الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
11:39 م
صورة توضيحية - مولدة بالذكاء الإصطناعي
أكدت مصر، اليوم الأربعاء، رفضها القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة فايز السراج عام 2019 بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، معتبرةً أن الاتفاقية باطلة قانونيًا ولا تترتب عليها أي آثار قانونية تجاه مصر، فيما وصفت القاهرة الاتفاق بإنه “باطل” بطلانًا كاملًا، وفقًا لبيان وزارة الخارجية.
وشددت القاهرة على أن تصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة لا يغير من موقفها القانوني، ولا ينتقص من حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مؤكدة أن الاتفاقية تتعارض مع مبادئ القانون الدولي للبحار، والقواعد المنظمة لترسيم الحدود البحرية، التي تستند إلى أسس العدل والإنصاف.
لكن وراء هذا الرفض المصري، الذي يعود إلى عام 2019، تقف قصة أوسع من مجرد اتفاق بين تركيا وليبيا، إذ يتعلق الأمر بخريطة النفوذ في شرق البحر المتوسط، وحقوق الدول في استكشاف النفط والغاز، ومدى تأثير الاتفاقية الثنائية على مصالح الدول الأخرى، في واحدة من أكثر القضايا البحرية تعقيدًا في المنطقة.
تعود جذور الأزمة إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج آنذاك، مذكرتي تفاهم في إسطنبول، إحداهما للتعاون الأمني والعسكري، والأخرى لتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
وجاء توقيع الاتفاقيتين في مرحلة شديدة الحساسية من الأزمة الليبية، وسط انقسام سياسي وعسكري داخل البلاد، بالتزامن مع تصاعد التنافس الإقليمي على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وتزايد الخلافات بشأن الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي.
وقدمت أنقرة وطرابلس المذكرة البحرية باعتبارها إطارًا لتنظيم حقوقهما البحرية وحماية مصالحهما وفقًا للقانون الدولي، بينما أثارت الاتفاقية اعتراضات من مصر واليونان وقبرص، التي رأت أن الخطوط البحرية المحددة فيها تمس حقوقًا ومصالح لدول أخرى في المنطقة.
ولم يكن الاعتراض المصري منفصلًا عن التطورات الجغرافية والقانونية في شرق المتوسط، حيث تتداخل المطالبات البحرية وتتقاطع حسابات الطاقة والأمن، وتكتسب كل نقطة على الخريطة أهمية كبيرة في تحديد المساحات البحرية التي يمكن للدول استغلال مواردها الطبيعية فيها.
لفهم الخلاف، يجب أولًا التمييز بين ترسيم الحدود البحرية وبين امتلاك البحر نفسه، فالدول الساحلية تتمتع بحقوق مختلفة وفقًا للمناطق البحرية المحيطة بها، ويمنح البحر الإقليمي الدولة الساحلية سيادة تخضع لقواعد القانون الدولي، بينما تمنح المنطقة الاقتصادية الخالصة الدولة حقوقًا سيادية في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وإدارتها، بما يشمل الثروات السمكية وموارد الطاقة، وفقًا للأحكام المنظمة لهذه المنطقة، وفقًا لتقارير أجنبية.
أما الجرف القاري، فيتعلق بحقوق الدولة الساحلية في استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الموجودة في قاع البحر وما تحته، بما في ذلك النفط والغاز، وفقًا للقواعد القانونية المنظمة له.
وبالتالي، فإن ترسيم الحدود البحرية يعني تحديد الخطوط التي تفصل بين المناطق البحرية التي تتمتع فيها الدول بحقوق سيادية أو اختصاصات قانونية، وهو أمر بالغ الأهمية عندما تتداخل المطالبات بين دولتين أو أكثر.
وتزداد المسألة تعقيدًا في شرق المتوسط بسبب الجزر والسواحل المتقابلة والمتجاورة، إذ يمكن للموقع الجغرافي للجزر، ومدى تأثيرها في تحديد الحدود، وطبيعة السواحل وأطوالها، أن تلعب دورًا مهمًا في أي عملية ترسيم.
ومن هنا، فإن الخلاف حول المذكرة التركية الليبية لا يتعلق بمجرد رسم خط على الخريطة، بل بما قد يترتب على هذا الخط من تحديد للمناطق البحرية التي يمكن لكل دولة المطالبة بحقوق استغلال مواردها فيها.
تتمثل نقطة الاعتراض المصرية الأساسية في أن الاتفاقية تمس حقوقها السيادية البحرية وتتعارض مع القواعد التي ينبغي أن تحكم تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق المتوسط.
وترى مصر أن إبرام اتفاق ثنائي بين تركيا وليبيا لا يمنح الطرفين الحق في ترتيب أوضاع بحرية تمس حقوق الدول الأخرى، ولا يجعل الخطوط المحددة في المذكرة ملزمة للقاهرة أو قادرة على الانتقاص من حقوقها البحرية.
ويستند الموقف المصري إلى مبدأ قانوني مهم، وهو أن الاتفاقيات الثنائية لا تنشئ، في حد ذاتها، التزامات على الدول الأخرى دون موافقتها، وبناءً على ذلك، فإن تصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة لا يعني تلقائيًا أن مصر أصبحت ملزمة بما ورد فيها، أو أنها فقدت حقوقًا بحرية تتمسك بها.
كما تؤكد القاهرة أن تحديد الحدود البحرية يجب أن يستند إلى القواعد القانونية ذات الصلة، بما يحقق العدل والإنصاف ويراعي الحقوق المشروعة للدول المعنية، بدلًا من التعامل مع الاتفاق الثنائي باعتباره أمرًا محسومًا في مواجهة بقية الأطراف.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، في ظل حرصها على حماية مصالحها البحرية في البحر المتوسط، والحفاظ على حقوقها المرتبطة بالموارد الطبيعية، وعدم السماح بفرض ترتيبات بحرية من جانب واحد على حساب مصالحها السيادية.
لم يقتصر الاعتراض على مصر، إذ رفضت اليونان وقبرص الاتفاق منذ توقيعه عام 2019، بسبب خلافات تتعلق بتأثيره على حقوقهما البحرية في شرق المتوسط.
وتتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول الجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت، ومدى تأثيرها القانوني في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
وتؤكد اليونان أن الجزر تتمتع، وفقًا لقانون البحار، بحقوق بحرية لا يجوز تجاهلها عند ترسيم الحدود، وترى أن الخط الذي رسمته المذكرة التركية الليبية لا يراعي حقوقها على النحو الصحيح قانونًا.
في المقابل، تدافع تركيا عن الاتفاقية، وتقول إن تحديد الحدود البحرية ينبغي أن يراعي الظروف الجغرافية وأطوال السواحل ومبدأ الإنصاف، مع رفضها منح الجزر تأثيرًا كاملًا وتلقائيًا في جميع الحالات، أما قبرص، فتعارض المذكرة لأنها تمس حقوقها البحرية أيضًا.
وهكذا، أصبح الاتفاق جزءًا من نزاع إقليمي أوسع، تتباين فيه القراءات القانونية والجغرافية، ولا يمكن حسمه بمجرد إعلان دولة أو دولتين اتفاقًا بشأن حدودهما البحرية.
لم تكن المذكرة محل خلاف خارجي فقط، بل واجهت أيضًا اعتراضًا داخل ليبيا منذ توقيعها.
ففي عام 2020، رفض مجلس النواب الليبي الاتفاقات الموقعة مع تركيا، واتخذ موقفًا رافضًا للتقارب معها، في ظل الانقسام بين السلطات الموجودة في شرق البلاد وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وفقًا لوسائل إعلام ليبية.
وكانت تركيا آنذاك من أبرز الداعمين لحكومة الوفاق، سياسيًا وعسكريًا، في وقت كانت فيه قوات خليفة حفتر تخوض مواجهة معها، وهو ما جعل الاتفاق البحري جزءًا من مشهد الصراع الداخلي الليبي، وليس مجرد تفاهم فني يتعلق بالحدود البحرية.
لكن المشهد شهد تغيرات خلال السنوات التالية، مع توسع الاتصالات التركية مع قيادات ومؤسسات في شرق ليبيا، بالتوازي مع استمرار علاقاتها بالسلطات الموجودة في غرب البلاد.
وفي أكتوبر 2026، صوّت مجلس النواب الليبي بالموافقة على مذكرة التفاهم البحرية، وألغى قرارات سابقة مرتبطة برفض الاتفاقات مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها، وفقًا للمعلومات الواردة بشأن التصويت.
ويمثل هذا التحول تطورًا مهمًا في الموقف السياسي الليبي، بعدما انتقلت المذكرة من كونها اتفاقية مرفوضة من المؤسسة التشريعية في شرق البلاد إلى اتفاق يحظى بموافقتها.
لكن هذه الموافقة لا تعني أن الخلافات القانونية مع مصر واليونان وقبرص قد انتهت، ولا أنها أزالت اعتراضات الدول الأخرى على الخطوط البحرية الواردة في الاتفاق.
كما لا تعني أن تصويت البرلمان الليبي أنشأ حدودًا بحرية جديدة بين تركيا وليبيا؛ فالمذكرة موقعة منذ عام 2019، وقد دخلت حيز التنفيذ بين الطرفين في ديسمبر من العام نفسه، ويتمثل التطور الجديد في تغيير موقف المؤسسة التشريعية الليبية من الاتفاق.
تكتسب المذكرة أهمية اقتصادية كبيرة، لأن ترسيم الحدود البحرية يرتبط بتحديد المناطق التي تتمسك فيها الدول بحقوق استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها.
لكن من الضروري التمييز بين تحديد المطالبات البحرية وبين منح تراخيص التنقيب الفعلية؛ فالمذكرة لا تعني، بمفردها، أن أي شركة تركية أو ليبية أصبحت قادرة على بدء الحفر في جميع المناطق التي يشملها الخط البحري، كما لا تلغي تلقائيًا النزاعات القائمة مع الدول الأخرى.
وفي السنوات الأخيرة، توسع التعاون بين تركيا وليبيا في مجال الطاقة، بما في ذلك التعاون الفني المتعلق بدراسة المناطق البحرية الليبية وفرص استكشاف النفط والغاز.
وفي يونيو 2025، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية «TPAO»، تتعلق بإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في مناطق بحرية ليبية، إلى جانب أعمال مسح سيزمي.
ويعكس هذا التعاون أهمية الموارد الطبيعية في الحسابات التركية الليبية، كما يوضح لماذا تحظى مسألة تحديد المناطق البحرية باهتمام سياسي واقتصادي واسع.
ومع ذلك، فإن أي نشاط في منطقة تتداخل بشأنها المطالبات البحرية قد يثير اعتراضات قانونية أو سياسية، ولا سيما إذا كانت دولة أخرى ترى أن النشاط يمس حقوقها السيادية.
وبالنسبة لمصر، فإن حماية الحقوق البحرية لا ترتبط فقط بالحدود المرسومة على الخرائط، بل أيضًا بما قد يترتب على هذه الحدود من آثار اقتصادية مستقبلية، في ظل أهمية شرق المتوسط باعتباره منطقة رئيسية لإنتاج الغاز وتصديره وتطوير مشروعات الطاقة.
تتمثل الأهمية الرئيسية للتصديق في أنه يمنح المذكرة دعمًا سياسيًا وتشريعيًا أوسع داخل ليبيا، بعدما ظلت لسنوات موضع رفض من مجلس النواب.
كما يعزز التقارب بين تركيا ومؤسسات شرق ليبيا، ويفتح المجال أمام مزيد من التعاون الثنائي في ملفات السياسة والاقتصاد والطاقة.
لكن هذه المكاسب السياسية لا تعني أن الاتفاق أصبح ملزمًا لمصر، أو أن الاعتراضات القانونية المصرية فقدت قيمتها، أو أن الحدود البحرية المتنازع عليها حُسمت نهائيًا.
فمن الناحية القانونية، لا يكفي اتفاق ثنائي لتحديد حقوق دولة ثالثة أو فرض التزامات عليها دون موافقتها. كما أن التصديق الداخلي على اتفاقية لا يحسم وحده النزاع الدولي بشأن مدى توافقها مع القواعد القانونية ذات الصلة.
اقرأ أيضًا:
مصر ترفض التصديق الليبي على اتفاقية بحرية مع تركيا.. وتتمسك بحقوقها السيادية
21 أكتوبر 2026 08:44 م
21 أكتوبر 2026 08:07 م
21 أكتوبر 2026 09:13 م
21 أكتوبر 2026 07:27 م
أكثر الكلمات انتشاراً