 8 دقائق فقط.
_2894_090431.jpeg)
ويرسم العقيد حلمي زكي مشاهد الوصول إلى قمة الساتر قائلاً:"المنظر اللي أنا وأنا بكلم حضرتك دلوقتي قدام عينيا وما بنساهوش من 53 سنة.. إن إحنا بعد ما طلعنا على طول ووقفنا على نهاية الساتر وعينينا وقعت على الدبابات والعربيات الإسرائيلية وهم بيجروا ناحية الشرق.. فارين ناحية الشرق! لأن الجندي الإسرائيلي يخشى المواجهة دائماً، وخصوصاً إنهم قارئين التاريخ كويس وعارفين الجندي المصري شكله إيه ومتابعين تدريباتنا".
عقب صعود الساتر، تقدمت القوات لتحقيق "المهمة المباشرة" على عمق 3.5 كيلومتر تحت التغطية الآمنة لحائط الصواريخ، والذي أجبر قائد الجيش الإسرائيلي موشيه ديان على إصدار تعليمات صارمة لطيرانه بعدم الاقتراب من القناة لمسافة 15 كيلومتراً. وخلال التقدم، اشتبكت القوات مع احتطياطيات الدبابات الإسرائيلية ودحرتها، ورغم وقوع بعض الخسائر البشرية الطبيعية في الحروب، إلا أنها كانت بسيطة وغير متوقعة.
وهنا يروي العقيد حلمي زكي عبد العزيز (وكان برتبة نقيب وقائد ثاني سرية بالكتيبة 18) تفاصيل المهمة الانتحارية التي تطوع لقيادتها لتوفير الذخيرة؛ حيث تؤدي القوات المهاجمة مهمتها وتفقد معظم ذخائرها فتصبح بحاجة ماسة لاستعواض العتاد:

عبر النقيب حلمي زكي إلى الضفة الغربية وأعد 5 شاحنات ضخمة محمّلة بكل أنواع الذخائر (من طلقة المسدس إلى دانة المدفع المضاد للدبابات)، وثاني أيام الحرب، وبعد فتح الثغرات بخراطيم المياه (فكرة اللواء باقي زكي يوسف) وبناء المهندسين للكباري، عبر النقيب حلمي بالشاحنات، وبمجرد عبوره قرب نقطة "الدفرسوار" الحصينة—ولم تكن قد سقطت بعد—بدأت النقطة في صب نيرانها الكثيفة على شاحنات الذخيرة لخلق كارثة.
توقف النقيب حلمي زكي، في مكان آمن مؤقتاً لتقدير الموقف واتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة؛ إذ تحسم الثواني مصير الحروب، ولم يجد أمامه سوى خيار انتحاري واحد: أخذ سيارة "جيب" صغيرة محملة بـ 6 دانات ومملوءة بالبنزين، ومعه ضابط وسائق، والانطلاق بها مباشرة في مواجهة النقطة الحصينة لتشتيت نيرانها عن شاحنات الذخيرة.
يستكمل مذكرات الحرب قائلا: "الناس اللي معايا قالوا: ما كده العربية هتتدمر وأنت فيها! قلتلهم: مش مهم، أنا عاوز أوصل للنقطة القوية والعربية تتدمر وينتج عن التدمير ده كمية من الدخان رهيبة جداً بسبب البنزين والدانات.. مش مهم، طب أنت حضرتك هتموت يا فندم؟ قلتلهم: مش مهم.. مش أحسن ما ألف واحد يتعرضوا للكلام ده؟
وبالفعل، انطلق النقيب حلمي زكي، بالسيارة الجيب نحو وجه حصن العدو، وانهالت عليهم النيران حتى اقتربوا جداً من النقطة، فنزلوا منها في أسرع لحظة لتتلقى السيارة ضربة مباشرة وانفجاراً هائلاً أحدث سحابة دخان وستاراً كثيفا أعمى رؤية النقطة القوية بالكامل، واستغلت الشاحنات الخمس هذا التعتيم الدخاني وانطلقت بأقصى سرعة لتصل إلى مقر الكتيبة وتفرغ حمولتها بنجاح.
واكتملت المهمة بنجاح باهر، ليخوض النقيب حلمي زكي، ورفيقه رحلة قاسية في الموقع عقب تدمير السيارة؛ أصيب خلالها الضابط المساعد أولاً، ثم أصيب البطل حلمي زكي، بجراح بالغة استقرت في جسده، لتظل تلك الجراح وسام فخر وشاهداً حياً على ملحمة بطل فدى رفاقه بدمه لتكتب مصر اسم النصر بحروف من نور.
14 أكتوبر 2026 09:23 م
14 أكتوبر 2026 02:58 م
13 أكتوبر 2026 04:26 م
13 أكتوبر 2026 05:01 م
12 أكتوبر 2026 02:27 ص
أكثر الكلمات انتشاراً