السبت، 17 أكتوبر 2026
01:06 م
اللواء أركان حرب محمد صلاح التركي، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية
في قلب صرح الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث تتماهى صرامة الانضباط العسكري مع رقي الفكر الأكاديمي، تتجسد الرؤية الاستراتيجية للقوات المسلحة في صناعة وبناء جيل جديد من القادة العسكريين القادرين على استيعاب تعقيدات ساحات القتال المعاصرة.
وفي لقاء صريح مع “تليجراف مصر” استعرض اللواء أركان حرب محمد صلاح التركي، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، فلسفة العمل والمنظومة التربوية والتعليمية التي تدار بها الكليات العسكرية، كاشفاً بكلماته عن كواليس الإعداد، التحديات السلوكية والنفسية للجيل المعاصر، ومعايير الجدارة التي لا تساوم فيها القوات المسلحة.
أوضح اللواء أ.ح محمد صلاح التركي أن فلسفة الأكاديمية العسكرية المصرية تنطلق من ثوابت الدستور المصري الذي يحدد المهام الاستراتيجية للقوات المسلحة في ثلاث غايات رئيسية؛ تبدأ بالمهمة التاريخية والأساسية في الدفاع عن حدود الوطن وحماية مقدرات شعبه، مروراً بالمعاونة في حفظ الأمن والاستقرار الداخلي عند الحاجة، وصولاً إلى الدور التنموي والوطني في مساندة أجهزة الدولة المختلفة للنهوض بالدولة المصرية.
ومن هذا المنطلق، يؤكد مدير الأكاديمية أن عقيدة القوات المسلحة تقضي بأن النصر في الميدان يعتمد أساساً على كفاءة العنصر البشري؛ إذ إن "الدول تحارب كما تتدرب" ولتحقيق هذه الغاية، صُممت الأكاديمية لتضم تحت مظلتها الكليات العسكرية الكبرى (الحربية، الدفاع الجوي، البحرية، الجوية، والتكنولوجية)، مرتكزةً على ثنائية صارمة لا تقبل التنازل: حالة انضباطية فائقة تتكامل مع عملية تعليمية وتربوية متقنة تصنع الفكر، والسلوك، والانضباط، وكفاءة الأداء.
يستشرف اللواء أ.ح محمد صلاح التركي من خلال المنظومة التعليمية بالأكاديمية طبيعة الحروب الحديثة في عصر الاتصالات والمعلومات، والتي تجاوزت المفهوم التقليدي المعتمد على الحشود الضخمة والكتل النارية الثقيلة.
وترتكز تكتيكات القتال المعاصر على تشكيلات محدودة العدد ذات تقنية عالية، خفيفة الحركة، سريعة الانتشار والمناورة، وقادرة على تنفيذ مهام الضرب السريع والانسحاب الفوري دون الحاجة لإمدادات لوجستية معقدة.
وفي هذا المشهد المفتوح وغير المحدود، يوضح مدير الأكاديمية أن الأهمية القصوى تبرز لمنظومات القيادة والسيطرة المتطورة، والاعتماد المتزايد على القوات الجوية والمسيرات بجميع أنواعها لتأمين العمليات البرية. وتتطلب هذه المتغيرات تخلّياً تدريجياً عن مركزية القرار التقليدية لتمكين الضابط الصغير ميدانياً من اتخاذ القرار الحاسم والفوري في توقيته المناسب، ولتحقيق هذا المستوى القتالي المتقدم، يُصقل طالب الأكاديمية بثلاثية استراتيجية تشمل: لياقة بدنية هائلة للمشقة والمناورة، لياقة ذهنية عالية لحساب عوامل الموقف واتخاذ القرارات السريعة، ولياقة فنية دقيقة في التخصص.
حسم اللواء أ.ح محمد صلاح التركي الجدل المثار تاريخياً حول وجود وسائط أو محسوبيات في الالتحاق بالكليات العسكرية، مؤكداً بكلماته الواضحة أن الاختيار يرتكز حصراً على معايير الكفاءة الذاتية، التأهيل البدني والصحي، والقدرات الفكرية.
وفي اختبار عملي للشفافية أشار إليه مدير الأكاديمية، أُتيحت الفرصة لمئات المتقدمين وذويهم لمعاينة الملفات والأعداد على أرض الواقع، حيث أثبتت الأرقام الفعلية أن نسبة أبناء الضباط لا تتجاوز حدوداً طفيفة لا تذكر من مجمل الدفعة، في تأكيد قاطع على أن الالتحاق بالمؤسسة العسكرية لا يخضع سوى لجدارة الشاب واستعداده لحمل الأمانة.
وأكد اللواء ا.ح محمد صلاح أن الأكاديمية تتعامل بعلم وعمق مع الخصائص النفسية والسلوكية لشباب جيل المستقبل والذين يتسمون بسرعة التفاعل، الجرأة في اتخاذ القرار، والتعامل الفطري مع التكنولوجيا، مقابل تحديات تتعلق بسرعة القلق وعدم الاستقرار.
ولترويض هذه الطاقات وتوجيهها نحو الانضباط المنهجي، يشرح مدير الأكاديمية أن الدفعة الجديدة تخضع لفترة إعداد مركز لمدة 90 يوماً في مستهل حياتهم بالأكاديمية، يتم خلالها فصل الطلاب تماماً عن المؤثرات الخارجية والهواتف المحمولة؛ لبناء شخصية عقلية متأملة، وجسد صلب قادر على التحمل، وبيئة منضبطة تحترم الدقيقة والتوقيت.
في خطوة تعكس أعلى درجات المكاشفة التي صرح بها اللواء أ.ح محمد صلاح التركي، أعلنت الأكاديمية أن نسبة النجاح والتخرج للكلية الحربية بلغت 88%، نتيجة عدم إتمام 63 طالباً لمشوار الدفعة من أصل 500 طالب بسبب الإخفاق في تحمل متطلبات الحياة العسكرية أو مخالفة القوانين والأحكام والتقاليد العسكرية المسلكية.
وأكد مدير الأكاديمية أن تلبية احتياجات القوات المسلحة من الضباط لا يمكن أن تأتي على حساب معايير الجودة والانضباط؛ فالتهاون في الاختبارات البدنية أو ارتكاب المخالفات السلوكية في المراحل يواجه بالفصل الفوري، حتى ولو في المراحل النهائية.
كما أن النظام الدراسي لا يمنح رفاهية التعثر المطول أو الرسوب المتكرر المتبع في الجامعات المدنية؛ إذ يمنح المتعثر فرصة استدراكية واحدة عبر دورة تدريبية صيفية مكثفة، وفي حال الإخفاق مجدداً يتم إنهاء القيد فوراً لضمان جاهزية القوات المسلحة بكوادر كفؤة ومستعدة تماماً لتحمل المسؤولية.
يؤكد اللواء أ.ح محمد صلاح التركي أن يوم الطالب في الأكاديمية يبدأ مبكراً مع صلاة الفجر استحضاراً لمعانيها الروحية والانضباطية، يعقبها طابور اللياقة والتفتيش، ثم التوجه إلى قاعات المحاضرات التي تدمج بوعي بين العلوم العسكرية والمدنية (عبر التعاون مع جامعة القاهرة في تخصصات الاقتصاد، العلوم السياسية، نظم المعلومات، والأمن السيبراني).
وعلى الصعيد الوطني، يشير مدير الأكاديمية إلى استقبال الكوادر المدنية في دورات تدريبية متخصصة مدتها ستة أشهر تنفيذاً للمهمة الدستورية في مساندة أجهزة الدولة، ولا تستهدف هذه الدورات تغيير الهوية المدنية للمتدربين، بل إبراز أفضل ما لديهم وإعادة صياغة شخصياتهم وفق معايير الإتقان، الالتزام الحرفي بالتوقيتات، التنظيم الدقيق، وتحمل المسؤولية، ليخرج المتدرب بتجربة معايشة حقيقية ترفع من كفاءة أداء مؤسسات الدولة التي ينتمي إليها.
أكثر الكلمات انتشاراً