الخميس، 08 أكتوبر 2026
10:41 م
من حصار مكة إلى معارك العراق، ومن منبر الكوفة إلى فراش الموت في واسط، ترك الحجّاج بن يوسف الثقفي سيرةً يصعب فصلها عن صراع السلطة في الدولة الأموية. فقد أسهم في تثبيت حكمها، وعُرف بالقدرة على الإدارة والخطابة، لكن اسمه اقترن كذلك بالقمع وسفك الدماء. وبين هذه الوجوه تتشكل صورته التاريخية، بعيدًا عن المبالغات التي جعلت كل خبر عنه حكايةً مثيرة، أو كل نجاح له مبررًا للعنف.
وُلد الحجاج في الطائف نحو سنة 40هـ، وعمل بالتعليم مع أبيه قبل انتقاله إلى الشام. هناك اتصل بروح بن زنباع قائد الشرطة أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ثم برز الحجاج في خدمة الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي وجد فيه رجلًا قادرًا على ضبط الجند وتنفيذ أوامره بحزم. وكان صعوده متصلًا بحاجة الدولة إلى استعادة تماسكها بعد سنوات من الحرب والانقسام.
وجاءت محطته الكبرى حين أرسله عبد الملك لقتال عبد الله بن الزبير، الذي كان ينازعه الخلافة ويتخذ مكة مركزًا لحكمه. ولم تكن تلك المواجهة تمردًا محليًا على والٍ، بل الفصل الأخير من صراع بين مشروعين للخلافة. حاصر الحجاج مكة، واستخدم المنجنيق في الحصار، وطال القتال حتى قُتل ابن الزبير سنة 73هـ/692م، فانتهت دولته واستقرت الغلبة لعبد الملك. وظل ما أصاب الحرم خلال الحصار من أثقل الوقائع في سجل الحجاج.
وبعد المقتل وقعت مواجهة كشفت حدود القوة أمام الموقف الأخلاقي. فقد دخل الحجاج على أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير، فواجهته بقولها: (رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك).
ثم انتقل الحجاج إلى ولاية العراق سنة 75هـ، فدخل إقليمًا تتداخل فيه الخصومات السياسية والقبلية وحركات المعارضة المسلحة. وتنسب إليه كتب التاريخ خطبته الشهيرة التي توعّد فيها أهل الكوفة، ومنها: (إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها). ومهما اختلفت صيغ الخطبة، فإنها تلخص أسلوب حكمه: فرض الطاعة بالتهديد، وإلزام الجند بالعودة إلى ميادين القتال، ومعاقبة المتخلفين بشدة.
ومن أوائل الانتفاضات التي واجهته حركة عبد الله بن الجارود سنة 76هـ. حيث بدأت الأزمة حول محاولة إلغاء زيادة في أعطيات الجند، فاعترض ابن الجارود، واتسع الاعتراض حتى تحول إلى تحرك مسلح لإخراج الحجاج من العراق. وتكشف هذه الواقعة أن مقاومته لم تنشأ دائمًا من خلاف عقائدي؛ فقد أشعلتها أيضًا المصالح المعيشية وطريقة إدارة العلاقة بين الوالي والجند. وانتهت الحركة بمقتل ابن الجارود وتفرق أصحابه، فاجتاز الحجاج اختبارًا مبكرًا لسلطته.
وكانت حروب الخوارج تحديًا ممتدًا. ففي الشرق اعتمد الحجاج على المهلب بن أبي صفرة في قتال الأزارقة، ومدّه بما يعينه على مواصلة الحرب حتى تفككت قوتهم. أما شبيب بن يزيد الشيباني فقاد حركة أخرى ألحقت بقوات الحجاج هزائم متتابعة، وهددت سلطته في الكوفة نفسها. واضطر الوالي إلى طلب المدد من الشام، وانتهت مطاردة شبيب بغرقه في نهر دجيل، مع اختلاف الروايات في تأريخ مصرعه بين سنتي 77 و78هـ. وقد أظهرت هذه المواجهات مقدار اعتماد الحجاج على القوات الشامية لحماية حكمه.
غير أن أخطر الثورات كانت ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، مطلع الثمانينيات الهجرية. أرسله الحجاج على رأس جيش إلى سجستان لقتال رتبيل، ثم اشتد الخلاف بينهما بشأن التوغل في بلاد العدو. رأى ابن الأشعث التريث لتثبيت ما تحقق، بينما ألح الحجاج في مواصلة التقدم، ووجه إليه رسائل تقريع وتهديد. فتحول الخلاف العسكري إلى عصيان، ثم إلى حركة لخلع الحجاج وعبد الملك معًا، واستقطبت قطاعات من أهل العراق وجماعة من الفقهاء والقراء.
وبلغت الأزمة حدًّا دفع عبد الملك إلى عرض عزل الحجاج وتسوية شكاوى المقاتلين، لكن التسوية لم تُقبل. وحُسمت المواجهة لصالح الحجاج في دير الجماجم، التي يؤرخ لها عدد من المصادر بسنة 82هـ، ثم تتابعت هزائم ابن الأشعث. وكان انتصار الحجاج نقطة تحول في إحكام السيطرة الأموية على العراق، لكنه أعقبه تعقب للخصوم وقتل وأسر، تركت آثارًا عميقة في الذاكرة التاريخية.
وفي الجانب الإداري، ارتبط اسم الحجاج ببناء مدينة واسط، وبنقل ديوان الخراج في العراق إلى العربية على يد صالح بن عبد الرحمن. وقد أسهمت هذه الإجراءات في تقوية جهاز الحكم وتنظيم موارده. غير أن الاعتراف بكفاءته الإدارية لا يعفي تجربته من مساءلة الوسائل التي استخدمها؛ فنجاح الدولة في ضبط أقاليمها يظل أمرًا مختلفًا عن عدالة معاملتها للناس.
ومن أشد الوقائع التصاقًا بأواخر عهده قتلُ التابعي سعيد بن جبير، الذي كان ممن شاركوا في حركة ابن الأشعث.
أما نهاية الحجاج، فكانت في واسط بالعراق سنة 95هـ/714م، بعد مرض تذكر بعض الروايات أنه أصاب بطنه، وتسميه بـ (الأَكْلة).
وعند حضور الوفاة دعا قائلاً: (اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل). وأنشد شعراً قال فيه:
يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الْأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا
بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِ النَّارِ
أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ
مَا ظُنُّهُمْ بِكَثِيرِ الْعَفْوِ غَفَّارِ
إِنَّ الْمَوَالِيَ إِذَا شَابَتْ عَبِيدُهُمُ
فِي رِقِّهِمْ أَعْتَقُوهُمْ عِتْقَ أَبْرَارِ
وَأَنْتَ يَا خَالِقِي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا
قَدْ شِبْتُ فِي الرِّقِّ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ
استقطبت شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي اهتمام صناع الدراما، بما تحمله سيرته من صراعات سياسية ومواقف مثيرة للجدل. وتنوع حضوره الفني بين أعمال جعلته محور أحداثها، وأخرى قدمته ضمن شخصيات العصر الأموي.
ويبرز مسلسل (الحجاج – 2003) بوصفه عملًا مخصصًا لسيرته، جسّد فيه عابد فهد شخصيته، من تأليف جمال أبو حمدان وإخراج محمد عزيزية. تناول المسلسل صعوده إلى السلطة، وعلاقته بالخليفة عبد الملك بن مروان، ومواجهاته مع خصوم الدولة الأموية.
وظهرت شخصية الحجاج كذلك في مسلسل (عمر بن عبد العزيز – 1994) بأداء عبد الرحمن أبو زهرة، ضمن الأحداث المحيطة بسيرة الخليفة. كما جسّدها محتسب عارف في مسلسل (فارس بني مروان - 2004).
رحل الحجاج وبقي اسمه حاضرًا في النقاش حول السلطة وحدودها. ففي سيرته تتجاور القدرة على التنظيم مع الإفراط في العقاب، والفصاحة مع التهديد، وخدمة الدولة مع الإضرار بخصومها ورعاياها.
1. الموسوعة العربية، مادة «الحجاج بن يوسف الثقفي»: النشأة، والولاية، وحروب الخوارج، والإدارة.
2. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، الحديث 2545: موقف أسماء بنت أبي بكر بعد مقتل ابنها.
3. ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء التاسع: خطبة الحجاج، وثورة ابن الأشعث، ومقتل سعيد بن جبير، وأخبار وفاة الحجاج.
4. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 77هـ: أخبار شبيب وحروبه.
5. الذهبي، تاريخ الإسلام، حوادث سنة 82هـ: وقائع ثورة ابن الأشعث وعرض التسوية.
6. ابن خلدون، كتاب العبر، أخبار ولاية الحجاج وثورة ابن الجارود.
06 أكتوبر 2026 10:48 ص
02 أكتوبر 2026 02:43 م
29 سبتمبر 2026 08:59 ص
24 سبتمبر 2026 11:17 ص
أكثر الكلمات انتشاراً