الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
02:12 ص
لن يكفي أن يُغلق اكتتاب بنك القاهرة بتغطية مرتفعة وسعر قريب من الحد الأعلى ليقول أحد إن برنامج الطروحات الحكومية بخير؛ فالتغطية تقيس شهية المستثمرين، أما الإصلاح فيُقاس بما يتغير في دور الدولة داخل الاقتصاد.
بعد نحو تسع سنوات من القيد المؤقت لبنك القاهرة، بدأت البورصة في 19 أكتوبر 2026 تلقي أوامر شراء أسهم بنك القاهرة.
تطرح الصفقة 30% من رأس المال بقيمة تتراوح بين 22.05 و24.25 مليار جنيه، أي نحو 454 مليون دولار عند الحد الأعلى، وقد ترتفع إلى أكثر من 36 مليار جنيه إذا زادت الحصة المطروحة إلى 45%.
ارتفع صافي ربحه 15% إلى 8.6 مليار جنيه في النصف الأول من 2026، وبلغت أصوله 552 مليار جنيه، وودائعه 440.4 مليار جنيه، واهتمام مجموعات استثمارية دولية بالطرح الخاص، بينها Sustainable Capital وRWC وWaha Investments وHelikon، يمنحه مصداقية إضافية، وإن ظلت التزاماتها مشروطة بالسعر النهائي ولا تعني تخصيصًا مؤكدًا.
لكن التوقيت هو ما يكشف الدافع؛ فبرنامج صندوق النقد البالغ 8 مليارات دولار ينتهي في 15 ديسمبر 2026، وقد انتقد الصندوق في مراجعته الخامسة والسادسة بطء بيع الأصول الحكومية، وعاد في السابعة ليشدد على تسريع الطروحات، ولا يزال أمام الحكومة نحو 974 مليون دولار من مستهدف الـ1.5 مليار دولار، بحسب بيانات يوليو، من هنا يبدو بنك القاهرة محاولة لسد فجوة قبل إغلاق الملف، بقدر ما هو خطوة في رؤية إصلاحية.
هذه نقطة غابت عن كثير من العناوين، الصفقة بيع لأسهم قائمة يملكها بنك مصر، ولا تتضمن إصدار أسهم جديدة، وبحسب هيكل العملية تؤول الحصيلة إلى بنك مصر بصفته البائع، لا إلى بنك القاهرة ولا إلى الموازنة مباشرة.
ومن ثم فإن الحديث عن حصيلة تخارج بمئات الملايين من الدولارات يظل ناقصًا ما لم يُجب عن سؤالين: كم يصل فعلًا إلى الموازنة؟ وكم يُوجَّه إلى خفض الدين، علمًا بأن الحكومة تعهدت، وفق تقرير الصندوق، بتخصيص ما لا يقل عن 50% من حصيلة التخارج المتبقية لهذا الغرض؟
الشفافية هنا ليست ترفًا فإذا لم يعرف الرأي العام أين تذهب حصيلة الأصول المملوكة له، فقدت عملية البيع أحد أهم مبررات الدفاع عنها.
حتى لو بيع 45% من البنك، ستبقى 55% من الأسهم في يد بنك مصر، أي في يد الدولة، وبقاء السيطرة لا يلغي قيمة الطرح؛ فوجود مساهمين من خارج القطاع الحكومي يرفع متطلبات الإفصاح ويتيح تقييمًا يوميًا للأداء، لكن الخلط بين توسيع قاعدة الملكية وتقليص دور الدولة خلط في المفاهيم.
وقد قال الصندوق ذلك صراحة في مراجعته السابعة، حين دعا إلى إعطاء أولوية للصفقات التي تحقق مشاركة مؤثرة للقطاع الخاص، وتشجيع بيع حصص الأغلبية حيثما كان مناسبًا، بدلًا من الاكتفاء بحصص محدودة تجلب سيولة وتترك الإدارة والاستراتيجية حيث كانتا.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الحكومة تتحرك؛ فهناك شركة مصر لتأمينات الحياة التي كُلّفت “إي إف جي هيرميس” بطرح ما يصل إلى 20% منها، وشركات “إنبي” و"إيلاب" و"خدمات البترول البحرية" التي بدأت إجراءات قيدها، ووثيقة ملكية الدولة 2026–2030 بمحاورها التسعة وبرامجها الـ31 ونحو 100 إجراء تنفيذي.
لكن الوثائق لا تصنع إصلاحًا، والقيد المبدئي لا يعني طرحًا مكتملًا، والخطة المعتمدة لا تعني تنفيذًا، والخطر الحقيقي أن تتحول الطروحات من أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد إلى مورد استثنائي يُلجأ إليه كلما ضاقت الموازنة، بينما تبقى الاحتياجات التمويلية العامة قرب 40% من الناتج المحلي الإجمالي، كما حذر الصندوق في سبتمبر الماضي.
مع اقتراب نهاية البرنامج، وإعلان رئيس الوزراء أن الحكومة لا تخطط حاليًا لبرنامج جديد مع الصندوق، يصبح غياب هذا المرجع الخارجي سببًا إضافيًا للتدقيق، وأرى أن الحكم على التجربة يجب أن يقوم على أربعة معايير:
في النهاية يستحق طرح بنك القاهرة التقدير بوصفه خطوةً قابلةً للقياس، بعد سنوات من الوعود المؤجلة، وهو دليل على أن السوق المصرية ما زالت قادرة على استيعاب صفقات كبيرة، غير أن اكتتابًا ناجحًا لا يثبت أن الاقتصاد يتغير، بل يثبت فقط أن الحكومة قادرة على البيع حين يكون الأصل جيدًا والتوقيت ملحًّا.
الاختبار الأصعب بعد إغلاق الاكتتاب: هل تتحول هذه الصفقة إلى بداية مسار يقلص حضور الدولة ويوسع مساحة القطاع الخاص، أم تبقى صفقة كبيرة في برنامج لم يكتمل بعد؟.
13 أكتوبر 2026 01:50 م
26 سبتمبر 2026 03:16 م
23 سبتمبر 2026 12:59 م
21 سبتمبر 2026 11:16 ص
أكثر الكلمات انتشاراً