الخميس، 08 أكتوبر 2026
02:14 ص
في الأسبوع الذي تدخل فيه "إم إن تي حالا" البورصة المصرية بأكبر طرح بالجنيه في تاريخها، 7.84 مليار جنيه، تحمل نشرتها رقماً لا يذكر عادة في حفلات الجرس: نحو 125 ألف دعوى قضائية ضد عملاء متعثرين،بمطالبات تبلغ 6.47 مليار جنيه.
الشركة تعرف أن الرقم مزعج، وتقدم له تفسيرين: المطالبات تمثل إجمالي قيمة عقود التمويل المتنازع عليها لا الرصيد المتبقي، ولا تتجاوز 3.5% من إجمالي إصدارات المجموعة منذ نشأتها، التفسيران وجيهان من حيث المبدأ، لكنهما لا يغلقان الملف بل يفتحان أسئلة أكبر.
بقسمة المطالبات على عدد الدعاوى، يكون متوسط الدعوى نحو 52 ألف جنيه ، هذا ليس تمويل شركات ولا قروض عقارات، بل تمويل استهلاكي وصغير لأفراد وأسر. وهذه هي الشريحة التي بنت عليها الشركة صورتها: تمويل من لا تصل إليه البنوك،
والمشكلة متركزة شركة "تساهيل للتمويل" وحدها تستحوذ على 5.79 مليار جنيه، أي 89.5% من إجمالي المطالبات، ومن يريد فهم جودة المحفظة عليه أن يقرأ هذه الشركة تحديداً، لا الصورة المجمعة للمجموعة.
وبحساب عكسي، إذا كانت المطالبات لا تتجاوز 3.5% من الإصدارات، فإجمالي التمويل التراكمي يقترب من 185 مليار جنيه.. فنحن أمام آلة إقراض ضخمة فعلاً، وأمام نسبة نزاع قضائي تبدو "محتملة" حتى تتذكر أنها تراكمية، وأن الدعاوى المرفوعة اليوم ليست كل المتعثرين، بل من وصل التحصيل معهم إلى القضاء.
الرئيس التنفيذي يقول إن نسبة التعثر في محافظ المجموعة تتراوح بين 4% و5%، الشركة تقول إن المطالبات القضائية 3.5% من الإصدارات، رقمان بمقياسين مختلفين، ولا أحد يشرح للمكتتب كيف يقرأهما معاً، هل المطالبات القضائية جزء من التعثر أم خارجه؟ وكم من الـ6.47 مليار هو الرصيد المتبقي فعلاً؟ هذا هو الرقم الذي يهم المستثمر، وهو غير موجود في الملخصات المنشورة.
وإن كان تفسير "قيمة العقد كاملة" صحيحًا، فهو يعني أن الشركة ترفع دعاوى بمبالغ تتضمن ما سُدد بالفعل، وهذا قد يكون قانونياً، لكنه يعكس نموذج تحصيل ترفع فيه القضية أولاً ويحسب الباقي لاحقاً، وهو ما يستحق نقاشاً اجتماعياً لا يقل أهمية عن النقاش المحاسبي.
الشركة القابضة نفسها بلا قروض، لكن الاستدانة كلها في الأذرع: تسهيلات ائتمانية للتابعات بنحو 31.7 مليار جنيه، وثماني إصدارات توريق لتساهيل بقيمة 31.47 مليار، وأربع لحالا للتمويل الاستهلاكي بـ8.07 مليار.
وهنا سؤال لا تجيب عنه المواد المتاحة: حين يتعثر العميل ويرفع عليه دعوى، من يتحمل الخسارة في النهاية، الشركة أم حملة الأسهم؟ وما شروط الحماية في عقود التوريق؟ ومن يتحمل الصدمة إذا ساءت جودة المحفظة؟
المكتتب يشتري سهماً في شركة قابضة تعتمد إيراداتها على توزيعات تابعاتها، وهذه التابعات مقيدة بعقود تمويل تمنع التوزيع، ولذلك تتوقع الشركة نفسها عدم توزيع أرباح عن 2026.
دراسة القيمة العادلة تتوقع أن يقفز صافي الربح من نحو ملياري جنيه في النصف الثاني من 2026 إلى 3.1 مليار في 2027، ثم 9.7 ثم 16.5 ثم 23.6، وصولاً إلى 32.2 مليار في 2031.، هذا نمو سنوي يقارب 80% لأربع سنوات متتالية والقيمة السوقية عند الطرح 39.2 مليار جنيه، أي إن الأرباح المتوقعة في 2031 وحدها تقارب القيمة السوقية الحالية.
قد يكون هذا صحيحاً، لكن على من يصدق هذا المسار أن يجيب عن سؤال واحد: كيف يتحقق نمو بهذا الحجم في سوق تمويل استهلاكي، مع تكلفة عاملين تبلغ 55% من المصروفات العمومية في النصف الأول من 2026، وفي ظل تضخم ومنافسة على الكفاءات تعترف بها الشركة نفسها؟ ثم إن هذه القيمة العادلة محسوبة بـ25.92 جنيه للسهم مقابل 24.5 سعر الطرح، أي خصم يقل عن 6% فقط "صفقة" بهامش متواضع، قائمة على توقعات متفائلة.
الطرح ثانوي: الأسهم المباعة مملوكة للمساهم البائع "إم إن تي إنفستمنتس"، فحصيلتها تذهب إليه لا إلى الشركة ثم تأتي بعد الطرح زيادة رأسمال بحد أقصى 170 مليون سهم بنفس السعر، يكتتب فيها المساهم الرئيسي وحده، وتمول من جزء من حصيلة البيع نفسه، وهي تقارب 4 مليارات جنيه.
بعبارة أخرى، يُباع للجمهور والمؤسسات بـ7.84 مليار، ثم يعود نحو نصفها إلى الشركة عبر البائع نفسه، ويخرج الفارق إلى المساهم الرئيسي، والمشتري في الطرح يتنازل مسبقاً عن حق الأولوية في هذه الزيادة ويقبل التخفيف: بعد الزيادة يصل عدد الأسهم إلى نحو 1.763 مليار، ويرتفع نصيب المساهم الرئيسي إلى نحو 80.47%.
والرئيس التنفيذي يقول إن أياً من مساهمي الشركة الأم لن يتخارج لكن الطرح بيع لأسهم قائمة، وبقية الحصيلة، حسب قوله، ستذهب إلى شركات المجموعة في دول أخرى، خارج الكيان المطروح أي إن جزءاً من أموال المكتتبين المصريين سيدعم أنشطة في تركيا والإمارات وباكستان لن يملك المساهم المصري منها شيئاً، وقد تكون هذه استراتيجية مشروعة، لكن يجب أن تُقال بوضوح لا في سياق مقابلة.
وفي المقابل، المستثمرون الرئيسيون المعلن عنهم، "ريد ويل" بنحو 20 مليون دولار و"البنك التجاري الدولي" بنحو 36 مليون دولار، يمثلون مبلغاً متواضعاً قياساً بحجم الطرح الأسماء الكبيرة تصنع انطباعاً أكبر من حجم الأموال.
125 ألف دعوى ليست بالضرورة دليل إفلاس، فالتقاضي هو أداة التحصيل المعتادة في هذا القطاع لكنها ليست رقماً هامشياً يُدفن في هامش النشرة، إنها المقياس الوحيد الشفاف لجودة المحفظة التي ستُبنى عليها كل التوقعات.
المكتتب لا يشتري قصة نمو، هو يشتري محفظة ديون استهلاكية معظمها ممول بالتوريق والتسهيلات، ونموذج تحصيل يمر عبر المحاكم، وتوقعات تفترض نمواً شبه مستحيل، وسهماً بلا توزيعات في المدى القريب، ومساهماً رئيسياً سيحتفظ بأكثر من 80% بعد الطرح.
وحتى يُنشر الرصيد المتبقي الفعلي في تلك الدعاوى، وتُشرح قواعد توزيع الخسائر في التوريق، سيظل السؤال مطروحاً: هل يشتري المكتتبون شركة تكنولوجيا مالية، أم يشترون محفظة ديون بغلاف رقمي؟
سيجيب التداول يوم 20 أكتوبر عن جزء من السؤال. أما الجزء الباقي فتجيب عنه المحاكم.
26 سبتمبر 2026 03:16 م
23 سبتمبر 2026 12:59 م
21 سبتمبر 2026 11:16 ص
08 أبريل 2026 12:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً